الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 342، ألقاها
يُشدد على أهمية إفشاء السلام واعتباره من الأخلاق الحميدة التي حث عليها النبي، ويعتبر البخل بالسلام من أبخل الصفات. يُبين أن إفشاء السلام ليس بالمشقة بل هو سهل وميسر.
يتناول المقطع جواز السلام على مختلف الفئات بما في ذلك الصبيان والنساء، مستشهدا بممارسات الصحابة ومواقف النبي معهم، مع التأكيد على شرط أمن الفتنة عند سلام الرجل على المرأة.
يُحذر النبي النساء من كفران العشير وعدم تقدير نعم الزوج، موضحا أن كفران النعم يكون بإنكارها رغم وفرتها، ويشدد على أهمية شكر النعم وعدم جحدها.
يُناقش ضوابط سلام الرجل على المرأة، حيث يُشترط أمن الفتنة لجواز السلام، ويُحذر من السلام إذا خيف وقوع الشر أو الفتنة، مستندا في ذلك إلى تعاليم النبي وأحاديثه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن أبي عثمان، وهو النهدي، عبد الرحمن بن مل، أدرك الجاهلية وأسلم على يد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصدق إليه ولم يلقه، فهو مخضرم. من هو المخضرم؟ أدرك زمن الجاهلية وأدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ير النبي عليه الصلاة والسلام. أحسنت، من أدرك الجاهلية والإسلام ولم ير النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يقال له مخضرم، وهو من أي طبقة؟ نعم، من كبار التابعين، يعد من كبار التابعين. قال: عن أبي هريرة، قال: أبخل الناس الذي يبخل بالسلام، وإن أعجز الناس من عجز بالدعاء. هذا الأثر صحيح الإسناد إلى أبي هريرة رضي الله عنه، وصح مرفوعا كما قد مر معناه في الأحاديث التي مضت. فهذا الحديث فيه بيان أن من أبخل الناس الذي يبخل بالسلام، ومر الكلام على ذلك، وبيان وجه ذلك، حيث إن إفشاء السلام أمر سهل، ليس فيه مشقة ولا تعب. فكون الإنسان لا يسلم ولا يفشي السلام، هذا من البخل، وهو في استطاعته وفي قدرته، وأمر في غاية من السهولة واليسر. وقوله: "وإن أعجز الناس من عجز بالدعاء" يعني من أعجز الناس وأكسلهم من عجز بالدعاء، يعني من ترك الدعاء ولم يدع الله جل وعلا، هذا عاجز، من أشد العجز. لماذا؟ لأن الدعاء أيضا عبادة سهلة، ليس فيها مشقة ولا تعب، تتوجه إلى الله عز وجل وتدعو الله بما تشاء من خير الدنيا والآخرة. فكون الإنسان يترك الدعاء، هذا من العجز والكسل، لأن هذه العبادة ليس فيها كلفة ولا مشقة، ليس فيها مشقة ولا تعب. فكون الإنسان يتركها، هذا من عجزه ومن كسله. والشاهد من الحديث قوله: "أبخل الناس الذي يبخل بالسلام"، وهذا فيه حث وترغيب على إفشاء السلام وإبدائه وإظهاره، وأن الإنسان لا يترك السلام على من عرف ومن لم يعرف، يسلم ولا يكون بخيلا بترك السلام. قال: باب السلام على الصبيان. قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا شعبة، عن سيار، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله بهم. والحديث صحيح، هو في الصحيحين. أنس بن مالك رضي الله عنه مر على صبيان، والصبي هو من كان دون البلوغ، وغالبا ما يطلق الصبي على من كان دون عشر سنين، فإذا بلغ عشر يقال له غلام. فكان أنس رضي الله عنه يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، فإذا مر على الصبيان سلم عليهم. قال: وحدثنا محمد بن عبيد، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن عنبسة، قال: رأيته ابن عمر يسلم على الصبيان في الكتاب. وهذا الأثر صحيح إلى ابن عمر، كما صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفي أنه كان يسلم على الصبيان في الكتاب، الكتاب هي المواضع التي يعلّم فيها الصبيان القراءة والكتابة والقرآن والحديث. فكان ابن عمر يسلم عليهم إذا مر على هذه الكتاتيب، سلم على الصبيان، وهذا اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام. وكان ابن عمر من أشد الصحابة اتباعا لسنّة النبي عليه الصلاة والسلام ولأفعاله. قال: باب التسليم النساء على الرجال. قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي النظر، أن أبا مرة مولى أم هانئ ابنة أبي طالب أخبره، أنه سمع أم هانئ تقول: ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل، فسلمت عليه. فقال: "من هذه؟" فقلت: أم هانئ. قال: "مرحبا بأم هانئ". هذا الحديث صحيح، وفي الصحيحين. أن أم هانئ أتت النبي عليه الصلاة والسلام، فوجدته يغتسل، فسلمت عليه، فقال: "من هذه؟" قالت: أم هانئ. فقال: "مرحبا بأم هانئ". فهذا فيه أنها سلمت على النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أجنبية عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا موسى، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن، وهو أبو الحسن البصري، يقول: كن النساء يسلمن على الرجال. وهذا الأثر حسن. كن النساء يسلمن على الرجال، وهذا معنى أنه لا بأس بسلام المرأة على الرجل. وهل هذا على إطلاقه؟ الجواب: إن كان من المحارم، فهذا لا إشكال فيه. إن كان سلام المرأة على الرجل من محارمها كعمها وخالها وغيرهم من المحارم، فهذا لا إشكال في جوازه. وإن كان من الأجانب، كابن العم ومن الخال وأخ الزوج ونحوهم من الأجانب، فهذا يكون مشروعا إذا أمنت الفتنة، إذا كانت الفتنة مأمونة ويؤمن من وقوع الشر، فلا بأس أن تسلم المرأة على الرجل والرجل على المرأة. قال: باب التسليم على النساء. قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر، ومن حوشب، وفيه ضعف، قال: سمعت أسماء وهي بنت يزيد الأنصارية، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر في المسجد وعصبة من النساء قعود. قال: بيده إليهن بالسلام، يعني أشار بيده، فقال: "إياكن وكفران المنعمين". قالت: نعوذ بالله يا نبي الله من كفران نعم الله. قال: "بلى، إن إحداكن تطول أيمتها، ثم تغضب الغضبة، فتقول: والله ما رأيت منه ساعة خيرا قط". فذلك كفران نعم الله، وذلك كفران نعم المنعمين. وهذا الحديث، صححه الشيخ الألباني رحمه الله، دون ذكر اليد، يعني في قوله: "قال بيده إليهن بالسلام"، لأن هذا الحديث من طريق شهر بن حوشب، وضعيف. لكن يشهد لأصل الحديث، وما بعده الرواية التي بعدها، وليس فيها ذكر الإشارة باليد. وهذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام مر في المسجد، وعصبة من النساء، يعني جماعة من النساء قعود، فقال بيده إليهن بالسلام. والشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم على هؤلاء النسوة. وهذا وإن لم يصح بهذا السند، لكنه صح من طرق أخرى. قال: "إياكن وكفران المنعمين" يعني احذرن من كفران النعم. فقالت إحداهن: نعوذ بالله يا نبي الله من كفران نعم الله. وهي ظنت أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم كفران النعم على وجه العموم، أن يكفر الإنسان بنعمة الله التي أنعم عليه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "بلى، إن إحداكن تطول أيمتها" جاء في الرواية التي بعدها عن أهلها، يعني تبقى عند زوجها فترة، ربما تكون المرأة عند أهلها مدللة وتكون في رغد من العيش، وتكون عند زوجها في حالة أخرى. قال: "ثم تغضب الغضبة على زوجها، فتقول: والله ما رأيت منه ساعة خيرا قط". الزوج يحسن إليها في سائر الأيام والشهور، وربما يحصل في يوم الأيام أنه لم يأتي بشيء أو قلل من شيء أو نحو ذلك. فتقول المرأة: والله ما رأيت منك خيرا قط، تجحد تلك النعمة كلها، وذلك الفضل كله الذي أحسن به إليها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "فتقول: والله ما رأيت منه ساعة خيرا قط". قال: "فذلك كفران نعم الله، وذلك كفران نعم المنعمين". فهذا من كفران النعم، أن تجحد المرأة فضل زوجها وإن عام زوجها عليها لكونه ماذا في يوم الأيام لم يأتي بما طلبت أو أخر شيئا طلبته، فتجحد النعمة التي أنعم بها عليها. فحذر النبي عليه الصلاة والسلام النسوة من ذلك. والشاهد من الحديث قوله: "قال بيده إليهن بالسلام". وكما قلنا، سلام الرجل على المرأة على هذا الضابط، إن أمنت الفتنة فإنه يجوز، وأما مع وجود الفتنة وخشية وقوع الشر فإنه يمنع. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.