الدرس في التعليق على الجواب الكافي 140، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض الإمام ابن القيم ثلاثة أقوال في عقوبة اللواط هي القتل بالحرق أو السيف، والحد كحد الزنا، والتعزير. وساق أثر خالد بن الوليد مع أبي بكر الصديق ومشورة الصحابة ورأي علي بن أبي طالب بالحرق مع بيان ضعف إسناد هذا الأثر وإرساله.
يناقش المقطع قول ابن عباس بقتل اللوطي رمياً من شاهق ثم بالحجارة مبيناً صحة إسناده وعدم مخالفة صحابي في أصل القتل. كما يبحث في حديث "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" موضحاً اضطراب إسناده واختلاف العلماء في تصحيحه مع الاتفاق على لعن فاعلها والإجماع على القتل مع الاختلاف في كيفيته.
يقرر النص إجماع الصحابة على وجوب قتل فاعل اللواط مبيناً أن الخلاف المنقول إنما هو في صفة القتل لا في أصله. ثم يستدل بآيات القرآن على شدة تحريم اللواط حيث عرفت الفاحشة فيه بأل التعريف الدالة على الاستغراق بخلاف الزنا حيث نكرت مع وصفه بأنه بدعة لم يسبقهم إليها أحد.
يذكر المفسر أن الله سبحانه وتعالى عقب ذكر عذاب قوم لوط أكد بقوله ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. مبينًا أن العذاب قريب من الظالمين والمجرمين في كل زمان ومكان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فذكر الإمام ابن القيم رحمه الله مسألة من يعمل عمل قوم لوط، وذكر خلاف أهل العلم في عقوبته، فذكر الثلاثة أقوال: القول الأول أنهم يحرقون بالنار أو يقتلون، محصنًا كان أو غير محصن. وذكرنا ما المراد بالمحصن؛ المحصن كما قلنا الذي وطأ وطأً صحيحًا، الذي وطأ وطأً صحيحًا يسمى محصنًا، أن تزوج زواجًا صحيحًا. وهناك القول الثاني أنه مثل عقوبة الزنا، وقول ثالث أنه يعزر، وهو قول أبي حنيفة. ثم ذكر كلامًا أو أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء. ثم قال رحمه الله: قالوا: والدليل على هذا أن الله جعل القاتل إلى خيرة الولي. هذا ذكرها في مسألة أن عقوبة من عمل قوم لوط أعظم من القتل؛ لأن الله عز وجل خير القاتل إلى الأولياء: إن شاءوا اقتصوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، أو عفوا. وأما اللوطي فقد أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه يقتل. قال رحمه الله: قد ثبت أن خالد بن الوليد وجد في بعض ضواحي العرب رجلًا ينكح كما تنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة رضي الله عنهم، فكان علي أشدهم قولًا فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل الله بها، أرى أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه. وهذا الأثر اشتهر، وقد ذكره جماعة من أهل العلم، ذكره البيهقي في السنن الكبرى، وبيّن أنه مرسل. كذلك ذكره الزيلعي وضعّفه، وقال: ولو صح لكان قاطعًا للحجة. وأخرجه أيضًا الآجري وغيرهم. وإسناده فيه انقطاع؛ لأنه رواه جماعة من التابعين: محمد بن المنكدر، وموسى بن عقبة، وصفوان بن سليم. وهؤلاء يعتبرون من التابعين، رووا هذا الحديث عن خالد بن الوليد، يعني ذكروا هذه القصة، وهؤلاء لم يحضروا هذه القصة، فلذلك فهو مرسل. لكن جاء أيضًا من طرق أخرى، وانتشاره عن هؤلاء الثلاثة. وأيضًا هؤلاء الثلاثة ليسوا في مكان واحد؛ إلا محمد بن المنكدر وموسى بن عقبة، فهم من أهل المدينة. لكن يقال إن محمد بن المنكدر أخذه عن صفوان بن سليم، أخذه محمد بن المنكدر كما قال البيهقي عن صفوان بن سليم، وموسى بن عقبة لعله أخذه عن ابن المنكدر أو عن صفوان نفسه. وصفوان بن سليم يعتبر من أهل الشام. والمهم أن الحديث فيه إرسال، أو هذا الأثر الذي ذكره هنا مرسل. وبعض أهل العلم يقول إنه انتشر واشتهر، لكن ليس هناك له إسناد صحيح يُقال به. وقال: وقال عبد الله بن عباس: ينظر إلى أعلى بناء في القرية، فيرمى اللوطي منها منكّبًا، ثم يتبع بالحجارة، منكّبًا على رأسه، ثم يتبع بالحجارة. قال: صحيح الإسناد. هذا الحديث، معناه صحيح، أو هذا الأثر عن عبد الله بن عباس. وصح ذلك عن ابن عباس، ولم يخالفه أحد من الصحابة، أي في القتل. فلذلك اختار أئمة الإسلام ك أحمد وإسحاق، وكذلك الشافعي في الأم؛ لأن البيهقي ذكر أنه رجع عنه على ما ذكره الربيع بن سليمان، وإلا الذي ذكره في الأم أنه يقول بهذا: على أنه يقتل، سواء كان محصنًا أو غير محصن. يقتل هذا اللوطي، سواء كان محصنًا أو غير محصن. وهذا كما قلنا قول جمهور الأمة، كما ذكر الحافظ ابن القيم. قال: وأخذ عبد الله بن عباس هذا الحد من عقوبة الله قوم لوط. وابن عباس هو الذي روى عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به». رواه أهل السنن، وصححه ابن حبان وغيره. واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث، وإسناده على شرط مسلم، أو على شرط البخاري. وأما أنه على شرط البخاري فليس بصحيح؛ لأنه من طريق داود بن حسين، وعمر بن نبي عمر، وكلاهما يضطربان في روايتهما عن عكرمة. حكم العلماء على روايتهما: داود بن حسين، وكذلك عمر بن نبي عمر، أن روايتهما عن عكرمة مضطربة. وقد خالفهم عاصم الأحول عن عكرمة، فلم يذكر ذلك، وإنما قال: يحد، قال: يحد حد الزاني، ولم يذكروا شيئًا من هذا الحديث. فهذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن بعض أهل العلم يقول إنه يصحح بطرقه، كما فعل الشيخ الألباني رحمه الله عليه، صحح هذا الحديث بطرقه، وإلا فكثير من أهل العلم لا يضعفه. وقال: وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط». وعزا من طريق داود بن حسين عن عكرمة عن ابن عباس. وداود في رواية عن عكرمة مضطرب. قال: ولم يجئ عنه صلى الله عليه وآله وسلم لعنة الزاني ثلاث مرات في حديث واحد، وقد لعن، وقد لعن جماعة من أهل الكبائر، فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة. قال: وكرر لعن اللوطية، وأكده ثلاث مرات. وأطبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتله، ولم يختلف فيه منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله. ومن هؤلاء الذين ذكرهم الإمام ابن القيم رحمه الله: منهم من يقول يقتل إذا كان محصنًا، وأما إذا كان غير محصن فلا يقتل، يعامل معاملة الزناة، كما ذكرنا عن جماعة منهم: إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن. قال: وأطبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتله. هذا اعتماد على ما ذكره في هذا الأثر الذي مر، وقلنا إنه لم يثبت عن خالد لأنه مرسل. خالد بن الوليد رضي الله عنه. قالوا: لم يختلف فيه منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله. فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله. لكن صح عن ابن عباس رضي الله عنه، فحكاه مسألة نزاع بين الصحابة، وهي بينهم مسألة إجماع، لا مسألة نزاع، إجماع معنى على قتله. قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وقوله جل وعلا في اللواط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾، تبين له التفاوت ما بينهما. فإنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنا، أي: هي فاحشة من الفواحش، لكن عرفها في اللواط. وهذه لفتة عظيمة تدل على أن الفاحشة الأصل هذه هي فاحشة. لما ذكر الزنا قالوا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، فاحشة: أي نكرة من الفواحش. لكن لما ذكر اللواط قال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾، وكأنه عرف هذه الفاحشة حتى كأنها ليس إلا هي. قال: فإنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنا، أي: هي فاحشة من الفواحش، وعرفها في اللواط. وذكر ذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما تقول: زيد الرجل، ونعم الرجل زيد. أي: تأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها، بحيث لا يتصرف الاسم إلى غيرها. قال: وهذا نظير قول فرعون لموسى: ﴿وَقَدْ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾، أي: الفعل الشنيع الظاهر المعلوم لكل أحد. قال: ثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم، فقال: ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾. ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب، وتنبو عنه الأسماع، وتنفر منه الطباع، شدة النفر، وهو أتيان الرجل رجلًا مثله، ينكح كما تنكح الأنثى، فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ﴾. وأيضًا سيذكر المفسر أن ربنا سبحانه وتعالى بعدما ذكر عذابهم على قوم لوط، قال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ