الدرس في التعليق على الجواب الكافي 149، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدرس يشرح الطريق الثاني للنجاة من الشهوات المحرمة وهو اشتغال القلب بما يصده عنها، ويتطلب ذلك بصيرة صحيحة وقوة عزم وصبر.
الآية الكريمة تشير إلى أهمية الصبر واليقين في الإمامة في الدين، والعلم النافع يحجز صاحبه عن المحرمات ويؤدي إلى خشية الله.
يتحدث المقطع عن شيخ الإسلام ابن تيمية واجتهاده في العلم وطاعة الله، ويبرز أهمية الانشغال بالعلم وقوة الصبر والعزم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فذكرنا في الدرس الذي مضى ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الطريق الثاني المانع من حصول تعلق القلب بمثل هذه الشهوات، وهو اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه. فذكر الإمام ابن القيم أن اشتغال القلب بما يصده عن ذلك هو الطريق الثاني الذي ينجو به العبد بإذن الله جل وعلا من هذا المرض، مرض الشهوة فيما لا يحل. ثم ذكر رحمه الله أيضا شرحا لهذا أن النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب أعلى منه أو خشية مكروه حصوله أضر عليها من فوات هذا المحبوب. وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين، إن فقدهما أو أحدهما لم ينتفع بنفسه، أن معرفة المحبوبات فيختار ما هو أعلى منها، وكذلك معرفة المكروهات فيختار ما هو أدنى من هذا المكروه. فهذا يحتاج إلى بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه. فأما إن أعمى قلبه المحبة أو أعمى قلبه الكره، فهذا غالبا ما يوفق. فلهذا يحتاج إلى بصيرة. قالوا: الأمر الثاني الذي يخلصه من هذا قوة عزم وصبر يتمكن به من هذا الفعل والترك، إما فعل المحبوبات التي هي أعلى أو ترك هذه المكروهات. وقد يفعلون أدنى هذه المكروهات. قال: فكثيرا ما يعرف الرجل قدر التفاوت، ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزمته. وإلا إن كان عنده قوة عزم وصبر، فإنه يتمكن من ما يحول بينه وبين فعل هذه الأشياء التي تصف هذا الداء. قال: ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على أشياء لا تنفع من خصته وحرصه ووضاعة نفسه وخصة همته أن تضعه في هذه الأشياء، مع أنه لو صبر وعنده قوة عزم لما أرادت نفسه إلى مثل هذه الأشياء. قالوا: مثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ينتفع به غيره. ولهذا الإنسان لا بد له من صبر في الطاعة وعن المعصية، كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين وينال الخير. فمن كانت عنده تقوى وبصيرة يفرق فيها بين درجات المحبة أو درجات المحبوب والمكروه، وعنده قوة عزم وصبر يتمكن به من هذا الفعل والترك، فهو سينجو بإذن الله جل وعلا. وأما إن كان ليس عنده هذه الأمور، فسيقع في الخسة والدناءة وكذلك الشهوة المحرمة. ولهذا بعض الناس ترك الأول ولكن عنده الثاني، فنفعه هذا الثاني عن قوة الصبر وقوة العزم، لكنه قد يأثم على أنه يبقى هذه الشهوات وأيضا يجعل لها طرقا، لكنه عنده قوة صبر وتقوى لله جل وعلا تمنعه عن الحرام، أي تمنعه عن ارتكاب المحرم. فهذا فيه خير، لكنه ينبغي عليه أن يترك الأمر الأول، وأنه إن كان هذا المحبوب سيؤديه للحرام فالواجب أنه يتركه. قالوا: وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين، فقال جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. قالوا: هذا هو الذي ينتفع بعلمه وينتفع به الناس، وضده لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع به غيره، لأنه إذا لم تكن عنده صبر وقوة عزيمة في ترك المعاصي وأيضا استيلاء هذه الشهوة على قلبه، فلا شك أنه هالك إلا أن يشاء الله عز وجل له التوبة والرجوع. ويعزم على ترك هذا الأمر بصبره وكذلك ببصيرته، فيحتاج إلى أسباب تمنعه من هذه أو من الوقوع في هذه المتاهات. فمن أعظم هذه الأسباب البصيرة التي يفرق فيها بين الحق والباطل أو بين درجات الحق ودرجات الباطل، أنه إن اضطر إلى أن يرتكب محرما أو مكروها فيرتكب الأدنى حتى لا يقع فيه ما هو أعلى، وإن اضطر إلى أن يتمسك بمحبوب فيتمسك بالأعلى، أي شيء من شرع الله جل وعلا الذي يكون فيه نجاته. قال: وهذا هو الذي ينتفع بعلمه، عن من كان عنده صبر ويقين وبصيرة ينتفع بعلمه وبما تعلمه. فعلمه إن لم يحجزه عن الحرام فلم ينتفع بذلك العلم. ولهذا فالعلم الذي تتلقاه إن لم يحجزك عن المحرمات فهو من العلم الذي لم ينفع، لأن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فالعلم هو الخشية، فإن ذهبت الخشية معنى ذلك أنه لم ينتفع بعلمه. ولهذا كان الإمام أحمد يقول: «رأس العلم الخشية». ولهذا قال عبد الله بن أحمد: «قلت لأبي: ما أرى معروفا الكرخي عنده شيء من العلم؟ فقال: يا بني، سكت، معروف عنده رأس العلم أو قال: أصل العلم، وهي خشية الله جل وعلا». فالعلم إذا لم يؤديك إلى خشية الله فأنت لست بعالم ولم تنتفع بعلمك. فلهذا يحتاج العالم المتعلم إلى بصيرة وإلى قوة عزم وصبر يصبر على العلم ويصبر كذلك على الطاعات ويصبر أيضا على ترك المعاصي. فلهذا تجد أن طلبة العلم لهم أثر عظيم في أنفسهم وفي المجتمعات، لأنهم غالبا تجد طالب العلم خاصة في المراكز يترك الدنيا وراءه، يترك الدنيا ويترك الشهوات ويترك غيرها وراءه ويأتي إلى طلب العلم ويسهر كذلك في طلب العلم ويحب هذا العلم ويلتذ به وينشغل به. فهذا الذي يفلح فيما تعلم، وكذلك ينجيه ذلك العلم بإذن الله. ولهذا كان العلماء لا يجدون فرصة في الأمور الأخرى، حتى أن بعضهم ما كان يجد حتى وقتا للطعام، كما جاء ذلك عن ابن القيم وعن ابن الجوزي. حتى أن ابن القيم كانت له أمة تؤكله، ما يجد وقتا لأن يأكل طعاما. ومنهم حتى أن النوم لا ينام متكئا، كما ذكروا عن الإمام النووي رحمه الله. كانت له مكتبة كبيرة وهو يجلس بين الكتب، فإذا أراد أن ينام لم يجد مكانا ينام فيه، فينام وهو جالس. فاجتهدوا اجتهادا عظيما فرفعهم الله. وأيضا الإخلاص له دور في هذا. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضا كان مجتهدا اجتهادا عظيما، كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله. حتى أنه يكاد وقته كله في انشغال. فبعد الفجر يقرأ القرآن، ثم يذكر الله عز وجل إلى الضحى. قال: جلست مرة معه، فكان يذكر الله حتى وقت الضحى، فلما جاء وقت الضحى التفت إلي -أي شيخ الإسلام التفت إلى ابن القيم- وقال: «هذا وردي وهو الذي أتقوى به». قال: هذا وردي وهو الذي أتقوى به أن يتقوى به على طاعة الله. وأيضا الاستمرار في العلم، فكان وقته في المطالعة وكذلك الفتاوى وغيرها، كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله. حتى شهد له أقرانه بل أعداءه وأئمة العلم في ذلك الزمان. الإمام ابن دقيق العيد يعتبر الإمام المجتهد في ذلك العصر، لما رأى شيخ الإسلام قال رحمه الله فيه: «شيخ الإسلام ابن تيمية كأن العلم بين يديه، كأن العلم بين يديه يختار ما أراده ويترك ما أراده». يعني العلم كله كأنه وضعه بين يديه، يختار الذي يريده يأخذه والذي لا يريده لا يأخذه، معنى لكثرة العلم وأيضا اطلاع. فقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عنده اطلاع حتى بما عند الفرق وما عند أهل المذاهب. فكان يتكلم في بعض ما عند الفرق وكأنه أفضل منهم في كلامه. أنه يذكر مثلا حتى أنه لما ذكر مذهب الأشاعرة ذكر أن الأشاعرة أهل أصحاب الراج وغيره، كما ذكر في ذم التأويل. ما يعرفون مذهبهم حقيقة المذهب، ثم ذكر أشياء كثيرة يخالفون فيها الأشعري ويخالفون فيها الباقلاني وغيره. فالمهم أن هذا الأمر وهو الانشغال بالعلم وقوة الصبر والعزم على مثل هذه الأمور من أعظم أسباب النجاح وترك الشهوات وغيره. قالوا: من الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره، ينتفع بعلمه في نفسه لكن ما ينتفع به غيره. قال: فالأول يمشي في نوره ويمشي الناس معه في نوره، والثاني قد طفئ نوره وهو يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته. أنا لأنه لم ينتفع به الناس، وقد يكون هذا مثل الشمعة كما قال بعضهم: العلم يكون مثل الشمعة يحرق نفسه ويضيء للناس. وقد يكون أيضا أنه عنده نور لكن يطفأ هذا النور ولم ينتفع أحد بهذا النور. وقال: فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته. وهذا حال أهل البدع وأهل الكلام. قال: والثالث يمشي في نوره وحده، وهذا أهل العبادات والطاعات الذين لا يستفاد منهم. فالأول هم أهل العلم عندهم نور، وهذا النور أيضا يضاعف للناس. والثاني هم أهل الكلام والبدع لا ينتفع بعلمهم، بل علمهم يكون فيه ظلمات للناس. وثالث هم أهل العبادة الذين ينتفعون فقط بهذا العلم لنفسهم ولا ينتفع به الناس. فهذه مقدمة جعلها المؤلف رحمه الله في الشروع في مسألة المحبة والكلام على المحبة، وسيأتي إن شاء الله وتعالى ذلك. وهنا أراد أن يبين الإمام ابن القيم من ينتفع بعلمه ومن لا ينتفع بعلمه. فلهذا يحرص طالب العلم أولا على الإخلاص لله عز وجل، وأن يرفع الجهل عن نفسه. فإن رفع الجهل عن نفسه أيضا يرفع الجهل عن أهله وعن دوائر المسلمين جميعا، فيدعو إلى الله عز وجل بهذا العلم بعد أن يعمل به أو يتنور بهذا العلم فينفع نفسه وينفع غيره.