الدرس في التعليق على الجواب الكافي 147، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر ابن القيم أن غض البصر يفرغ القلب للتفكر في مصالحه، بينما إطلاق البصر يورث الغفلة عن ذكر الله واتباع الهوى. ويؤدي إطلاق البصر إلى تشتت القلب وضياع الدين كما تبين قصص من ابتلوا بالنظر المحرم.
يسرد المقطع قصة جندي مسلم ارتد عن دينه بسبب نظرة محرمة أدت إلى زواجه من نصرانية، مبيناً أن النظرات تورث الغفلة وتفرق الأمر. ويوضح ابن القيم وجود طريق بين العين والقلب يوجب انتقال الصلاح أو الفساد بينهما مستدلاً بالأحاديث النبوية.
يبيّن المقطع أن ادعاء طهارة القلب مع إطلاق البصر دليل على خبثه، وأن النظر المحرم يفسد القلب ويجعله كمزبلة للقاذورات. ويؤكد أن غض البصر علامة على صفاء القلب مستدلاً بحديث نكتة السواد التي تعلو القلب بالمعاصي.
يشير المقطع إلى أن غض البصر هو الطريق الأول لمنع تعلق القلب بالمحرمات وحمايته من الفساد. ويذكر وجود طريق ثانٍ يتمثل في اشتغال القلب بما يصده عن المحرمات وسيتم بيانه في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الفائدة التاسعة في غض البصر: قال التاسع: أنه يفرغ القلب للتفكر في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر ينسيه ذلك ويحول بينه وبينه فينفرط، أو قال: فيتفرق عليه أمره، أو فينفرط عليه أمره، بمعنى أنه من التفرق والتفريط والتشتت. قال: ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه. قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾. قالوا: إطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه، أي: الثلاثة الأمور، أي أنه الغفلة عن ذكر الله، واتباع الهوى، وكذلك التفريط في الأمور المهمة. فلذلك فالذي يطلق بصره يبتلى بهذه الغفلة؛ لأنه يشغله ذلك النظر عن ذكر الله جل وعلا، وهو يعلم أن هذا النظر الذي نظره إلى هذه المرأة وغيره لا يجوز له أن يتبع آثار هذا النظر لأنها ستؤديه إلى الفاحشة والعياذ بالله، فلذلك ينبغي عليه أن يتوب ويستغفر الله عز وجل. لكن إن اتبع هواه وتمادى فيما هو عليه من محبة هذه الصور وتذكرها، فإن هذا يورث الغفلة في قلبه، يورث الغفلة عن ذكر الله جل وعلا، وإذا جاءت هذه الغفلة، صار هذا الشخص ليس في قلبه وفي فكره إلا التفكر في هذه الصورة، وكذلك تمني النفس أن يظفر بهذه المرأة وغيره، فلا شك أن أمره سيصير فرطا كما ذكر الله عز وجل فيمن أغفل قلبه: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾، فتشتت قلبه. وكذلك أيضا التفريط في الأمور المهمة سيقع فيه إذا تمادى فيما هو عليه من هذا الإثم ومن هذا الإطلاق. فلذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله: إطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه، إذن بحسب هذا العثر الذي أوقعه هذا النظر في القلب فقد يؤثر عليه تأثيرا عظيما، حتى كما ذكر الإمام ابن القيم: حتى أنه قد يترك دينه، ويجعل هذا المنظور إليه هو أهم المهمات عنده، حتى قال: ذاك أن رضاه أفضل عنده من رضا الرب جل وعلا. وهذا كله بسبب النظر المحرم، وذاك أيضا مات وكان آخر ما يلفظ يذكر من هذا الحبيب، كذلك كما ذكرنا قبل قصة حمام منجاب، ورب قائل يوما وقد تعبت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فهذا آخر ما قاله؛ لأنه جعل أو أطلق بصره في هذه المرأة، وأصابه هذا السهم في قلبه، فلم يجد إلا النظر إلى هذه المرأة حتى صار يهيم في الشوارع، فأضاع نفسه وأضاع دينه بسبب هذه النظرة. وذاك أيضا الرجل كما قلنا الذي ذكره الحافظ ابن كثير، وذكر هذه القصة أيضا ابن عساكر عن عبد بن عبد الرحيم، وليس هو كما في البداية والنهاية، وهذا معناه خطأ أخطأ فيه الحافظ ابن كثير، ليس هو عبد بن عبد الرحيم الذي فعل هذا، وإنما عبد بن عبد الرحيم هو الذي ذكر هذه القصة، ذكر هذه القصة عن ذلك الشاب. وأما عبد بن عبد الرحيم فهو رجل من أهل الصلاح كما ذكروا ذلك في ترجمته، فعبد بن عبد الرحيم ذكر قصة هذا الشاب الذي كان في الجيش، ثم لما دخلوا بعض مناطق الروم، المناطق التي فيها هؤلاء النصارى، طلع أراد أن يؤذن في المسجد الذي يبنى أو في المكان الذي سيصلون فيه، فلما صعد رأى هذه المرأة فانشغل بها، وضرب عليها الباب، فقالت: ما تريد؟ قال: أريدك. قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية. قال: فإذا تنصرت؟ قالت: إذا فعلت أفعل، أن إذا تنصرت سأتزوجك. فتنصر وتزوجها، معنى ذلك كفر وارتد بسبب هذه النظرة التي أردته إلى ذلك الأمر. فهذه النظرات ليست بالهينة، قد ينظر الشخص إلى نظر محرم إلى صورة محرمة فيورثه ذلك غفلة عن ذكر الله جل وعلا، بمعنى يظل طول ليلته وأيضا نهاره وهو يفكر في هذه الصورة فيغفل عن ذكر الله، وأيضا يورثه اتباع الهوى، اتباع هذا الشيء الذي رآه، بمعنى يريد آثاره، وقد يكون حتى أنه لا يفكر كيف أنه يصل إلى هذه المرأة بالحلال أو بالحرام، وهذا من اتباع الهوى. وكذلك أيضا الأمر الثالث: أن أمره يتفرق عليه وتضيع عليه أشياء كثيرة من المهمات، وكان أمره فرطا. فهذا الأمر التاسع من فوائد غض البصر. قال: العاشر: أن بين العين والقلب منفذا أو طريقا يوجب انتقال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده، فإذا فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب، وكذلك في جانب الصلاح. فإذا خربت العين وفسدت، وخرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكن معرفة الله ومحبة ولقرب منه والأنس به والسرور بقربه فيه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك. هذه الفائدة العاشرة وهي الأخيرة، أو الفائدة الأخيرة من فوائد غض البصر. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: أن بين العين والقلب منفذا أو طريقا يوجب انتقال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه، فإذا صلحت العين بغض البصر بها صلح القلب، وإذا صلح القلب صلحت العين، وهذا شيء ملازم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما جاء في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب». فدل على أن صلاح القلب صلاح للعينين، إذا صلح القلب فلا شك أن المسلم الذي هو باطنه طيب، وأيضا قد زكى نفسه وزكى قلبه، لا شك أنه سيزكي جوارحه، لأن زكاة القلب زكاة للجوارح، وطهارة القلب طهارة للجوارح. وكما أيضا أنه العكس: أن صلاح الظاهر أيضا يؤثر على الباطن ويصلحه، وكما أن صلاح الباطن يكون صلاحا للظاهر، فإذا صلح صلح سائر الجسد. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في الصفوف: «لتسوون صفوفكم أو ليختلفن الله بين قلوبكم». انظر إلى هذا شيء ظاهر لكنه يؤثر على الباطن، يؤثر على الباطن. فلذلك كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: أن صلاح الظاهر يدل على صلاح الباطن، وأيضا يؤثر على الباطن، وصلاح الباطن أيضا يكون فيه صلاح للظاهر. ولهذا المقالة التي معناها يقولها كثير من الناس، يقول مثلا: أنا قلبي طيب، أو بعض مثلا الكبار يقولون: كانت قلوبنا طيبة، كانت قلوبنا طيبة، وأحيانا يستدل بأن بعضهم يدخل على بعض، أن كان الرجال يدخلون على النساء وتكلم المرأة الرجل دون حياء، قالوا: لأن قلوبنا كانت طاهرة. وهذا لا يدل على طهارة القلب، بل غالبا يدل على خبثه، مادم أنه يدخل على نساء لا تحل له أن يدخل عليهم، فكيف يكون هذا القلب طيبا؟ بل يدل كما قلنا على خبث في القلب، وهذا الدخول على النساء قد أيضا يؤثر على قلبه. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إياكم والدخول على النساء». قال: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت». أن مادم الحمو وهو قريب الزوج يؤثر عليه الدخول على النساء، بل تأثيره عليه أكثر من تأثير غيره لأنه يرى نفسه أنه أقرب. فلذلك فإن هذه الأمور تؤثر على قلب المسلم. فلذلك هذا المنفذ الذي يكون من العين إلى القلب يؤثر على القلب ولا شك، وكذلك أيضا إذا تأثر القلب ولو بغير العين أيضا تتأثر العين، فتجد أن القلب إذا ضعف فيه الإيمان تجد أن عين هذا الشخص تذهب هنا وهناك وتنظر إلى ما حرم الله عز وجل، لكن إذا حفظ قلبه وصان قلبه وأصلح قلبه فإن نظره كذلك يصلح، ولا ينظر إلا فيما أباح الله عز وجل له. فإذا حصل النظر المحرم فمعنى ذلك أن القلب فيه شيء، وإذا حصل غض البصر فدل ذلك على أن القلب قد حفظ وأن القلب قد صفى، وهذا يلزم بهذا كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله. قال: فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة. انظر إلى هذا التعبير من الإمام ابن القيم رحمه الله، أي قال: يصير القلب مثل المزبلة، أي شيء يرمى فيه، التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ. إذن خلاص: إذا أطلق على نفسه العنان فينظر فيما أحل وحرم، فلذلك يورثه ذلك فساد في قلبه، فليس فقط بعد ذلك النظر المحرم، بل قد يأتي ما هو أعظم من النظر، لأن النظرة إذا اتبعتها نظرة صار بعدها ما هو أعظم من النظر. وكما قال في الشعر الذي ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله: وكم نظرة فتقت بقلب صاحبها ... فتق السهام بلا قوس ولا وتر ألم مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر وقال بعد ذلك: ومعظم النار من مستصغر الشرر. فلذلك هذه الألحاظ وهذه النظرات تؤثر على قلب الإنسان فيتشتت هذا القلب، وكذلك يورثه أشياء من الوهن وكذلك من ضعف الإيمان وغيرها مما يكون فيه. ولعل أقرب مثال لهذه الأمور ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة الذي أخرجه أحمد أو أبو داود، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أذنب العبد ذنبا نكتت فيه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد عادت، حتى تعلو على قلبه الران الذي قال الله عز وجل: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾». فهذه الفوائد العظيمة التي ذكرها الإمام ابن القيم، عشر فوائد في غض البصر. قال: فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر، نطلعكم على ما وراءها، وهذا في الطريق الأول الذي يمنع من حصول تعلق القلب وهو غض البصر، ثم شرع بعد ذلك في الطريق الثاني الذي يمنع من حصول تعلق القلب وهو اشتغال القلب بما يصده عن ذلك، إن شاء الله نذكره في درس لاحق، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر