المحاضرة بعنوان تأملات في قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة، والتي كانت بمسجد ابن باز بدفيقه يوم الجمعة 15 شعبان 1443هـ الموافق 18 مارس 2022م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
استهل المحاضر بالترحيب بطلاب العلم مستدلاً بأحاديث نبوية تبين فضل طلب العلم وحضور مجالسه، وأن الملائكة تحف بهم وتدعو لهم. ثم بين فضل الصلاة في الجماعة وأنها تعدل خمساً وعشرين ضعفاً، مع ذكر أجر الخطوات إلى المسجد ودعاء الملائكة للمصلي.
استعرض المقطع فضائل عمارة المساجد والصلاة والعلم، ثم انتقل لتفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ مبيناً أن الأمانة هي التكاليف الشرعية التي أبت السماوات والأرض والجبال حملها وحملها الإنسان. وأوضح أن ذهاب الأمانة وإسناد الأمر لغير أهله من علامات الساعة وأسباب هلاك الأمم.
بيّن المقطع أن الأمانة ركن عظيم من أركان الإيمان، وأعظمها أمانة العبادة بإخلاص التوحيد لله وترك الشرك، ثم أمانة الطهارة ظاهراً وباطناً، وأمانة المحافظة على الصلوات. واستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تربط الإخلال بها بالنفاق وتوعد بالعقوبة، وتجعل أدائها سبباً للفلاح والنجاة.
أكد المقطع أن الصلاة والزكاة والصيام والحج أمانات إلهية يجب أداؤها على الوجه المطلوب، وأن التقصير فيها من أعظم أسباب دخول النار مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. وحذر من التساهل في إخراج الزكاة أو صيام الجوارح عن المحرمات، مؤكداً وجوب المبادرة بالحج عند الاستطاعة قبل فوات الأوان.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي برأ الخليقة، وأشهد أهل العلم على أجل حقيقة: شهد الله عنده لا إله إلا هو، والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، القائل: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». أيها الأحبة في الله، مرحبا بطلاب العلم. هكذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما أخرجه ابن ماجه في صحيحه وفي سننه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحبا بوصية رسول الله، «وَاقْنُوهُمْ». قالوا: يا أبا الحكم، وما أقنوهم؟ قال: «وَعَلِّمُوهُمْ». وهكذا صفوان بن عسال المورادي رضي الله عنه، كما صح عند أحمد، وعند الطبراني، وعند البيهقي، وعند غيرهم من المحدثين رحمهم الله، أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو متكئ على برد له أحمر، فقلت: يا رسول الله، جئتك أطلب العلم. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مرحبا بطالب العلم». قال صلى الله عليه وسلم: «مرحبا بطالب العلم، إن الملائكة، ملائكة الرحمن، إن الملائكة ليحفون بأجنحتهم، ليحفون بأجنحتهم طلاب العلم وحلق العلم»، حتى قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حتى يركب بعضهم فوق بعض، حتى يصل السماء الدنيا، حباً فيما يطلبون من العلم». هكذا تتكاثر الملائكة أيها الأحبة، تتكاثر ملائكة الرحمن على الذين يطلبون العلم، والذين يحضرون الخير، والذين يجلسون المجالس، يسمعون كلام الله ويسمعون كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لمثل ما هم عليه، مثلنا اليوم، يدعو لطلاب العلم، يدعو للذين يتلقون العلم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذاك ما صح عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم ابن مسعود، وأنس رضي الله عنه، وزيد بن ثابت رضي الله عنه، وجاء عن جبير بن مطعم رضي الله عنه، وجاء عن مصعب بن عمير رضي الله عنه، وجاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وجاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «نضر الله امرأً سمع مقالة»، في رواية: «ورواية سمع منا شيئاً، أو سمع من حديثنا شيئاً فوعاه»، في رواية: «فحفظه فوعاه فأداه كما سمعه»، في رواية: «فأداه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع». فأنتم أيها الأحبة، ما دمتم على هذا الخير، وما دمتم على هذه المسارعة، وما دمتم على هذا الصلاح، وما دمتم على هدي أهل السنة والجماعة، فأنتم على خير. أنتم الذين يباهي بكم الله جل وعلا ملائكته، وأنتم الذين تحفكم الملائكة، وأنتم الذين تتنزل عليكم السكينة، كما صحت الأخبار بذلك من في النبي المختار صلى الله عليه وسلم. أحبائي في الله، نحن على موعد في هذه الليلة المباركة، في هذا الجامع، أو في هذا المسجد المبارك، في محاضرة طيبة بإذن الله جل وعلا للشيخ أبي عبد الله محمد بن صالح العجلان. صلى الله جل وعلا أن يفتح له فتحاً مبيناً، وأن يذكرنا ويعلمنا ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والمحاضرة إن شاء الله بعد صلاة العشاء، أزاكم الله خيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الأحبة في الله، ابتداء كل ذي بدء، وقبل كل شيء، نحمد الله تبارك وتعالى الذي أنعم علينا بنعم عظيمة لا نستطيع لها حصراً، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. وربنا جل في علاه يقول: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. ومن نعمة الله عز وجل أن وفقنا لهذه المجالس المباركة، ولهذه الحلق العامرة في بيت من بيوته، ومسجد من مساجده التي هي أحب البلاد وأحب البقاع إلى الله تبارك وتعالى. ففي مثل هذه المجالس تتنزل السكينة، وهكذا تغشى الرحمة أهلها، وهكذا أيضاً تحف الملائكة أهل هذه المجالس، ويذكرهم الله فيمن عنده. فنحمد الله عز وجل أولا وآخرا، ونسأله سبحانه وتعالى المزيد من فضله والثبات على دينه. ثم كذلك أيضاً جزى الله خيراً أخانا المبارك أبا الحسن على هذه المقدمة الطيبة، وعلى هذا التذكير النافع، ونسأل الله عز وجل أن يبارك فيه وفي جهوده وفي دعوته، وأن يثبتنا جميعاً على هذا الدين حتى نلقاه. أيها الأحبة في الله، في مستهل هذه المحاضرة أحببت أن أبشر نفسي وإياكم ببشارة عظيمة، كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبشر بها أصحابه، وهي بشارة لأمته أجمع، ألا وهو ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفاً»، وفي رواية: «بسبع وعشرين ضعفاً»، وفي بعضها: «بضع وعشرين ضعفاً». قال أهل العلم: هذا التفاوت في التضعيف يعود إلى ما في قلب هذا المصلي من خشوع وإخلاص لله تبارك وتعالى. قال عليه الصلاة والسلام: «وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة. قال: فإذا صلى، فإن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، تقول -أي الملائكة في دعائها-: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ولا يزال في صلاة ما كانت الصلاة هي التي تحبسه». فتأملوا يا رعاكم الله في هذه البشارات العظيمة التي يبشر بها النبي صلى الله عليه وسلم عمار المساجد، وأهل الصلاة، وأهل القرآن، وأهل مجالس العلم وحلق الذكر. فما دمت في المسجد تقرأ قرآناً، أو تذكر الرحمن، أو تستمع للخير والعلم، فإن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، تقول -أي الملائكة في دعائها-: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. وهكذا جاء في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى وغفر له، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». أكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له من الجنة نزلاً كلما غدا أو راح». وهكذا الأحاديث كثيرة التي تدلنا دلالة واضحة على أهمية هذه المجالس، وعظم هذه الحلق المباركة التي تقام في بيوت الله عز وجل. أيها الأحبة في الله، حديثي معكم في هذه الليلة التي نسأل من الله عز وجل أن يجعلها علينا مباركة، وأن ينفعنا فيها بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه. حديثي معكم حول آية عظيمة من كتاب ربنا عز وجل، ألا وهي قوله جل في علاه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. هذه الآية أيها الأحبة في الله، يخبر ربنا جل في علاه أنه عرض الأمانة، والمقصود بالأمانة هاهنا كما هو قول عامة المفسرين: هي التكاليف الشرعية من أداء الفرائض والواجبات، والبعد عن المحرمات. هذا كله يعتبر أمانة، يعتبر أمانة. والناظر في هذا المعنى يرى أن الأمانة قد اجتمعت على جميع جوانب هذا الدين العظيم. قال عز وجل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. عرضها ربنا عز وجل على مخلوقات عظيمة، على مخلوقات عرفت بصلابتها وقوتها، كما في قوله عز وجل: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. من أشد خلقاً، ومن أقوى خلقاً؟ أنحن أم السماء؟ لا شك ولا ريب أن الجواب هو السماء. وهكذا الأرض، وهكذا الجبال. قال الله عز وجل: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. هذه مخلوقات عظيمة، عرض الله عز وجل عليها أن تتحمل هذه الأمانة، قال: ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. فهذه المخلوقات أبت، وليس هذا معصية لله تبارك وتعالى، فإنهن خُيرن بين أن يتحملن هذه الأمانة أو لا يتحملنها، فاختارن أن يتحمل هذه الأمانة آدم. قال: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، أي خفن أن لا يقمن بها، لأن موجب تحمل هذه الأمانة أن من أحسن فله الكرامة، وأن من أساء فعليه الغرامة. موجب هذه الأمانة أن من أحسن فإنه ينال الجزاء والثواب، وأن من أساء فإنه يستحق العذاب والعقاب: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾، والمقصود بالإنسان في هذه الآية هو آدم وذريته، آدم وذريته. قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. ظلوماً لنفسه، جهولاً بما فيه الحظ له. وهذان يا إخوان وصفان في هذا الإنسان لا ينفك عنهما إلا بالعدل والعلم، فيتخلص من الظلم بالعدل، ويتخلص من الجهل بالعلم. ولهذا كان من أعظم ما يطالب به هذا الإنسان هو أن يكون عادلاً، وهكذا أن يكون عالماً. أيها المسلمون، عباد الله، الأمانة وما أدراك ما الأمانة، أمرها عظيم. ولعظمها كما سبق، السماوات السبع والأرضون السبع والجبال الشاهقات الرواسي، أبين أن يحملنها، وخفن ألا يقمن بها حق القيام. وهذا إن دل على شيء، دل على عظم هذا الأمر الذي تحمله هذا الإنسان. أيها الأحبة في الله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان كثيراً ما يبين عظم هذه الأمانة، كان كثيراً ما يبين عظم هذه الأمانة. ومن ذلكم إخباره عليه الصلاة والسلام أن الأمانة إذا ذهبت، فإن ذلك يعتبر دليلاً على هلاك العالم وانقضاء هذه الدنيا. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بينما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحدث أصحابه، إذ جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: فمضى النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه. فقال بعض الصحابة: سمع ما قال، فكره ما قال. وقال بعضهم: لم يسمع ما قال. قال: حتى إذا قضى حديثه، قال: «أين السائل عن الساعة؟» قال: ها أنا يا رسول الله. قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة». إذا أعطيت المهام، وأسندت الأعمال إلى من هو ليس أهلاً للقيام بها وتحملها، فربما مصير بلده، أو مستقبل قبيلة، أو مصير دولة يكون بيده من لا يحسن تدبير ذلك والقيام بذلك. قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة». وجاء في حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بين يدي الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «السفيه يتكلم في أمر العام». وفي رواية: «الرجل التافه». رجل تافه يا إخوان، لربما يحلل وينقد ويتكلم فيما لا يحسن وفيما لا يفهم. قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العام، يتكلم في أمر العام». والناظر في أحوالنا اليوم يرى أمراً عجباً، يرى ما لا نصرفه إلا إلى الله تبارك وتعالى. وهكذا أيها الأحبة في الله، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث حذيفة بن اليمان، أخبر عن رفع الأمانة وانتزاعها من قلوب الرجال، حتى أن الناس يبحثون في البلدة أو الحي فلا يجدون رجلاً أميناً يحتكمون إليه ويرجعون إليه. وهذا كله يدل على أن ذهاب الأمانة يعتبر دليلاً على هلاك هذا الكون ونهاية هذه الدنيا. أيها المسلمون، عباد الله، الأمانة أهلها هم أهل الإيمان، وأهلها هم أهل الفلاح، أهلها هم أهل التقوى وأهل الجنة. ألم يقل الله عز وجل في كتابه العزيز: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. هكذا يقول ربنا تبارك وتعالى وتقدس. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا إسلام لمن لا عهد له». لا إيمان لمن لا أمانة له. الإخلال بالأمانة يعتبر دليلاً على ضعف الإيمان، بل يعتبر آية من آيات النفاق، وعلامة من علامات المنافقين، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليها الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر». وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، قال عليها الصلاة والسلام: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا خاصم فجر». أيها المسلمون، عباد الله، إذن الأمانة شأنها عظيم، شأنها عظيم. وكما سبق فهي تشمل جميع جوانب الدين، تشمل التكاليف الشرعية من الفرائض والواجبات، وهكذا البعد عن المحرمات. ألا وإن من أعظم هذه الأمانة التي نحن مأمورون بأن نحافظ عليها وأن نقوم بأدائها هي العبادة. فعبادة الله عز وجل هي الحكمة التي لأجلها خلقنا ربنا تبارك وتعالى، كما في قوله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، إلا ليعبدون. ولكي نقوم بهذه العبادة، فإن الله عز وجل سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، لأجل القيام بهذه العبادة. جعل الله عز وجل يوماً يجازي فيه العباد على أعمالهم، لأجل هذه العبادة والقيام بها. جعل الله عز وجل الجنة مأوى للمتقين، والنار مثوى للمكذبين والكافرين. أيها المسلمون، عباد الله، وأداء هذه الأمانة في أننا نقوم بها كما أراد الله عز وجل، وأن لا نصرفها لغيره. فإن صرفها لغير الله عز وجل يعتبر من أعظم الخيانة، يعتبر شركاً عظيماً، كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾، أي بشرك، ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، إن الشرك لظلم عظيم. وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الذنب أعظم؟ أي الذنب أعظم؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك، أن تجعل لله نداً وهو خلقك». أيها الأحبة في الله، إذن القيام بعبادة ربنا عز وجل والإخلاص له وتوحيده، يعتبر من أعظم الأمانة، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول كما في حديث عُتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، يبتغي بذلك وجه الله». وفي الصحيحين من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه، قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا معاذ، يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً». قال معاذ: «قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ أفلا أبشر الناس؟» قال: «لا تبشرهم فيتكلوا». وفي رواية: قال: «إني أخاف أن يتكلوا، إني أخاف أن يتكلوا». جاء في بعض روايات هذا الحديث: قال: فأخبر بها معاذ قبل موته تأثماً، أي خشية الإثم بكتمان هذا العلم. أيها الأحبة في الله، فهذا أعظم أمانة ائتمننا ربنا عز وجل عليها، لهذا كان الواجب أن نقوم بها حق القيام، وأن لا نتساهل فيها، أن لا نتساهل فيها. وهكذا أيها الأحبة في الله، من أعظم الأمانة هي الطهارة، والمقصود بالطهارة: طهارة الظاهر، وهكذا طهارة الباطن. طهارة حسية برفع الحدث وإزالة النجس. فربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. هذه طهارة حسية من الحدث الأصغر، وهكذا من الحدث الأكبر، وهكذا الطهارة من النجاسات: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. وهكذا طهارة معنوية، ألا وهي طهارة القلب من التعلق بغير الله عز وجل، فلا يتعلق بكاهن، ولا عراف، ولا مشعوذ، ولا ساحر، لا يتعلق بجني، ولا إنسي، لا يتعلق بضريح، أو يتعلق بمشهد، لا يتعلق بتميمة، أو يتعلق بحرز، أو بغيرها. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ويطهر قلبه من الأحقاد، ومن الرياء والنفاق، وسيء الأخلاق، فإن ذلك كله يعتبر من الأمانة التي نحن مسؤولون عنها ومحاسبون عليها بين يدي الله عز وجل. فنسأل الله تعالى أن يعيننا جميعاً، ونختم إن شاء الله عز وجل عقب الأذان. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن ولاه. أما بعد: أيها الأحبة في الله، وهكذا أيضاً من أعظم الأمانة التي نحن مسؤولون عنها ومحاسبون عليها بين يدي الله عز وجل، هي هذه الصلاة التي أمرنا ربنا عز وجل أن نحافظ عليها، فقال سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقوموا لله قانتين. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من صلى البردين دخل الجنة». وفي حديث عمارة بن رؤيبة عند الإمام مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها». فالمحافظة على الصلوات يعتبر سبباً عظيماً من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، والعكس بالعكس. فإن عدم أداء هذه الأمانة والمحافظة عليها يعتبر من أعظم أسباب دخول النار والعياذ بالله، كما في قوله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾. قالوا: لم نك من المصلين. وهذا إن دل على شيء، دل على عظم قدر الصلاة في الإسلام، وأنها تعتبر من أعظم أسباب دخول النار إذا لم يقم بها العبد على الوجه المطلوب. فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَن تَابَ﴾. أيها الأحبة في الله، وهكذا من أعظم الأمانة التي يجب علينا أن نقوم بها كما أمرنا ربنا عز وجل، ما يتعلق بالزكاة. الزكاة التي هي طهرة للمال وطهرة للنفس، كما قال ربنا عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾. هكذا يقول الله تبارك وتعالى. وأداء الأمانة في الزكاة هو إخراجها في وقتها، وهكذا إخراجها على الوجه المطلوب، وإعطاؤها لمستحقيها. والإخلال بذلك يعتبر سبباً من أسباب الخيانة، نسأل الله عز وجل العافية والسلامة. لهذا ما يفعله بعض الناس من عدم الاهتمام بوضعها في يد مستحقها من الأصناف الثمانية، هذا يعتبر من التساهل في هذه الأمانة. وهكذا أيضاً ما يفعله بعض الناس من إخراج شيء يسير، من إخراج شيء يسير وليس على الوجه المحدد شرعاً، لأن بعض الناس يظن أن إخراجه للزكاة ما هو إلا تفضل. أبداً، ليس بتفضل، حق وواجب عليه، وإذا لم يخرجه فإنه متوعد بالنار، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. السائل الذي لربما يسأل، وأما المحروم فهو المسكين والفقير العفيف الذي ينبغي أن يتفقد، وينبغي كذلك أن يعان ويساعد. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. ويا إخوان، كم تصلح أحوال الناس إذا أحسنوا في إخراج زكاة أموالهم، في إخراج زكاة أموالهم. أيها الأحبة في الله، وهكذا من أعظم الأمانة المحافظة على الصيام. فالصيام عبادة فرضها ربنا عز وجل، وأخبر أن الحكمة من فرضها هو تحصيل التقوى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، لعلكم تتقون. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». ما فائدة إنسان يصوم عن الطعام والشراب والنكاح، ثم لا تصوم جوارحه عن الحرام؟ فلغته يكذب ويغتاب ويسب ويشتم ويفعل غيرها من المحرمات، وعينه تنظر إلى الحرام، وأذنه تسمع إلى الحرام، إلى غير ذلك. أين فائدة الصيام وأين ثمرة الصيام؟ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر والتعب، السهر والتعب». إذن يا إخوان، الصيام والمحافظة عليه يعتبر أمانة نحن مسؤولون عنها ومحاسبون عليها بين يدي الله عز وجل. ولهذا ذكروا عن بعض الأئمة أنهم كانوا في يوم صومهم يجلسون في المساجد، فإذا سئل أحدهم عن ذلك قال: «أحفظ صومي، أحفظ صومي». ونحن يا عباد الله لا يفصلنا عن شهر الصيام، وعن شهر القرآن، وعن شهر القيام، إلا أياماً قلائل، وليالي ليست عنا ببعيدة. نسأل الله عز وجل أن يبلغنا جميعاً شهر الصيام، شهر رمضان. أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا من أعظم هذه الأمانات: الحج، حج بيت الله الحرام. وأداء الأمانة فيه هو أن من كان مستطيعاً فلا يجوز له أن يتخلف أو أن يتأخر عن أداء هذه الفريضة والقيام بهذه الشعيرة. فربنا عز وجل يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا. وهذا من رحمة الله عز وجل أنه لم يجعل الحج واجباً إلا عند الاستطاعة، ولم يجعله واجباً إلا مرة واحدة في العمر، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «أيها الناس، أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحج فحجوا». فقام رجل وقال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عليه الصلاة والسلام. ثم أعاد: «أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحج فحجوا». فقام رجل فقال: أكل عام يا رسول الله؟ حتى بعد الثالثة، قال عليه الصلاة والسلام: «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم. ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وجاء من حديث الفضل رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من أراد منكم الحج فليتعجل، من أراد منكم الحج فليتعجل، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». وهذا ملاحظ أيها الأحبة في الله، انظروا إلى ما سلف في أعوام ماضية، كيف