المحاضرة بعنوان نصائح لطالب العلم 1، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة يوم الاثنين 19 ذو القعدة 1442هـ الموافق 28 يونيو 2021م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل المتحدث بتأكيد نعمة التفرغ لطلب العلم النافع مستدلاً بالآيات والأحاديث الدالة على منزلته الرفيعة. يحث المستمعين على اغتنام هذه الفرصة وتجنب الكسل مع ضرورة نية تعليم ما يتعلمونه لترسيخ الفهم.
يشدد المقطع على وجوب إخلاص النية والعمل بالعلم محذراً من علم لا ينفع كحال الحمار يحمل أسفاراً. يستعرض فضائل طلب العلم من تيسير طريق الجنة واستغفار الخلائق للعالم وكون العلماء ورثة الأنبياء.
يسرد قصص ابن عباس والزهري في إصرارهم على التحصيل رغم التثبيط مبيناً أن الصبر يجلب الرزق والمنزلة. يحذر من وساوس الشيطان وصوارف النية مؤكداً على حفظ الصحة وتنظيم الوقت ببرنامج يومي مكتوب.
يختتم المتحدث بدعاء جامع يطلب فيه العلم النافع والحماية من العلم غير النافع والنفس الطماعة والقلب القاسي. يصلي على النبي محمد ويختم بالحمد لله داعياً المشاهدين للاشتراك في القناة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، نحمد الله تبارك وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه على ما أنعم به علينا من نعم كثيرة وآلاءٍ عظيمة لا تعد ولا تحصى. وما أكثر هذه النعم التي نتقلب فيها ليلة نهار، صباحا مساء، ولكن أكثر الناس لا يشكرون، وأكثر الناس لا يعلمون. وأخص بالذكر نعمة التفرغ لطلب العلم النافع، وهكذا أنهيأ لنا هذه الأجواء، وهكذا يسر لنا هذه الأسباب في مثل هذا المجتمع الطيب الذي تعيشونه ها هنا في دار الحديث السلفية بمركز طيبة بمديرية الشحر محافظة حضرموت. وكم من الناس لربما يعيشوا هذه الأجواء وفي أوساط هذه الوجوه، ولربما لا يعرف قدر هذه النعمة. ولهذا، أيها الأحبة في الله، نحتاج أن نذكر بين حين وآخر، بل دائماً وأبداً، بهذه النعمة العظيمة التي يسرها لنا ربنا تبارك وتعالى، كي لا يدب فينا الكسل أو الخمول أو الفتور أو التقاعص عن طلب العلوم وإتقان الفنون. كما يعلم الجميع أن العلم النافع يعتبر أصلاً من أصول هذا الدين التي بعث بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فربنا تبارك وتعالى يقول ممتنًّا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. الهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. وهذا إن دل على شيء دل على ما للعلم من منزلة رفيعة ومرتبة عالية في ديننا. ورحم الله الإمام ابن القيم إذ يقول كما في كتابه "مفتاح دار السعادة": قال رحمه الله تعالى: «العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، ولا تقوم شجرة الإيمان إلا على ساق العلم والمعرفة، قال: ولا تقوم شجرة الإيمان إلا على ساق العلم والمعرفة». قال: «فالعلم إذن أجل المطالب وأسنى المواهب، العلم إذن أجل المطالب، أجل مطلوب تبحث عنه هو العلم، وهكذا هو أسنى المواهب». ومن نظر إلى آيات القرآن، وهكذا أحاديث السنة، يجد فيها الترغيب في العلم أكثر من الترغيب في غيره. فربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ﴿وَقُل﴾ أي: محمد، داعيًا ربك عز وجل أن يرزقك الزيادة من العلم. وكما ذكر غير واحد من أهل العلم كالحافظ ابن حجر وغيره، قالوا: إن لم يكن في فضل العلم إلا أن الله عز وجل لم يطلب أو لم يأمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يسأل الزيادة إلا منه، لكفى بها، لكفى بها. وهكذا ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. تظن أن الناس كلهم هممهم نحو العلوم ونحو مجالس العلم وحلق الذكر أبداً، يا عباد الله. وإنما يصطف الله عز وجل ويختار من الناس من يحملون هذا العلم، وهكذا ينشرونه في أوساط المسلمين. وهكذا أيضاً ربنا تبارك وتعالى يخبر عن رفعة العلم وفضل أهله، قال عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. قال ابن عباس وغيره: أي بالعلم، أي بالعلم، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. كم نسمع مثل هذه الآيات المباركات، لكن لربما عند سماعنا لها لا تحدث فينا أثراً، ولا تحدث عندنا اجتهاداً وأيضاً حرصاً لطلب العلم وبذل الغالي والنفيس من أجل تحصيل العلوم، إلا من رحم الله عز وجل. وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرغب أصحابه، بل وأمته أجمع، في الحرص على العلم وعلى التزود من العلم، والأحاديث في هذا الباب كثيرة لا تخفى على أمثالكم، غير أن الذكرى تنفع المؤمنين. فمن ذلكم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية في الصحيحين: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، «وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ الْمُعْطِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». إذن، من علامة إرادة الخير بهذا العبد أن يشرح الله عز وجل صدره لطلب العلم وتحصيل العلم، فيفتح الله عليه ما لربما يفتح لغيره. وهكذا حديث عثمان في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». وهذا فيه فضل العلم وتعليمه. وهذه فائدة ينبغي أن يحرص عليها طالب العلم، فإنها تعتبر من العوامل المساعدة والدوافع العظيمة لتحصيل العلوم وإتقان الفنون: أن الطالب إذا دخل وشرع في دراسة علم من العلوم أو كتاب من الكتب، ينبغي أن تكون همته عالية. كيف ذلك؟ أنه يحدث نفسه، وهكذا يهيئ نفسه أن يقوم بتدريس هذا الكتاب ونشر هذا العلم عقب دراسته، عقب دراسته. إذا استشعر أحدنا ذلك، فإنه سيكون يقظاً لفهم معاني الكلمات ومقصود العبارات، فلا يدع شاردة ولا واردة إلا حاول الإحاطة بها، وما فاته سيسأل عنه، لأنك تتخيل أنك تدرس هذا الكتاب، فلربما تسأل عن هذا ولا يكن عندك جواب، فتحرص على أن تسأل عما أشكل أو عما فاتك فهمه أثناء طرح المعلم وإلقاء الشيخ لهذا الحديث أو في هذا الموضوع. وهكذا أيضاً كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا وَتَعَوَّذُوا بِهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا وَتَعَوَّذُوا بِهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ». وهذا الحديث أخرجه الإمام ابن ماجه وغيره، وصححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى. ونحوه ما كان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذه الكلمات: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا». اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ. العلم الذي لا ينفع هو العلم الذي لا يبتغي به صاحبه وجه الله عز وجل، ليس عند صاحبه إخلاص لله تبارك وتعالى، فهذا علمه وباء عليه. ولهذا كلكم يحفظ ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، ومنهم من عالم تعلم العلم لكي يقال عالم، وقارئ قرأ القرآن لكي يقال قارئ. فما أعظمه من زاجر يا إخوان، إلى أن نحرص على إخلاص النية عند رحلتنا في طلب العلم، وعند حضورنا لمجالس العلم، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. العلم الذي لا ينفع هو الذي لا يعمل به صاحبه، يتعلم العلم ثم لا يعمل به، ثم لا يعمل به. وهذا كما ذكر الله عز وجل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. ما ظنك بحمار يحمل على ظهره أسفاراً؟ وما هي الأسفار؟ نعم، الكتب. تخيل حماراً يحمل على ظهره تفسير الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، هل سيكون مبرزاً في علم القرآن؟ حمار يحمل على ظهره صحيح البخاري ومثله صحيح مسلم، يحمل معاجم وسنن ومسانيد إلى غير ذلك. ما هي الفائدة التي سيستفيدها من حمله لهذه الكتب؟ لا شك أنها فائدة واحدة، فما هي؟ نعم، ما هي الفائدة؟ حمار يحمل كتباً سيستفيد فائدة واحدة وهي... نعم، قلها ولا تخف، ما هي؟ نعم، عندك، أحسنت: هو التعب، هو التعب لا غير. فالذي يحمل نفسه علوماً ولا يعمل بهذا العلم، فهذا يحمل نفسه ما لا يطيق. ولهذا كان بعض التابعين يسأل أمهات المؤمنين، عائشة، فيكثر عليها في المسألة، فقالت له يوماً: «يا بني، هل تعمل بما أقول لك؟» فذكر رحمه الله أنه أحياناً يعمل وأحياناً لربما لا يعمل، فقالت له: «يا بني، لِمَ تكثر على نفسك في الحجج، أو بي الحجج، لِمَ تكثر على نفسك بي الحجج؟». فهذا مما ينبغي أن نراعيه، أننا نعمل قدر المستطاع بما نتعلمه. ومن بركة العلم يا إخوان أن يعمل به، أن يعمل به صاحبه. وجاء في سنن الترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أبو الدرداء قدم عليه رجل من المدينة وهو بالشام، أي أبو الدرداء كان بالشام بمدينة دمشق، فقال له أبو الدرداء: «ما أقدمك يا أخي؟» أي: ما الذي جاء بك؟ المسافة ليست قصيرة من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دمشق ببلاد الشام. فقال الرجل: «حديثاً بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». تقول: «ما أقدمك؟» أقدمني هذا حديثاً بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له: «أما جئت لحاجة؟» نعم، الحديث سأعطيك إياه، لكن هل لك حاجة أخرى أيضاً جئت من أجلها؟ قال: لا. قال أبو الدرداء: «قال: أما قدمت لتجارة؟» ومعروف أن بلاد الشام كانت بلاداً خصبة للتجار وعمل، ماذا؟ البيع والشراء. قال: «أما قدمت لتجارة؟» قال: لا. قال: «أما جئت؟» قال: «ما جئت إلا في طلب هذا الحديث، إلا في طلب هذا الحديث». عندها قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ». وهذه القطعة أخرجها الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِمَا يَصْنَعُ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، قَالَ: وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ، أَوْ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ». حين أن تجلس في حلقة تعليم قرآن، فتكون أنت المعلم، أو تجلس ويطلب منك نصيحة، أو أن تذكر إخوانك، أو أن تلقي درساً، احتسب هذا الأجر عند الله عز وجل. لا تقل: أنا مشغول، أنا ما عندي وقت، انظروا غيري. لا تزهد في هذا الخير. «وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، قَالَ: وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ». فانظروا إلى رحلة يقطع فيها آلاف الأميال والكيلومترات من أجل حديث واحد، لربما كانت على الأقدام، لربما كانت في حر الصيف أو برد الشتاء، لربما كان لا يأمن على نفسه الخطر واللصوص وقطاع الطريق، لكن همم عالية في طلب العلم. وما قصة جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما بل عنهما إلى عبد الله بن أنيس، عنا ببعيد، مسافة شهر ذهاباً ومثلها إياباً، ومثلها إياباً. بل رحلة موسى عليه الصلاة والسلام مع فتاه، مع فتاه، مع فتاه، إلى، إلى الخضر، إلى الخضر، من أجل العلم وتحصيل العلم الذي عند الخضر. فهذا وغيره كثير، كان في عهود ماضية العلماء والمحدثون يهتمون بأمر الرحلة، فلربما أنفقوا الأموال الطائلة من أجل طلب العلم وتحصيله، لربما بذلوا أعمارهم وشبابهم من أجل العلم. أحدهم يبيع سقف بيته من أجل العلم، أثاث منزله من أجل أن يسعى به على طلب العلم. أحدهم لربما يخرج في عنفوان الشباب رحلة في طلب العلم، فما يرجع منها إلا وقد بدأ الشيب يغزو مفرق رأسه وشاربه ولحيته، من أجل تحصيل العلم. إذن لا تحتقر نفسك يا طالب العلم، لا تقل: ماذا عسى الناس أن يحتاج إلى مثلي؟ حفظي ضعيف، وفهمي ضعيف، ولساني ثقيل. تبه، ابن مسعود يقول: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُحْتَاجُ إِلَيْهِ». لا تدري متى يحتاج الناس إلى ما عندك من الخير. وقصة ابن عباس مع ذلكم الفتى من الأنصار مشهورة، لما طلب العلم عند النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد موته عند أصحابه الكبار رضي الله رضي الله تعالى عنهم. فواصل ابن عباس، وقعد الأنصاري، قال: «يا ابن عباس، أتظن أن الناس يحتاجون إليك؟ انظر إلى أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم من كبار الصحابة، ماذا عسى الناس أن يحتاجوا إلى علمك؟» لكن ابن عباس لم يلقي بالاً لهذه الكلمة، واستمر في أخذ العلوم عن كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حتى احتاج الناس إلى علمه، فنصب لابن عباس مجلس في المسجد، واجتمع الناس حوله، ابن عباس يدرس. فمر الأنصاري على ابن عباس وهو يدرس، وهو يدرس، فقال كلمته المشهورة: «لَقَدْ كَانَ هَذَا الْفَتَى الْقُرَشِيُّ أَفْطَنَ مِنِّي، كَانَ مُوَفَّقًا أَكْثَرَ مِنِّي لِحِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ أَكْثَرَ مِنِّي». وهكذا خُصَّة الزهري مع صالح بن كيسان رحمة الله عليهما، جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس المئة الأولى. طيب، الزهري يقول لصالح بن كيسان: «هَلُمَّ نَجْمَعْ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ». قال: لا. قال: «فَكَتَبْتُ وَلَمْ أَكْتُبْ». قال: «فَمَاذَا؟» فَوُفِّقَ، أَوْ نَجَحَ، وَأَخْفَقْتُ، أَوْ كَمَا قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. إذن، أيها الأحبة في الله، ينبغي أن نستشعر عظمة الخير الذي منى الله به علينا في مثل هذه الدور، وإياك أن يتلاعب بك الشيطان. أول عدو يقف لك بالمرصاد هو الشيطان الرجيم، فهو لا يرضى عن رحلتك، ولا يرضى عن جلوسك، ولا يرضى عن دراستك. ما سيتركك، هو ملازم لك، يحاول ليلة نهار، صباح مساء، بكل ما أوتي من قوة، كي يحول بينك وبين الاستمرار في طلب العلم. لربما يذكرك بالمستقبل، يقول: ألست تشتهي زواجاً؟ ألست ترغب أن يكون لك بيتاً مستقلاً؟ ألست تحرس أن يكون عندك مال؟ فيحاول يصدك عن طريق طلب العلم، بينما لو تفكر الواحد منا فإن العلم وتحصيل العلم سبب للزواج، وسبب لتيسير الرزق، بل وكثرته، بل وكثرته. في حديث أنس رضي الله تعالى عنه عند أصحاب السنن: كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلان أخوان، أحدهما يحترف، يشتغل، يعمل، والآخر يأخذ العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فشك المحترف أخاه: «أنا أشتغل، أتعب، أعمل، وهذا يجلس عندك يا رسول الله، كيف ذلك؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك المشتكي: «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ، لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ». فمن أراد الدنيا والآخرة، عليه بماذا؟ عليه بطلب العلم. ولهذا انظروا إلى العلماء، كيف فتح الله عليهم أبواب الرزق، كيف فتح الله عليهم أبواب الرزق. أولاء العلماء الذين ترون بعضهم وتسمعون لحديث البعض الآخر، ما نالوا هذه الأعلام وهذه المنزلة إلا بالصبر، إلا بالمجالدة، إلا بالتحمل في طلب العلم. لربما كانوا يلبسون الثياب المرقعة، وقد رأينا من مشايخنا وزملائنا من كانوا يلبسون الثياب المرقعة والثياب الخلقة البالية، كانوا يأكلون الخبز الناشف، خبز ناشف، لربما يحتاج أن يضعه في الماء فترة كي... كي يرطب فيكون صالحاً للأكل. لربما يأكلون التمر الذي لا يصلح أن يؤكل، إما لرائحته وإما لسوء طعمه. انظروا كيف فتح الله عليهم، ونالوا من الخير الكثير، لسبب صبرهم على تحصيل العلوم، وجمع كذلك العلم النافع. وأخيراً، ينبغي على طالب العلم أن يبتعد عن الصوارف. الشيطان إذا لم يستطع أن يصدك عن طلب العلم، لربما عمل لك من الصوارف ما يذهب عنك بركة العلم. مثلاً: أن يغير نيتك، تتعلم وتخيل الآن كيف أنك ستعود إلى بلدك كي يحترمك الناس، ويفتح لك الطريق والمجال، وتتحصل على النقود والأموال، إلى غير ذلك. الشيطان لربما يبقى... ماذا يجعلك... ماذا تجعل بينك وبين زملائك مشاكل؟ مشاكل من الصوارف الكبيرة عن طلب العلم. المشاكل يا إخوان، بينه وبين هذا مشكلة، بينه وبين هذا قطيعة، لا يسلم عليه ولا هو كذلك ممن يسلم. أذهي المشاكل والنزاعات والخصومات تفقدك لذة العلم يا إخوان. العلم له لذة وله طعم جميل جداً، لكن لا يجده الإنسان بلسانه، وإنما يجده بقلبه. «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا». حافظ على صحتك، حافظ على قوتك، لا تكلف نفسك ما لا تطيق، ولا تهدر قوتك فيما لا ينفع. أحياناً الشيطان يقول لك: لا، من باب استغلال الوقت، لا تنم، تشعر بتعب، أنت بعد الغذاء تشعر بتعب، يقول لك: لا، أنت جئت لكي تنام. خطير هذا الشيطان، ماذا يريد؟ يريدك أنك تبقى تقاوم، تقاوم إلى أذان العصر، توضأت، دخلت إلى المسجد، ركعت، فإذا بالجسم يثقل والعين تثقل، ضاع عليك درس العصر، المدرس يدرس وأنت لربما... ماذا؟ وأنت لربما بعيد غافل. فحافظ على صحتك، اعمل لك برنامجاً. وقد جربنا هذا، أيها الأحبة في الله، خذ لك قلماً وورقة، واكتب لك برنامجاً يومياً: بعد صلاة الفجر إلى مثلاً الساعة الخامسة والنصف، إيش هذا؟ هذا مثلاً مراجعة أو حفظ صفحة من القرآن. من خمسة ونصف إلى ستة، إيش هذا؟ تسميع المحفوظ. من ستة إلى سبعة إلا ربع، إيش هذا؟ هذا درس في التجويد. من سبعة إلا ربع إلى السابعة والنصف، فطور. من السابعة والنصف إلى الثامنة والنصف، درس في كذا وكذا. اجعل لك برنامجاً مكتوباً، واضبطه بالساعات والدقائق، وحاول أن تقوم بتطبيقه. نعم، قد يفوتك بعض الشيء، لكنه قليل، ليس بكثير، ليس بكثير. هنا ستجد بركة الوقت، وأنك ممن يغتنم وقته حق الاجتنام. واجعل لك في هذا البرنامج أوقاتاً للراحة، إما قبل الفطور، وإما قبل الظهر في وقت الضحى، وإما بعد الغذاء. اجعل لك وقتاً كي تستعين به على حضور الدروس وحفظها، وتلاوة القرآن وحفظه، إلى غير ذلك. أيها الأحبة في الله، الحديث يطول حول ما نحن بصدده من مجالس علم وحلق نافعة، وآداب ينبغي أن تكون لدى طالب العلم، سواء في مجلس العلم، أو كان مع أهل العلم، أو مع زملائه في طلب العلم، إلى غير ذلكم. لكن أنتم في قلعة علمية وصرح شامخ، تتلقون مثل هذه النصائح ومثل هذه التوجهات بين حين وآخر. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقني وإياكم لكل خير، وأن يصرف عنا وعنكم كل شر وضير، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. نسأله تبارك وتعالى أن يرزقنا علماً نافعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. وجزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم أجمعين. اشتركوا في القناة. اشتركوا في القناة.