الدرس في مسائل في تغير الأحوال 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الدرس عن تغير الأحوال في حياة الإنسان، وأن الله هو المتحكم في هذا التغير. يُشدد على أهمية الذكر في التعبير عن هذه الحقيقة.
الأعمال الصالحة تؤثر إيجابيًا على الأحوال، ليس فقط في الآخرة بل في الدنيا أيضًا. إقبال الناس على الطاعات يؤدي إلى تغيير إيجابي في حياتهم ومجتمعاتهم.
الأعمال الصالحة والفاسدة تؤثر على أحوال الدنيا بأسرها. الخير يعم الكون والشر يفسده، والذنوب والمعاصي لها عواقب على أصحابها وعلى الحياة.
الدرس ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الختام لمنظومة السير إلى الله، ومما يجدر التنبيه عليه أن الناظم ذكر في هذا البيت الأخير أن قال: نعم الرفيق لطالب السبل التي تفضي إلى الخيرات والإحسان. ومن ثم ذكرنا أن من فوائد هذا البيت، وهي الفائدة الأخيرة، ما كان من أمر هذه المنازل أنها تفضي إلى خيري الدنيا والآخرة. وأشرنا إلى أن هذه المنازل عن طريقها تنال، يا عبد الله، الخيرات. وإن مما أحب أن أذكره في هذا المقام، من باب الشيء بالشيء يذكر، أن أتكلم عن مسألة تغير الأحوال، وهي من المسائل التي لا بد أن يراعيها الأنام في كل زمان ومكان، لعظيم الخفاء في حقيقتها. وبيان أمرها ينبغي أن نعلم، في المسألة الأولى في هذا المبحث، أن نعلم إخواني في الله أن الإنسان في هذه الدنيا يتقلب في أحواله، وهذا حتم لازم على كل إنسان، لا يستقر حاله على حالة واحدة، ولا على وتيرة متحدة. بل ها هو الإنسان يتقلب بين لياليه وأيامه، بين الصحة والمرض، وبين الفقر والغناء، وبين السعادة والتعاسة. وقد مر معنا، لو تذكرون، في شرحنا لحديث: اغتنم خمسًا قبل خمس، اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك. أشرنا إلى هذه المسألة من أن الإنسان يتقلب. وكما قيل: دوام الحال من المحال. بل إن هذه الحقيقة قد أخبر ربنا عنها في كتابه، وأقسم عليها، فقال: ﴿فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق لتركبُنَّ طبقًا عن طبق﴾. جاء في حديث ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: أي تغير من حال إلى بعد حال، تغير من حال إلى بعد حال. فالإنسان يركب في هذه الدنيا على طباق، أي على أحوال. الأمر الثاني في مبحث التغير، إخواني في الله، يعلم أن ينبغي أن نعلم أن الذي يغير الأحوال هو الله جل في علاه، الكون كونه والخلق عبيده، يفعل ما يشاء جل في علاه. قل: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير. فالله جل وعلا هو الذي يغير الأحوال، أحوال العباد كيف شاء. وقد جاءت الآثار والأحاديث على أن من أفضل الأذكار الذي يأتيها أهل الإسلام، وجاءت في الفضائل أنها كنز من كنوز الجنة، أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. ما معنى ذلك؟ ذكر ابن رجب، رحمه الله تعالى، أن معنى هذه الكلمة، أي: لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له إلا بالله سبحانه وتعالى. الله جل وعلا هو الذي يحول الإنسان من حال إلى حال. لا حول، أي: لا تحول لنا، ولا قوة، أي: قوة لنا على ذلك إلا بالله سبحانه وتعالى. ومن هنا نعلم خطأ بعض الناس، لربما نسمعه في كلامه الدارج أنه يختصر لنا هذا الذكر فيقول: لا حول لله. لا حول لله. هذا لا يجوز، هذا اختصار مخل. لا تقول هذا. إن كان من اختصار، قل: لا حول إلا، استثني: إلا بالله. أما أنك تنفي التحول عن الله، وأن الله لا يستطيع أن يحول الإنسان من حال إلى حال، حاشا. الفائدة الثالثة في مسألة التغير، أن من الأخطاء التي عشعشت في أذهان كثير من الناس أن الإنسان من أعظم أسباب تغير حاله ما يعود إلى الأسباب الدنيوية، إلى الأسباب المادية البحتة، هي التي تؤثر على حياته سلبًا وإيجابًا، تغير أحواله إلى الأحسن أو إلى الأسوأ. ولهذا تجد أن الناس يعولون كثيرًا ويعتمدون على هذه الأسباب المادية، أسباب اقتصادية، أسباب أمنية، أسباب اجتماعية، إلى غيرها من الأسباب. ولزال الواحد يحدث نفسه: إنه، إنه إن ظفر بهذا السبب المادي أفلح وأنجح، وأنه إن فاته هذا السبب المادي خاب وخسر. وهذا ليس بصحيح، ليس بصحيح، يا عبد الله. نحن لا ننكر أن الأسباب المادية لها أثر في تغير الأحوال، لكن الذي ننكره أن تجعلها هي السبب الأوحد. بل ينبغي لأهل الإسلام أن يعلموا أن هناك من الأسباب ما هي أسباب شرعية، أسباب شرعية لا يعرفها الناس من خلال حياتهم أو تجاربهم، لا، وإنما هذا يأتي مصداقه من الكتاب والسنة فقط. هذا السبيل الأوحد لمعرفة الأسباب الشرعية من الكتاب والسنة. هذه الأسباب، يا عبد الله، نعم فيها من عوامل تغير الأحوال إما سلبًا أو إيجابًا. والإنسان ينبغي أن يراعيها حق المراعاة. وهنا نأتي إلى بيت القصيد، وهي المسألة الرابعة. إذا علمنا من خلال المسائل الثلاث ما مضى، نأتي إلى المسألة المهمة، وهي أن الأدلة الشرعية قد دلت على أن من أعظم أسباب تغير أحوال العباد، على مستوى المجتمعات والأفراد، ما يعود إلى الأعمال. أعمالك هي التي، يا عبد الله، تحدد مصيرك، ما الذي ينبغي أن تكون، وكيف ستكون في الدنيا وفي الآخرة. فأعمالك، يا عبد الله، هي التي منها تعلم محالك، إلى ماذا سيؤول؟ فمن كان، مثلًا، على أعمال صالحة، من فعل الطاعات والعبادات والسنن والفرائض والمندوبات، والإقبال على الفرائض والواجبات، اعلم، يا عبد الله، أن هذه الأعمال الصالحة، ليس فقط نتيجتها أو ثمرتها تكون في الآخرة، من دخول الجنات، ومن رضا رب الأرض والسماوات، لا فقط. بل إن أجرها يعود عليك في هذه الدنيا، بأن يغير الله حالك إلى أحسن حال، يغير الله حياتك، بل يغير الله عز وجل الكون كله. الكون كله يتغير على حسب إقبال الناس على الطاعات والعبادات، كما قال سبحانه: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾. لا نظير لها، لا انقطاع لها. إذا أقبل الناس على دين الله جل وعلا، وتأمل، يا عبد الله، فيما سيقع في آخر الزمان، حين أن ينزل عيسى عليه السلام، ويحمل راية الإصلاح ومحاربة الفساد والمفسدين، ويقتل بيده الدجال الأكبر، الدجال الأعظم، ويخف الشر ويضمحل ويقل، ويكاد أن ينتهي الشر من الدنيا، ويعم الخير والطاعة والعبادة. هنا تأمل إلى هذا المعيار، زيادة الخير يساويها، يقابل زيادة بركات الدنيا. قال عليه الصلاة والسلام: «نعم العيش بعد المسيح». وقال: «طوبى للعيش بعد المسيح». «يؤذن للقطري يؤذن للسماء بأن تمطر، ويؤذن للأرض بأن تخرج نباتها، ولو بذرت حبك على الصفا لنبت». قال عليه الصلاة والسلام: «وليمُرَّ الرجل على الأسد فلا يضره، ويطأ على الحية فلا تضره، لا تشاحن، ولا تحاسد، ولا تباغض». انتهى كلامه عليه الصلاة والسلام. هذه الخيرات التي تأثرت بها الدنيا، السماء تمطر، والأرض تنبت، حتى الصفا، حتى الحجارة تنبت، لكثرة الخير والبركة والنماء. حتى الحيوانات يذهب عنها السم والحمة، وما كان من ذوات السموم يذهب سمها. يعيش الناس في سلام. من أين أتى هذا؟ من الخير الذي عم الأرض. فعلى قدر الأعمال الصالحة يغير الله أحوال الدنيا بأسرها. والعكس بالعكس، من كان متى ما كان الناس على أعمال فاسدة، أقبل العبد على الفجور والمجون، على فعل الحرمات والمحرمات، وعلى الوقوع في الموبقات والكبائر، وما حرم الله، لا تظن، يا عبد الله، كذلك أن هذه الأوزار عبارة عن سيئات تكتفي صحيفة أعمالك، ثم تلاقي بها ربك يوم القيامة، تجازى عليها. ليس هذا فحسب، بل إن أعمالك السيئة تعود عليك في دنياك، تغير حالك إلى تعكير حياتك، بل ربما تعكرت الدنيا كلها بالمثل. إذا عم الخير، عم الخير في الكون كله. كذلك إذا عم الشر والفساد في الأرض، تأثرت الدنيا إلى الأسوأ، إلى الأسوأ، كما قال ربنا: ﴿لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾. قال عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه: «أي يريد الله جميع الحيوانات مما دب ودرج». أي: معنى الآية، لو أن الله آخذ العباد آخذهم على سيئاتهم، وبما كان من فسادهم وظلمهم، لعاقب الله جميع الأرض، حتى الحيوانات. كما قال مسعود: «مما دب ودرج». قال: قال أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه: «والذي نفسي بيده، إن الحبارى لتموت هزلا في جحرها بظلم الظالم». أي: بسبب ظلم الظالم. يأتي مغبة أعمالهم إلى الكائنات والحيوانات، فتموت بسبب العقوبة. ولها كما روى ذلك البيهقي، وجاء عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، قال: «كاد الجُعل أن يعذب في وكره بسبب ذنب ابن آدم». وهذا الأثر رواه الحاكم في مستدركه، وصححه شيخ الألباني. «كاد الجُعل»، أي: الحشرة، «أن تعذب في وكرها بسبب ذنب ابن آدم». دلالة على أن الذنوب التي يفعلها العباد لها أثر على الكون. إذا كانت هذه آثارها على الكون، فما ظنك بأثرها على صاحبها؟ تفسد عليه حياته. فلما كانت آثار المعاصي والذنوب تجوب الدنيا، حق للكائنات والحيوانات أن تفرح بموت الظالم، أن تفرح بموت الفاسد. كما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن العبد الفاجر ليستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب». «إن العبد الفاجر ليستريح منه»، أي: بموته. بموته، إذا مات العبد الفاجر، جاء نعي: مات كافر، مات فاجر، مات ظالم، مات أي رجل من أهل الفجور والمجون، ممن يعيث في الأرض فسادًا. إذا مات هؤلاء، من الذي استراح؟ المخلوقات. «وإن العبد الفاجر ليستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب». لماذا تستريح منه الكائنات؟ لأنها شؤم عليها، شؤم وجوده، شؤم عليها في أرزاقها، في حياتها، في تنعمها. فينبغي أن نعلم، إخواني في الله، أن الأعمال الفاسدة تؤثر على حياتنا، على أوضاعنا، وكما قلنا: بل تؤثر على الكون كله. هذا الحجر الأسود، الحجر الأسود، قال عنه عليه الصلاة والسلام: «نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم». الحجر الأسود، على هذا الحديث، كما عند الترمذي، ما كان أسود، كان أبيض شديد البياض من أحجار الجنة. فيترى ما الذي سوده؟ ما الذي غبره؟ ما الذي عكره؟ قال العلماء: ذنوب العباد، ذاك الذي ملطخ بالذنوب، يمسح، ذاك يمسح، ذاك يقبله. كثرة الذنوب طلاطمت على هذا الحجر المبارك حتى سود. نزل الحجر الأسود أشد بياضًا من اللبن، فأثرته أو سودته خطايا بني آدم. إذا عقلنا هذا، عباد الله، سنعقل هذه المسألة المهمة، على أن من أعظم أسباب تغير أحوال العباد، سلبًا إلى الفقر والضيق والضنك، أو إيجابًا إلى البركة والخير، ما يكون بسبب أعمالنا. وهذا له مجريات، وله قراءات أخرى، أو قراءات كثيرة، يأتي ذكرها إن شاء الله في دروس قادمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.