الدرس في شرح الأصول الستة 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أهمية طاعة ولاة الأمور بالمعروف استنادًا إلى القرآن والسنة، ويشدد على وجوب طاعتهم في مختلف الأحوال ما لم يأمروا بمعصية.
يُناقش هذا الفصل حدود طاعة ولاة الأمور، ويوضح أنها مقيدة بطاعة الله ورسوله، فلا طاعة لهم في معصية الله.
يشرح هذا الفصل مفهوم السمع والطاعة لولاة الأمور عند أهل السنة والجماعة، ويبين موقفهم من طاعة الحكام فيما لا يخالف شرع الله.
يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى وقدرته.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كان الكلام، أخواني في الله، في الدرس السابق حول الأصل الثالث من الأصول الستة، والذي مداره على السمع والطاعة لمن تأمر علينا، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. وذكرنا تمهيدًا لهذه المسألة، ولهذا الأصل، أهمية الإمامة وأهمية الإمارة، وأنه لا بد لرأس يرأس الناس، وأن الناس ينطوون تحت لوائه ويخضعون لأوامره، وهذا مما دل عليه الشرع بدلالة السنة والإجماع والقياس الصحيح، وهكذا مما دل عليه العقل والفطرة كذلك. إخواني في الله، تأتي مسألة مهمة متعلقة بهذا الباب، وهي بعدما ننتهي من المسألة الأولى، وهو أن تم نصب إمارة أو إمام على المسلمين، ما الذي يترتب على ذلك؟ ما الذي يترتب بعد هذه الخطوة؟ الذي يترتب على هذه المسألة، إخواني في الله، وهو ما يسمى بالسمع والطاعة، أن الناس يذعن لهذا الرأس بالسمع والطاعة، كما سيأتي بيانه. وهذه مسألة مؤسفة، الكثير من الناس مع وضوحها، إلا أنه في عماية عنها الكثير من الناس، يظن أن جعل أمير أو جعل إمام على المسلمين معناه أنه هو الذي يقوم بحقه، وهو أن يوفر لهم ما يتعلق بمكاسبهم وما يتعلق بحياتهم وبالتنظيم أمورهم، ويهيئ لهم العيشة الهنية بتوفير سبل المعيشة وغير ذلك. هم ينتظرون منه هذا، وبالمقابل يقولون: لا تنتظر منا شيئًا آخر، لا تنتظر منا شيئًا آخر. لا يا عبد الله، بل هذا واجب أن تؤديه، وإذا كان هذا الإمام مطالبًا بتأدية أمره وحق الناس، فأنت أيضًا عليك أن تؤدي حقه، وليس هو يطالبك به، بل الشرع يأمرك به، الشرع يأمرك بهذا الحق، ألا وهو السمع والطاعة، فإنها من أعظم الواجبات التي أمر بها ربنا جل وعلا. وقد جاءت هذه المسألة، ما يتعلق بالسمع والطاعة، في الكتاب والسنة. أما في الكتاب، ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وولاة الأمور ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنهم الأمراء، ومنهم من ذهب إلى أنهم العلماء، ومنهم من جعل القسمين يدخلان في ولاة الأمور، العلماء والأمراء، لكن الولاء لهم النصيب الأوفر، ومنهم الحظ الأعظم من هذه الآية. فربنا جل وعلا أمر بطاعة الله، وأمر بطاعة الرسول، وأيضًا كذلك أمر جل في علاه بطاعة ولاة الأمور، فالقرآن يأمر بهذا، واستخدم صيغة الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا﴾. فهذا الحق، إخواني في الله، من الحقوق التي يجب أن يؤديها الناس بعدما تتوفر لهم الإمارة والإمامة، أن يؤدوا هذا الحق لأمرائهم ولأئمتهم. وأما دلالة السنة، فالأحاديث في هذا الباب كثيرة، فمن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: «بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وفي عسرنا ويسرنا، وعلى أثرة علينا». فيدل هذا الأمر على أن من أولويات الأمور التي ينبغي أن تقدم الولاة الأمور أن تقدم لهم بالسمع والطاعة. «بايعنا رسول الله على السمع والطاعة». وانظر كيف تكون ومتى تكون في كل الأحوال، في منشطنا ومكرهنا، وفي عسرنا وفي يسرنا، في كل الأمور تكون على هذا الحال، يا عبد الله، لا تحيد عنه ولا تميل منه. وأيضًا ما جاء في الصحيحين، وكذلك يدل على وجوب هذا الأمر، ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك». وحديث عبد الله بن مسلم فيه كذلك دلالة على هذا الأصل، وهو واجب من الواجبات التي ينبغي أن تؤدى إلى أهلها. وهكذا ما جاء في الحديث المشهور، حيث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد». وبهذا نعلم أن ليس العبرة أن السمع والطاعة إنما تعطى لجنس ولاة الأمور من حيث الأبها، من حيث القوة، من حيث الشدة والبطش، لا، وإنما يعطى لكل من ولي أمر الناس، ولو كان بهذه الصورة، ولو كان عبدًا، عبد استتب له الأمور وأصبح هو الوالي على الناس، فهذا يعطى حقه، لماذا؟ لأن هذا حق شرعي، ليس حقًا شخصيًا، بل هو حق شرعي أمر الله جل وعلا به بتأديته. وجاء في رواية أبي ذر، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن كان عبدًا مجدع الأطراف». تخيل هذه الصورة، ولي من ولاة الأمور صورته هذه الصورة، وهو مع ذلك مجدع الأطراف، ومع ذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة: «عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي». وفي رواية: «وإن كان مجدع الأطراف». فأخواني في الله، الدلالة واضحة تدل على وجوب هذا الأمر. وأيضًا كذلك ما يؤيد هذا المعنى، ما ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين من حديث الأشعري رضي الله تعالى عنه، في الحديث الطويل، والذي يقول نبينا صلى الله عليه وسلم في آخره: «قال وأنا آمركم بخمس، أمرني الله جل وعلا بهن: السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة». السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة. وكما قلنا حديثًا ذكره شيخنا في الصحيح المسند. فقوله عليه الصلاة والسلام: «وأنا آمركم بخمس، أمرني الله جل وعلا بهن». إذا أمر من الله، وأمر من رسوله عليه الصلاة والسلام بهذه الأمور الخمسة، ومنظر هناك في هذا الحديث، غاير نبينا بين السمع والطاعة، فجعل السمع شيء لوحده، وجعل الطاعة كذلك شيئًا لوحدها، فقال علماء: مقصود السمع هنا أنك تنصت، وأنك تستمع من غير معارضة، من غير تشويش، وعليك كذلك الطاعة، وهي الاستجابة، أنك تنفذ ما يطلب منك من ولاة أمورك. فهذه، أخواني في الله، أدلة واضحة بينة. كم من الناس في عماية، بل في جهل عميم بهذه المسائل العظيمة، ويتعتم من أصول دين، وإلا هذه الأحاديث تعتبر قطرات، والأحاديث في هذا الباب قد رويت بروايات كثيرة عديدة، وبألفاظ متنوعة، فيها الدلالة على وجوب السمع والطاعة. فلا يظن الظان أن ولاة الأمور عليهم أن يؤدوا، يقوم بحق الناس، وأنت لا تقوم بحقك، لا يا عبد الله، بل عليك كذلك أنك تقوم بحق ولاة الأمور، وذلك بأن تعطيهم السمع والطاعة التي أمر الله جل وعلا بها. ثم تأتي بعد ذلك مسألة، وهي هل هذا الباب، وهو السمع والطاعة، مفتوح على إطلاقه، ويطاعون في كل شيء؟ السنة، إخواني في الله، بيّنت حدود الطاعة، السنة بيّنت حدود الطاعة، وأن ولاة الأمور إنما يطاعون بالمعروف، يطاعون بالمعروف، يطاعون بما فيه طاعة لله جل وعلا، وطاعة لرسوله عليه الصلاة والسلام. وقد جاءت هذا التقييد بدلالة الكتاب، وبالسنة. أما من الكتاب، ففي نفس الآية، في قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. هذه الآية يقول العلماء: مع أن فيها الدلالة على وجوب طاعة ولاة الأمور، ففيها أيضًا شرط مهم، وهو أن هذه الطاعة مقيدة، وأن طاعة ولاة الأمور إنما تكون مقيدة ضمن طاعة الله ورسوله. فمعناه أن إذا قام هذا الإمام، وقام هذا الأمير بالأمر بالمعصية، أمر بذنب، أمر بمخالفة، فإنه لا يطاع، لا يطاع. ووجه الدلالة من هذه الآية بهذا الشرط، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهكذا ابن القيم، وجماعة من المفسرين. وجه التقييد من هذه الآية أن الله جل وعلا عندما أمر بطاعته، جعل لنفسه جل في علاه الطاعة المستقلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾. طاعة مستقلة لله جل وعلا، فكل أمر يأتيك من الله جل وعلا فإنه يتبع. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، ثم قال جل في علاه: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وجعل لرسوله عليه الصلاة والسلام طاعة مستقلة، طاعة مستقلة، يطاع نبينا صلى الله عليه وسلم، فما ليس معنى إذا جاءك أمر من رسول الله أن تعرض أمره على القرآن، لا، لا تعرض أمر القرآن، لأن القرآن طاعة مستقلة، وهكذا النبي طاعة مستقلة، أي أمر يأتيك من رسول الله سمعنا وأطاعنا، سمعنا وأطاعنا، تسمع وتطيع لأمر نبيك عليه الصلاة والسلام. فلهذا جعل من معاني، ومن الواجبات، إذا نبينا عليه الصلاة والسلام طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر. ولكن انظر عندما جاء الأمر للرتبة الثالثة لولاة الأمور، لم يذكر فيها طاعة مستقلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال علماء: فيه بيان أن طاعة ولاة الأمور إنما تكون مقيدة، ومتابعة لطاعة الله ورسوله، تكون مقيدة بطاعة الله، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، فلا يطاعون استقلالًا. فإذا دل على أن الأمر والآيات والأحاديث المروية في هذا الباب على وجوب طاعة ولاة الأمور، ذلك بشرط أن لا تكون فيها مخالفة، وأن لا تكون فيها معصية. ويؤيد هذا المعنى كذلك ما جاء في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. قد يصل ببعض الناس في بعض النواحي أن يكون من ولاة الأمور من فيه من الفجور والخبث والدهاء أن يأمر الناس بمعصية الله جل وعلا، أن يأمر الناس بمعصية الله جل وعلا، فلا يأتي أحد بعد ذلك ويستدل بالأدلة على السمع والطاعة على انقياد لأمره واتباع لمعصيته، فلا يطاعون، وإنما يرد أمره. ولهذا جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة بالمعروف». إذن بهذا المسألة الثانية، إخواني، فيها تقييد ما يتعلق بالمسألة الأولى. المسألة الأولى يقرر فيها على أن الأولى يطاعون، وأن هذا حق من حقوقهم، السمع والطاعة لولاة الأمور، لكن تأتي المسألة الثانية، هذه هي بين أيدينا، أن هذه الطاعة ينبغي أن تقيد بما ليس فيها مخالفة، وما ليس فيها معصية لله ولرسوله، فإن وجدت معصية فإنها ترد، فإنها ترد، ولا ينصاعون لأوامرهم، ولا لهذه المعصية التي أمروا بها. ومن خلال هذه المسألة، إخواني في الله، يتضح عظم الفرية التي يدندن بها بعض الناس من المخالفين، ومن حملهم الكبر والكذب بأن يشوه دعوة أهل السنة والجماعة في هذا الباب، ويزعمون أن أهل السنة والجماعة يعطون لولاة الأمور الطاعة المطلقة. وقد سمعناها، وهذا يبث في بعض مواقعهم، وفي بعض كذلك مكالماتهم، أنهم يدندنون على هذه الفرية، يقولون: انظروا لأهل السنة، وانظر للدعوة السلفية، كيف لهؤلاء ولأدعياء هذه الدعوة على حد تعبيره أنهم يعطون لولاة الأمور الطاعة المطلقة. ما معنى قوله؟ معنى كلامه بأن الطاعة المطلقة، أي أن أي أمر يأتي به ولي الأمر، فإن هؤلاء سرعان ما يستجيبون له، في طاعة أو في معصية، في بر أو في مخالفة، في هدى أو في باطل. وهذا بهتان، وهذا كذب، وهذا بهتان، وهذا كذب. ولو أنه أنصف نفسه لعلم أن أهل السنة والجماعة من أغير الناس على دين الله، وأن هذه الأدلة أمامهم واضحة بينة على أن ولاة الأمور إنما يطاعون فيما هو بالمعروف، أما إذا أمروا بمعصية فحاشى، فحاشى لأهل السنة أن يمشوا، وأن يبرروا مثل هذه المخالفات، تمشي في مجتمعات المسلمين. بل إن علماء أهل السنة، وعامة أهل السنة، هم بالمرصاد لأي منكر، لأي منكر صدر من صغير أو من كبير، أو من عظيم أو من حقير، إلا أنهم يختلفون في التعامل. وهنا الإشكال، يختلفون في التعامل. والأسف، هؤلاء القوم لا أقول من جهل، لأن هذا ليس جهلًا، وإنما هذا التجاهل، وكبر في قلوبهم، أرادوا أن يشوه دعوة أهل السنة والجماعة، فأصبحوا يدندنون على هذه الفرية، بما يسمى بأن هؤلاء عملاء للولاء، وأنهم ممسحة لولاة الأمور، وأنهم مرتزقة يأخذون من فتاوى ولاة الأمور. وهم والله لو أنصفوا أنفسهم لعلموا أن أهل السنة من أبعد الناس عن أبوابهم، فضلًا عن معاصيهم، عن أبوابهم، فضلًا عن معاصيهم. بخلاف القوم هؤلاء، الذين يرمي أهل السنة والجماعة بالتزلف، بالمحابة لولاة الأمور، هم هم الذين يتزلفون، وهم الذين يتقربون، وهم الذين يتمسحون بأبواب السلاطين. وكما جاء في الصحيح، في البخاري، أن جماعة دخلوا على عبد الله بن عمر، فذكروا من أحوالهم أننا إذا دخلنا على ولاة أمورنا قلنا لهم بخلاف ما إذا خرجنا من عندهم، أي إذا جئنا عند ولاة أمورنا مدحناهم، وأطنبنا بذكرهم، ورفعنا من قدرهم، لكن إذا خرجنا من عندهم أعطيناهم حقهم بالذم والتشهير. فقال ابن عمر لما سمعنا هذا الحال من هؤلاء: «كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». هذا هو النفاق بعينه. وهذا نرى من هؤلاء المخالفين أنهم إذا خلوا بأنفسهم نسمع الآيات، وأحكام التكفير، وأحكام استحلال الدماء، وأحكام وردة الردة، لكن إذا جاءت المناسبات سرعان ما طلبوا ولاة الأمور أو نوابهم أن يحضروا هنا، وأن يحضروا عندنا: «حياكم الله وبياكم الله». أعوذ بالله، ما هذا النفاق؟ ما هذا النفاق؟ هذا هو التزلف، هذا هو التزلف لولاة الأمور. أما أهل السنة، من أبعد الناس عن ولاة الأمور، لكن الدين يأمر أن نعطي لكل ذي حق حقه. ما استفاد أهل السنة شيء من ولاة الأمور، بل كم تأذوا، كم تأذى في كثير من البلدان من أفعالهم، الذي فيها عدم دراية بأحكام الشريعة، ومع ذلك يصبرون على ظلمهم وعلى جورهم، لكن يعطونهم حقهم، لأن الله أمر بتأدية هذا الحق لأهله. فما في داعي لأن أحد يلبس على الناس، أو يشوه بدعوة أهل السنة والجماعة، ويزيد في ذكر هذه الفرية بأن أهل السنة يعطون الحكام الطاعة المطلقة، حاشا والله، ما أعطوهم الطاعة المطلقة، بل أهل السنة، ولا زالوا إلى يومنا هذا، ونعلم ونسمع من علمائنا، ومن مشايخنا، ومن دعاة الدعوة، من ينكر على ولاة الأمور، لكن ليس بالتنكر الذي يريده القوم، هم أرادوا التشهير، هم أرادوا التعيير، لكن هذا ليس منهج أهل السنة والجماعة، كما سيأتي بيانه. لكن يوجهون، إن أخطأ ولاة الأمور، ينصحونهم، لكن سرًا، لكن بالخطابات، لكن بالاتصالات التي بينهم وبينهم، بما لا يأتي مفسدة على الأمة، بما لا يفتح باب شر على الناس، لكن ينصحونهم، فإن قبل منهم فذاك، وإن لم يقبل فلا. وكم جاءت الروايات، وقد رأينا في كثير من خطابات علمائنا، كسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، وسماحة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وهكذا من مشايخنا الشيخ مقبل رحمه الله تعالى، من رؤوس الدعوة السلفية، ولهم خطابات مع ولاة الأمور، خطابات ومراسلات مع ولاة الأمور، يذكرونهم بالله، ويحذرونهم من المعاصي التي وقعت منهم: «اتق الله في كذا، واتق الله في كذا، واتق الله في كذا». بل إن منهم من صرح بكفر بعض ولاة الأمور، إن لم يتب من تلك الكفريات التي ظهرت، فقد كانوا قوامين بالقسط، قوامين على الناس، بما آتاهم الله من حكم علمه. فما كانوا يأخذون الطاعة المطلقة لولاة الأمور، كما يدعي القوم، فهذا من الكذب، ومن الزور، من البهتان على علمائنا، وعلى دعاتنا، وعلى هذه الدعوة المباركة. فكما قلنا، إخواني في الله، لولا أن نطيل المقام في هذه المسألة والحيثية، فإن السمع والطاعة من حق ولاة الأمور، إلا أنهم إذا أمروا بمعصية الله جل وعلا فلا سمع ولا طاعة. فإن أمر مثلًا ولاة الأمور بشرب الخمور احتفاء، لو قدر الله في هذه قد يقع في بعض النواحي تقوم مناسبات، فيباح شرب الخمر، فلا يدعي أحد أن هذا مسموح، وأن هذا مباح بحجة أن نطيع ولاة الأمور، لا، أو كما قال. جاء أمير، وجاء ملك، أو جاء زعيم، وأمر بكشف الجلباب، وكشف الوجه، والنقاب، وكشف الرؤوس، فلا يأتي أحد كما أسمى بعض الدعاة يقول: هذا مما ينبغي بإطاعة ولاة الأمور، أعوذ بالله، لا يجوز، يا عبد الله، أبدًا أنك تستسيغ لنفسك فعل معصية، أو فعل الذنب بحجة أن ولاة الأمور فعلوا هذا، أو أمروا بذاك، فإن هذا ماذا؟ من الضلال المبين. وقد سمعنا بعض ولاة الأمور عندما خرج على الناس، وأمر بإفطار أيام من رمضان، فسمعنا من مشايخنا رحمهم الله، رحم الله الموتى منهم، وأن يحفظ الأحياء منهم، أن نقوم وننكر على ذلك الوالي الذي أمر بالفطر من أيام رمضان تعمدًا، بحجة تحسين وضع الاقتصاد للبلاد، فأرسل المراسلات يستتيبونه من هذا الفعل، ومن هذا الحكم الجائر. فدعاتنا وعلماؤنا رحمهم الله، من الأموات، وأحفظ الله الأحياء، هم بالمرصاد لكل منكر، لكنهم ما يفعلون الذي يريده المخالفون من التشهير والتعيير، وفتح باب الضلالة. وهنا، أخواني في الله، إذن من هذه الخصلة نعلم أن السمع والطاعة يقيد بطاعة الله جل وعلا، وأن لا تكون فيه معصية الله. والناس، أخواني في الله، في هذه المسألة انقسموا على قسمين، فمن الناس من يسمع ويطيع لولاة الأمور في كل شيء، في كل شيء، أمر بطاعة، أمر بمعصية، أمر بذنب، سرعان ما يستسيغ لنفسه أن يفعل هذه المعصية. أمر بالخمر شرب الخمر، أمر بكشف الوجه كما وقع في بعض البلدان، كشف عن وجوه النساء، كشفنا عن وجوه، وقام أولياء الأمور بالضغط على النساء، وعلى البنات، بكشف الوجه، وكشف الشعر، بحجة أن ولي الأمر أمر بهذا، وأنا ذلك من طاعة لولاة الأمور، وهكذا قس. فكل ما أمر الوالي بمعصية ترى جماعة من الناس ما يردون أمرًا، وهذا كم يقال من الفرط والفراط، والتعدي على دين الله جل وعلا أن يفتح الباب على مصراعيه. وبالمقابل، مرأينا من أغلق هذا الباب، لا سمع ولا طاعة، كل ما يأتيهم أمر من ولاة الأمور ردوه، ردوه، ردوه، بل ليس رد، يردون بخلافه، يردون بخلاف ما أمر به، إن أمره يذهبون يمنة، لا أقولوا ما يذهبون يمنة، بل يذهبون يسره، عنادًا لهذا الأمر، لماذا؟ بحجة أن هذا الأمر قد جاء من حاكم طاغوتي، جاء من هذه السلطة المرتدة، جاء من هذا الرجل الجاهل، ونحو ذلك، فيردون كل أمر أمر به، طاعة أو غير طاعة. قال أمر يخرج من هؤلاء فلا سمع ولا طاعة، وهذا كذلك من الغلو، من التفريط في هذا الباب، فلا يقال أنه يرد مطلقًا، ولا يقال أنه يؤخذ مطلقًا، وإنما القول على أهل السنة والجماعة أنهم يطاعون بما لا يكون فيه معصية الله، فإن أمروا بمعصية كما قال عليه الصلاة والسلام: «فلا سمع ولا طاعة». هذه أهم المسألة في هذا الباب. طبعًا تأتي مسائل كثيرة، وشبهة عديدة، وخاصة إذا كان ولاة الأمور من أئمة الجور، ومن أئمة الظلم، إذا أمروا بأمر، كيف يكون موقف أهل السنة من ذلك؟ سيأتينا، ومباحث عديدة متعلقة بهذا الباب، وخاصة أن هذه المسألة أصبحت غامضة لقلة من يطلقها عمدًا، وتعمدًا، أو لكثرة من يلبس الناس عليها. فأصبح الكثير لا يعرف الحق والصواب فيها، سنبين بإذن الله المسائل المتعلقة بهذا الباب على ضوء الكتاب والسنة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.