الدرس في آداب الكلام والخطاب 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه الشيخ على أن الصمت الدائم ليس عبادة مشروعة بل هو بدعة، ويحرم إطباق الفم عن الكلام طيلة اليوم. يُستدل على ذلك بحديث علي بن أبي طالب وأقوال العلماء وأفعال الصحابة مثل أبي بكر الصديق.
ناقش المقطع تحريم الصمت الدائم بناءً على قصة صحابي نذر ألا يتكلم، وأوضح أن الصمت على قسمين: مرغب فيه إذا كان عن الكلام الباطل، وممنوع إذا كان عن الكلام في الحق. أكد أن تعبد الله بالصمت فقط ليس من العبادات الشرعية.
تناول المقطع مسألة كتابة الملائكة لأقوال الإنسان، حيث اختلف العلماء في ذلك بين كتابة الخير والشر فقط أو كتابة كل ما ينطق به الإنسان. اتفق العلماء على أن الجزاء والعقاب يكون على الخير والشر.
يوصي المتحدث بملء صحيفة الأعمال بالأعمال الصالحة التي يحبها الله تعالى، ويختم بالتأكيد على أهمية ذلك ويصلي على النبي محمد. يُشدد على ضرورة الحرص على الأعمال التي تقرب إلى الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الدرس الأول فيما يتعلق بآداب الكلام والخطاب، وذلك بالتعرف على أهم القواعد التي ينبغي أن ينضبط عليها كل متكلم، رجلًا كان أو امرأة، وأشرنا إلى ما يتعلق بأهمية هذا المبحث من عدة أوجه. ثم كانت الإشارة إلى الأدب الأول، والذي ينبغي أن نلتزم به جميعًا، وهو الإقلال من الكلام على قدر الإمكان، وأنك تقلل من كلامك. وأشرنا إلى الأدلة الكثيرة، وكيف أن ذلك من صفته عليه الصلاة والسلام، أنه كان طويل الصمت، عليه الصلاة والسلام. وأشرنا كذلك إلى الأدلة الدالة على خطورة من يلقي الكلام على عواهنه، فإنه محاسب ومجزي به. وكذلك نبهنا على ما يكون من خصلة الثرثرة، وما يسمى بالثرثار، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم عليهم بأنهم من أبغضهم إليه ومن أبعدهم مجلسًا، وهو الذي يكثر من الكلام بالذي ينفع والذي لا ينفع. ومن هذا الباب، إخواني في الله، أود أن أنبه على تنبيهين اثنين يتعلقان بهذه الخصلة، وهي في مسألة إقلال الكلام. المسألة الأولى: وهي لربما أن أناسًا قد يسمعون بمثل هذه الآداب التربوية والأدلة الشرعية الحاثة على إقلال الكلام، قد يقول قائل: إذن، وما لي وللكلام؟ إذن لن أتكلم أبدًا. فيعلنون الصمت الدائم، فلا يتكلمون لا بصغيرة ولا بكبيرة، لا بجملة ولا بحرف، فيلتزم الصمت المطبق. فهل هذا يجوز؟ لربما تجد هذا عند بعض الناس، تسلم عليه فلا يرد عليك السلام، أغلق الفم. لماذا يفعل هذا؟ تقربًا لله حتى لا يقع في المؤاخذات التي يخشى من الوقوع منها أثناء كلامه. لكن هل هذا الفعل صحيح؟ هل هذا جائز؟ لا، هذا لا يجوز، هذا الفعل لا يجوز. لا يجوز لأحد من خلق الله أن يتعبد الله جل وعلا بالصمت وبالسكوت وبإغلاق الفم، فمن جعل هذه قربة وعبادة يتقرب بها إلى الله جل وعلا فقد وقع في بدعة، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. هذه بدعة، فالله جل وعلا هو الذي شرع لنا الشرائع وشرع لنا العبادات، فما كان من شريعة رب العباد أن نتعبد بإغلاق الفم، هذا ليس شريعة ولا عبادة، فضلًا أن تكون دينًا يتدين به العبد أن يتقرب إلى الله بإغلاق فمه. بل جاءت الأدلة الدالة على تحريم هذا الفعل، وهو إطباق الفم عن الكلام. فقد جاء عند أبي داود من حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يتمى بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل». فهذا لا يجوز، أنك تصمت صمتًا بإغلاق الفم يستمر معك طيلة اليوم، فهذا لا يجوز. وقد أشار العلماء إلى أن هذا الفعل هو في الحقيقة كان من فعل أهل الجاهلية، ومن فعل الكفار. قيل: من فعل أهل الجاهلية، وقيل: من فعل النصارى، أنهم كانوا يتنسكون بذلك. وقد ثبت في الصحيح البخاري أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دخل على امرأة، فرآها لا تتكلم، فقال رضي الله تعالى عنها: ما لها لا تتكلم؟ فقيل: إنها قد حجت مصمتة. أي في أداء مناسك الحج، أحبت أن لا تتكلم مع أحد من خلق الله، فكما تتكلم مع أحد قط. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: «تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل أهل الجاهلية». فتكلمت. ثم قامت بالكلام حتى لا تقع في هذه المشابهة. فلا تفرح يا عبد الله بهذا الفعل، إذ أنك قد تجد أناسًا من الناس لو ربما ممن يحب التنسك أو التعبد ويخشى من خطورة آفات وحصائد اللسان، فيغلق الفم. لكن ليس على هذه الصورة يا عبد الله، بأن لا تتكلم مع أحد قط. وكذلك مما يدل على التحريم جاء في قصة ذلك الصحابي الذي خرج نبينا صلى الله عليه وسلم من المسجد، فرأى رجلًا في الشمس، فسأل عنه عليه الصلاة والسلام، فقيل: إنه أبو فلان، وأنه نذر أن يقف تحت الشمس ولا يستضل ولا يتكلم، وأن لا يجلس، وأن يصوم. نذر أربعة نذور في نذر واحد: عدم الاستظلال، يبقى في الشمس، وعدم الجلوس، بل يبقى قائمًا، وعدم الكلام، وهذا الذي نريده، والرابع الصوم. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «مروه أن يجلس، وأن يستضل، وأن يتكلم، وأن يتم صومه». فأقره على الصوم؛ لأن هذا من الشريعة، وهذا من الدين، وهذا نذر صحيح يوفي به. أما ما عدا ذلك، فهذا ليس من النذر الشرعي. فدل ذلك لو أن رجلًا نذر أن لا يتكلم أحد، فلا يجوز أن يستمر على هذا النذر، بل عليه أن يلغيه، وأن لا يفي به. وهكذا، إخواني في الله، أدلة كثيرة تدل على هذا. وقد قال العلماء: لأن هذا الصمت لربما جر إلى ترك الكلام الذي هو خير، فلم يتكلم إذن لن يقرأ قرآنًا، ولن يسبح، ولن يهلل، ولا يذكر الله جل وعلا، ولا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ولا يرد السلام، ولا يسلم. إذن أغلق على نفسه أبوابًا من الخير. ولهذا قال العلماء: إن الصمت على قسمين: صمت مرغب فيه، وهو ترك الكلام الباطل، وكذا المباح إن جر إلى شيء من الباطل. هذا نعم، أسكت واصمت، ولا تتكلم به الكلام الباطل أو كلام مباح لكن يجر إلى باطل. والنوع الثاني: صمت منهي عنه، لا تفعله. قال العلماء: وهو ترك الكلام في الحق، لمن يستطيع عليه. فكل كلام حق تكلم به يا عبد الله، على قدر استطاعتك، من قراءة القرآن، ومن تسبيح، ومن استغفار، ومن السلام، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى آخر ما ذكره العلماء. ولهذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت». قل خيرًا، ليس الصمت لا، قل خيرًا إذا ما وجدت خيرًا، وكنت مضطرًا إلى أن تتكلم بغير الخير، لا، حينه أسكت. لكن تكلم، فمن تعبد الله بالصمت فقط، هذا ليس من العبادات الشرعية. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعبارة حاول فيها رحمه الله تعالى أن يجمع شتات موضوع الصمت، فقال رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى: «والتحقيق في الصمت أنه إذا طال أي طال عن غير المعهود، أحيانًا أنت تسكت؛ لأنه ما في داعي الكلام، مثل أن تصل للظهر ثم تذهب إلى بيتك تجلس لوحدك صامتًا إلى العصر، هذا أمر طبيعي. فإذا تكلمت عمدًا لا ما يحتاج إلى كلام، لكن الذي يؤاخذ إذا طال حتى خرج عن غير المعهود والمألوف عن البشر». قال رحمه الله تعالى: «والتحقيق في الصمت أنه إذا طال حتى يتضمن ترك الكلام الواجب، صار حرامًا». ما تتكلم، مثل كما قلنا: السلام عليكم، تسكت ورد يعني توهم غيرك أنه ما ستكلم، هنا وقت في الحرام؛ لأن هذا الصمت أدى إلى ترك واجب. قال رحمه الله تعالى: «صار حرامًا، وكذا إن بعد بالصمت عن الكلام المستحب». يعني حتى هذا التحريم قد ينجر في حق من صمت عن أمر مستحب، مثل أنت جالس وبإمكانك أن تهلل وأن تذكر الله، بإمكانك ما عندك مانع، وعندك رغبة. إذن قدمت الصمت على ذكر الله، إذن يقول شيخ الإسلام: «وهذا لا يبعد أن هذا يحرم عليه؛ لأن ذكر الله مقدم». من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت. قال رحمه الله تعالى: «وكذا إن بعد بالصمت عن الكلام المستحب». أي يدخل في الحكم. قال: «والكلام الحرام يجب الصمت عنه». الكلام الحرام هنا ينبغي أن تصمت ولا تتكلم، من سب، شتم، لعن، غيبة، نميمة، هذا اسكت عنه. قال: «والكلام الحرام يجب الصمت عنه، وفضول الكلام ينبغي الصمت عنه». أما فضول الكلام، وهو الكلام اللغو الذي لا فائدة منه، قال: «ينبغي». قال: «والكلام المباح ينبغي الصمت عنه». حاول أنك تقلل، هذا ينبغي تقلل من هذا الكلام الذي لا فائدة تحته. إذن هذه المسائل أشار عليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. إذن هذه الفائدة الأولى تذكر في مسألة أمس فيما تعلق بإقلال الكلام، أي أن الإقلال هل يجر إلى الصمت المطبق؟ الجواب: لا، فلا تجعل تلكم الخصلة مفضية إلى هذه الخصلة. التنبيه الثاني مما أحب أن أشير عليه في مسألة الإقلال من الكلام: ذكرنا إخواني في الله أن من الأحاديث أو من الوعيد الذي ينبغي أن يجعله كل مسلم نصب عينيه حتى يقلل من الكلام قدر الإمكان، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وهذه الآية فيها إشارة أن الله جل وعلا وكل ملائكة فقط، وكل ملائكة فقط لمسألة الكلام فقط. وهذا إن دل على عظيم هذه المسألة، وهو الكلام والتحدث والخطاب والحوار وما تنطق به وما تتلفظ به، لعظم هذه المسألة، ولهذا العضو وما يخرج منه، وكل الله سبحانه وتعالى علينا ملائكة. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾. وهم الملائكة الذين يكتبون كل شيء. وفي وصف ربنا سبحانه وتعالى لهذه الملائكة أو لهذين الملكين الذين يكتبان كل شيء، قال ربنا جل وعلا: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. رقيب بمعنى مراقب، مراقب علينا، شاهد علينا. عتيد بمعنى حاضر، ما يغادر ولا يغيب. فهذه الملائكة بهذه الصفات تلازمنا في كل آن وفي كل حين، فكل شيء نقوله هم عن قرب وعن سماع وعن حضور وشهود وعن مراقبة. تأتي مسألة، إخواني في الله، وهذا الذي أود أن أشير إليها: هذه الملائكة ما الذي تكتبه؟ اختلف العلماء على قولين اثنين في هذه المسألة. فمن أهل العلم من قال: إن الملائكة ما تكتب إلا الخير والشر، تكتب الحسنات وتكتب السيئات. فالملك الذي عن اليمين، وهذا الذي عليه جماهير العلماء، الملك الذي عن اليمين يكتب الحسنات، وذلك إن قلت قولًا صالحًا، قولًا خيرًا، من ذكر الله، من التسبيح، من استغفار، من ذكر، من إعانة، من إرشاد، من نصيحة، من تعليم، من توجيه، إلى آخره، يكتب. والملك الآخر هو الذي يكتب السيئات، وذلك على إثري كل كلام محرم، من سب، من شتم، من غيبة، من نميمة، هذا الذي يكتب. وطائفة من أهل العلم قالوا: لا، الآية تدل على العموم، فكل ما ينطق به المرء يكتب. فقالوا: الذي يكتب ثلاثة أشياء: الخير إن قلت خيرًا، وهي الحسنات، والشر، فإنه يكتب عليك السيئات. قال: وكل قول، بمعنى: يا فلان تعال، هذه تكتب عليك. تكتب: يا فلان تعال، فقط ناديت فلان، أو تسأل: كيف حالك يا فلان؟ أو أين قلت: ذهب إلى المكان الفلاني؟ تكتب عليك. هؤلاء الذين ذهبوا إلى هذا القول استدلوا بعموم النصوص، وخاصة هذه الآية التي بين أيدينا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وقول نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، تفيد العموم. ولهذا فالمذهب، وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء، إلى أن كل شيء ينطق به المرء يكتب، كل شيء يكتب. إذن فهذان قولان مشهوران عند العلماء التفسير في تفسير هذه الآية: إما بكتابة الجميع، وإما بكتابة الخير والشر فقط. مع أن الكل متفق على أن الجزاء والعقاب إنما يكون في الخير والشر، فالكل متفق على أن الجزاء يكون في الخير وفي الشر. أما الكلام المباح، على قول من قال: إنه يكتب، قالوا: فإنه يمحى، فإنه يمحى ولا يحاسب عليه العبد، ولا يحاسب عليه العبد. إذن كما يقول العلماء: إن اختلفوا في المبدأ، فالعلماء اتفقوا في المنتهى. اختلفوا من الذي يكتب، لكن اتفقوا على أن الحساب والعقاب يكون على الخير ويكون على الشر. وهذا كما قال: خلاصة هذه المسألة التي أشار إليها العلماء في هذا الباب. لكن هذا يدلك يا عبد الله على عظيم هذه المسألة، وأن كل لب ستجده قد كتب، وكل شيء فعلوه في الزبر، أي في الصحف، ستجد الذهاب والإياب والعشى والغدى، وأي كلام ستجده مسطرًا. فلا تجعل يا عبد الله يكتب في صحيفة أعمالك إلا الذي تحب أن تجده عند الله سبحانه وتعالى، يوصلك للجنة. فأحرص يا عبد الله على أنك تملئ صحيفة أعمالك بالذي تحب أن تلقاه عند رب العباد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.