الدرس في آداب الكلام والخطاب 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية خفض الصوت عند الكلام مستدلاً بالقرآن، ويشير إلى أن رفع الصوت بغير فائدة ليس من الآداب الحميدة. يُستدل بالآيات القرآنية على كراهية رفع الصوت.
يستدل بالحديث النبوي على كراهية رفع الصوت الشديد خاصة عند التعامل مع من هو أعلى مقامًا أو في أماكن العبادة. يُحرّم رفع الصوت فوق صوت النبي.
يشدد على ضرورة التحدث بلباقة وعدم رفع الصوت بشكل مبالغ فيه، ويشير إلى أهمية الإخلاص في الكلام والابتعاد عن الفحش. يُؤكد على أهمية التأدب في الحديث.
يختم بالدعاء والصلاة على النبي، ويسأل الله التوفيق والنفع بما قيل. يشير إلى أهمية التأدب عند التحدث ويعبر عن العلم الإلهي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازَم في هذا المقام ذكر آداب الكلام، وقد مر معنا ما يتعلق بالأدب الأول، وهو الإقلال عن الكلام قدر الإمكان، وأشرنا إلى بعض المسائل المتعلقة بهذا الأدب. كذلك مما يتعلق بآداب الكلام والخطابة والمحادثة والحوار، أنك يا عبد الله تحرص على حفظ الصوت، بحيث لا يكون فيه رفع من غير فائدة، فإن ذلك من الآداب التي أدبنا بها ربنا سبحانه وتعالى، كما في قوله جل في علاه: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. فأمر ربنا جل وعلا بغض الصوت، وذلك عند الكلام والمحادثة مع الآخرين. ولهذا يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: أي لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه. فإذا أراد الإنسان أن يتكلم مع أحد من خلق الله، فعليه أن يتكلم بالنبرة والمستوى الذي يسمع به الطرف الثاني. وأما الزيادة التي تؤدي إلى إرهاق الآذان، وتجد أن من الناس من لربما هذا طبعه، إذا تكلم صرح كلامه صرح، تجده يتكلم مع صاحبه وأنت في الطرف الآخر تسمع الحوار من شدة الصوت المرتفع، هذا ليس من الأدب. وقد ذهب جمع من العلماء إلى استحسان حديث أبي هريرة، والذي فيه قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يبغض كل جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ». بالسين وبالصاد صخاب، وسخاب في الأسواق عالم بالدنيا جاهل بالآخرة، حمار في النهار جيفة في الليل. هذا الحديث يحسن جماعة من أهل العلم، وفيه: «إن الله يبغض كل جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ صَخَّابٍ»، والسخاب هو اختلاط الأصوات، فهذا لا يحبه الله عز وجل الذي يرفع من صوته رفعًا شديدًا. فالإنسان، إخواني في الله، يحرص على هذا الأدب بعدم رفع صوته. ومما ينبأ عليه في هذا المقام في مسألة عدم رفع نبرة الصوت، أن نبين أن هذا الأدب وهذا الخلق إنما يسري ويجري معنا في كل خلق من خلق الله، إلا أنه في بعض الأماكن ينبغي التقيد به أكثر، مثل عدم رفع الصوت عند الخطاب لمن هو أعلى منك قدمًا وكعبًا، كرفع الصوت عند أهل العلم، هذا ما ينبغي. وهكذا قس ما يكون في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بأن المسلمين مُنِعوا من أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت رسول الله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، فمُنِعوا وأن يكون أصواتهم دون صوت نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا من الأماكن التي ما ينبغي أن يكون فيها رفع الصوت، ما يكون عند المساجد، ما يكون في بيوت الله جل في علاه. وللأسف، كم نجد من الإخلال في هذا الباب، تجد أن أحدًا يريد أن يتكلم معك يندفع، فإذا أراد أن يتكلم ورفع صوته وفتح فاه، أقول: أخي، على رسلك، على رسلك، يسمع الذي في الطرف ويسمع الذي في الدكان ويسمع الذي في الناحية الأخرى من الشارع، يسمع الناس كلهم الحوار، هذا ليس من الأدب. ومما يذكر من آداب الكلام في هذا المقام، الإخلاص، والمقصود بالإخلاص أن المتكلم إذا أراد أن يتكلم ينبغي أن يكون في قصده وفي نيته ما يقربه إلى ربه سبحانه وتعالى، وما فيه منفعة للناس. لا يكون من قصد الكلام أنه مثلًا يستأثر بالمجلس، أو أنه يظهر للناس أنه عنده علم أو عنده معرفة أو أنه مطلع على الأخبار أو عنده ثقافة غير موجودة عند الحضور. كذلك مما يذكر من آداب الكلام، البعد عن الفحش والتفحش، بأن لا يكون في كلامك يا عبد الله العبارات النابية والألفاظ المستشنعة من سب وشتم وألفاظ غليظة، هذا ما ينبغي، هذا ليس من آداب الكلام. ولهذا جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا. ثبت في الصحيحين في وصفه عليه الصلاة والسلام: «لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا». قال علماء: لم يكن فاحشًا، أي من طبيعته كجبلة، ما كان فاحشًا عليه الصلاة والسلام، أي أنه بذيء في العبارة أو في الكلام أو في الفعال، ولم يكن متفحشًا، أي مكتسبًا لهذه الصفة، لا من طبيعته، لا طبعًا ولا كسبًا، ما كان هذا من خلقه عليه الصلاة والسلام. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا من الآداب التي يحرص بها المتكلم عند الكلام. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.