الدرس في كتاب الطهارة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتعرف المؤلف على أئمة الحديث الثلاثة: أبي داود والترمذي والنسائي، ويذكر تفاصيل عن حياتهم ومؤلفاتهم. كما يسلط الضوء على أهمية كتبهم في علم الحديث والفقه.
يتناول المؤلف مكانة أئمة الحديث وأصحاب السنن العلمية، ويذكر آراء العلماء في رتبة كتبهم ومقارنتها ببعضها البعض، مع التركيز على النسائي وابن ماجه.
يشرح المؤلف مصطلحات متعلقة بكتب الحديث ويوضح سبب تسمية كتابه بلوغ المرام، ويختم بدعاء يطلب فيه العون من الله والعمل بما يرضيه.
يتناول المؤلف صفة العلو لله جل وعلا، ويبين أنها صفة ذاتية تعبر عن عظمة الله سبحانه وتعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكر المؤلف المقدمة عن الأئمة الأعلام، ومراد الحافظ بن حجر بقوله "بالسبعة" أنا أحمد وأهل السنن: البخاري، ومسلم، والأصحاب الأمهات الست. أحمد قال: أبو داود هو سليمان بن الأشعث السجستاني، مولده سنة 202 أو 222، سمع الحديث من أحمد، ونعيم بن حماد، وسليمان بن حرب، وغيرهم. أحمد بن حنبل، وعنه خلائق كالترمذي، والنسائي. قال: كتبت عن النبي صلى الله عليه وسلم 500 ألف حديث، انتخبت منها ما تضمنه كتاب السنن، وحديث أربعة آلاف حديث وثمانمائة، ليس فيها حديث أجمع الناس على تركه. أنا اختار، رحمه الله، مثل ما ذكر الإمام أحمد في المسند، يذكر الحديث التي اشتهرت، التي اشتهر استدلال العلماء بها، ولو كانت ضعيفة. ولهذا بين ما كان من ضعيف في كتابه، وقال: ما كان شديد الضعف أو شديد الوهن بينته، وما كان دون ذلك فهو صالح، أو سكت، تعريف فهو صالح. معنى صالح: ظاهر أنه للاستشهاد. قال: روى سننه ببغداد، وأخذها أهلها عنه، وعرضها على أحمد، فاستجاده واستحسنه. قال الخطابي: هي أحسن وضعا وأكثر فقهًا من الصحيحين؛ لأنه اعتنى بالأحاديث التي استدل بها الفقهاء، ولهذا جاءت فيها أو جاء قول هنا: أنه أحسن وضعا وأكثر فقهًا؛ لأنه -كما قلنا- اهتم بالأحاديث التي استدل بها الفقهاء في المسائل. قال: وقال ابن العربي: من عنده كتاب الله وسنن أبي داود لم يحتج لشيء معهما من العلم. ومن ثم صرح الغزالي بأنه يكفي المجتهد في أحاديث الأحكام، وتبعه أئمة على ذلك. وكانت وفاته بالبصرة سنة 275. وكان أيضًا من أئمة العلل العارفين بهذا العلم. قال: والترمذي هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، مثله الفوقية والميم مكسورة ومضمومة، يقال: سورة، يقال: ترمذي وترمذي، نسبة إلى مدينة قديمة على طرف جيحون -نهر بلخ-. لم يذكر الشارح ولادته، ولابن الأثير ولادته. وسمع الحديث عن البخاري، وغير المشايخ البخاري. وكان إماما ثبتا حجة، وألف كتاب السنن وكتاب العلل. وكان ضريرا، فقال: عرضت كتابي هذا -كتاب السنن المسمى بالجامع- على علماء الحجاز والعراق وخراسان، فرضوا به. ومن كان في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم. أنا أريد به معنى به وضعه، وليس أنه كله صحيح؛ لأن فيه أشياء غير صحيحة، بل بعضها قد يقال أنها موضوعة. قال الحاكم: سمعت عمر بن علي يقول: مات البخاري ولم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد. وكانت وفاته بترمذ، أواخر رجب سنة 279. قال: والنسائي هو أحمد بن شعيب الخراساني. ذكر الذهبي أن مولده سنة 215، والنسائي هو أصغر هؤلاء من ناحية أنهم متأخر، لكن أدرك الكبار. سمع من قتيبة بن السعيد، وإسحاق بن راهويه، هؤلاء من مشايخه الكبار ممن سمع منهم البخاري وغيره. قال: وسمع من قتيبة بن السعيد، وإسحاق المراهوي، وغيرهما من أئمة هذا الشأن بخراسان والحجاز والعراق ومصر والشام والجزيرة، وبرع في هذا الشأن -أي في علم الحديث- حتى قال الإمام الدارقطني: أن النسائي أعلم المسلمين في علم الحديث. قال: وتفرد بالمعرفة والإتقان وعلو الإسناد، واستوطن مصر. قال أئمة الحديث: أنه كان أحفظ من مسلم صاحب الصحيح. عن عبارة الدارقطني قال: أن النسائي أعلم من مسلم في الحديث. قال: وسننه أقل السنن بعد الصحيحين حديثا ضعيفا. ومعلوم أن للنسائي السنن الكبرى، وله المجتبى. والمجتبى الصحيح: أنه هو الذي كتبه، ليس ابن السن الذي كتبه، وإنما طلب منه أن يخرج الصحيح، أو الذي ليس بمعلول من السنن الكبرى. يذكر العلل ويذكر الطرق، وأما المجتبى: غالبا يكتفي بطريق أو طريقين. قالوا: كانت وفاته يوم الاثنين لثلاثة عشرة خلت من شهر صفر سنة 303 بالرملة، ودفن ببيت المقدس. ونسبته إلى نساء -بفتح النون وفتح السين المهملة وبعدها همزة- وهي مدينة بخراسان، خرج منها جماعة من الأعيان. ويقال: النسائي، ويقال: نسوي، كلها واحد. يقال: نسوي مثل المعقل بن سفيان النسوي. قال: ابن ماجه: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني، مولده سنة 209 أو 270، وطلب هذا الشأن ورحل في طلبه، وطاف البلاد حتى سمع من أصحاب مالك والليث، وروى عنه خلائق. وكان أحد الأعلام. وابن ماجه لم يتكلم على ما جاء في سننه إلا يسيرا في بعض الأحاديث فقط، حتى بعضهم عدها تسعة أحاديث أو أكثر قليلا، ليس مثل الترمذي: غالبا يتكلم على كل حديث. وكذلك أبو داود يتكلم على أكثر الأحاديث، والنسائي أحيانا. قال: وألف السنن، وليست في رتبة ما ألفه من قبله؛ لأن فيها أحاديث ضعيفة، بل منكرة، بل موضوعة. ولأن ابن ماجه اعتمد على أناس من الرواة الذين أدركهم هم كبار في السن، لكنهم ضعفاء، مثل جبار بن مغلس، فهو قديم أدركه ابن ماجه، لكنه منكر الحديث، ومتروك الحديث. وأيضا لحق مثل هؤلاء وروى عنهم، والتساهل في هذا، فلهذا انحطت سنن ابن ماجه عن غيرها من السنن. قال: ونقل عن الحافظ المزي أن غالب من فرد به الضعف أنه إذا انفرد ابن ماجه عن الأمهات الست، فغالبا يكون ضعيفا. قال: ولد جرى كثير من القدماء على إضافة الموطأ إلى الخمسة. وأول من أدخل -كما سيذكر هنا- قال المصنف، أي الحافظ ابن حجر: وأول من أضاف ابن ماجه إلى الخمسة: الحافظ ابن طاهر في الأطراف، وكذا في شروط الإمامة الستة. ثم الحافظ عبد الغني في كتاب أسماء الرجال. وكانت وفاة ابن ماجه يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان سنة 273 أو 275. وأيضا كذلك أكثر من ذكر ابن ماجه على أنه من السنن، هو الإمام المزي، فذكره في تحفة الأشراف، مثل ما ذكر ابن طاهر في الأطراف. ابن طاهر له كتاب مثل الفهرسة، مثل تحفة الأشراف، سماه الأطراف في أطراف الكتب الستة، وذكر منها ابن ماجه. وإلا كان قديما بعضهم يذكر سنن الدارمي، لكن سنن الدارمي بحكم أنها آثار كثيرة عن السلف، وفيها أيضا مقطوعات، فلهذا لم يضفها كثير من المتأخرين في الأمهات الست، فجعلوا الأمهات الست: أدخل ابن طاهر ابن ماجه، وتبعه الحافظ عبد الغني في أسماء الرجال -الكمال في أسماء الرجال- وكذلك بعد ذلك المزي في تحفة الأشراف. ثم انتشر عند أهل الحديث أن السنن هي الأربعة، وأن الأمهات هي الست. قالوا: بالستة، ما عدا أحمد، معنا المراد بسبع: أحمد وأهل السنن. قالوا: بالستة، المراد بالستة إذا قال: أخرجه الستة، من عدا أحمد، وهم المعرفون بأهل الأمهات الست. وبالخمسة: من عدا البخاري ومسلما. قالوا: قد أقول عوضا عن قوله الخمسة: الأربعة، وهم أصحاب السنن. إذا قيل: أصحاب السنن وأحمد، والمراد بالأربعة عند إطلاق لهم: من عدا الثلاثة الأول. معنا الأربعة: أي أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، من عدا الثلاثة الأول: أي الشيخين وأحمد. والمراد بالثلاثة عند إطلاقه لهم: من عداهم، أي من عدا الشيخين وأحمد، والذي عداهم من الأربعة أصحاب السنن، وعد الأخير وهو ابن ماجه، فيراد بالثلاثة: أبو داود، والترمذي، والنسائي. أنه إذا قال: أخرجه الثلاثة، أنا أبو داود، والترمذي، والنسائي. قال: والمراد بالمتفق إذا قال: متفق عليه، البخاري ومسلم، فإنهما إذا أخرجا الحديث جميعا من طريق صحابي واحد، قيل له: متفق عليه، أي بين الشيخين. أنه إذا كان الصحابي مختلفا، فيقال: رواه البخاري ومسلم. بعضهم هل الحديث حتى إذا رأى أن الحديث بصحابي واحد، لكن الطريق مختلفة، مثلا يكون عند البخاري من طريق أبي صالح عن أبي هريرة، لا عمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وعند مسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فيجعلهما فلا يقول: متفق عليه، وإنما يقول: أخرجه البخاري، مسلم. ومن العلماء من جعله ما دام أن الصحابي واحد، وهذا الذي عليه العمل، ما دام أن الصحابي واحد، فيقال: متفق عليه، سواء كان هذا من طريق، وهذا من طريق، لكن الصحابي واحد. إذا اختلف الصحابة، ولو كان الحديث واحد، فلا يقال: متفق عليه، لكن يقال: رواه البخاري من حديث فلان، ورواه مسلم من حديث فلان. قال: وقد لا أذكر معهما -أي الشيخين- غيرهما، كأنه يريد أنه قد يخرج الحديث السبعة أو أقل، فيكتفي من نسبته إلى الشيخين. وهذا من باب الاختصار؛ لأن وجوده في الصحيحين يكفي، أو في البخاري، أو في مسلم. قال: وما عدى ذلك -أي ما أخرجه غير من ذكر- كمن خزيمة، والبيهقي، والدارقطني، فهو مبين بذكره صريحا. فعلا إذا كان الحديث ليس في الأمهات الست، وهو مثلا بمن خزيمة، وغيره، يصرح بتخريجه. قال: وسميته -أي المختصر- بلوغ المرام، هو من بلغ المكان بلوغا، وصل إليه، كما في القاموس. والمرام: الطلب، والمعنى الإضافي: وصول الطلب، بمعنى المطلوب. بلوغ المرام: بلغ مراده، فالمراد وصوله إلى مطلوب من جمع أدلة الأحكام. ثم جعله إسما لمختصره. ويحتمل أنه إضافة إلى مفعول المصدر، أي بلوغ الطالب مطلوبه من أدلة الأحكام. قال: والله أسأل بالنصر، مفعول أسأل قدم عليه لإفادة الحصر، أي أسأل الله العون، أن لا يجعل ما علمنا علينا غبالا -بفتح الغين- الشدة والثقل، أن غبالا علينا، أي شدة علينا، أي لا يجعله شدة في الحساب، وثقلا من جملة الأوزار؛ إذ الأعمال الصالحة إذا لم تخلص لوجه الله، إن قلبت أوزارا وآثاما. وأن يرزقنا العمل بما يرضيه سبحانه وتعالى، أن ينزهه عن كل قبيح، وأثبت له العلو على كل عال في جميع صفاته. وكثيرا ما قرن التسبيح بصفة العلو، كـ «سبحان ربي الأعلى»، «سبح اسم ربك الأعلى». وأن يبين أن تنزيهه سبحانه وتعالى من كل عيب، وإثبات له أعظم الفضائل، وأعظم الصفات. ومن أعظمها العلو، فالعلو صفة ذاتية من أعظم الصفات التي اتصف بها الرب جل وعلا، سبحانه وتعالى أعظم الصفات، شكرا لك.