الدرس في شرح العقيدة الواسطية 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول إثبات صفتي المشيئة والإرادة لله عز وجل وتقسيم الإرادة إلى كونية وشرعية من خلال الآيات القرآنية. يُشرح معنى الإرادة وأنواعها.
يُوضح الفرق بين الإرادة الكونية التي تقع ولا تتخلف، والإرادة الشرعية التي قد تتخلف رغم كونها محبوبة الله. يُبيّن الفروق بينهما من حيث الوقوع والمحبة.
يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع التأكيد على أن العلم عند الله تعالى، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي الموضوع بالتأكيد على أهمية الصلاة.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾، قال وقوله: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾، قال وقوله: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محل الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد﴾، قال وقوله: ﴿فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يريد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾. هذه الآيات أوردها المؤلف رحمه الله تعالى لإثبات صفتي المشيئة والإرادة لله عز وجل. في قوله تعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله﴾، أضيف الفعل لله، أي أن الله اتصف بهذا الفعل وهي المشيئة. وفي قوله: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾، فأضيف الفعل لله، وفي قوله: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾، إثبات لصفة الإرادة. قال: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾، أي ما يريد هو، فهذا الفعل أضيف إلى الله سبحانه وتعالى. وفي قوله: ﴿فمن يريد الله﴾، أضيف الفعل لله عز وجل. كثيرا جدا في هذا الباب، لكن المؤلف من الله على آثار ساعة إلى هذا المؤلف. وفي قوله: معه وفات إلى إثبات صفتي المشيئة والإرادة. وهذا الباب أخواني في الله من الأبواب التي زلت بها الأقدام وضلت بها أفئدة، وأعني به أفئدة المبتدعة، إذ أنهم خرجوا عن النصوص الشرعية في باب المشيئة والإرادة. ولو أنهم فهموا النصوص على ما كان عليه فهم أهل السنة لسلمهم الله من الخلط والخبط. الإرادة والمشيئة أخواني في الله من المسائل التي لربما تطرح لنفوس بعضنا. إذا كان الله عز وجل لا يريد الكفر، فلماذا جعل الله الكفر؟ لماذا أوجد الله كفر الكافر وارتد المرتد؟ لماذا الله أوجد الشيطان؟ لماذا الله كذا؟ لماذا الكفار يقتلون أهل الإسلام مجازر إبادة؟ أين نصر الله؟ أين؟ فتأتي مثل هذه التساؤلات حول مسألة مشيئة الله. لأننا نعلم أن ما من شيء يقع إلا بمشيئة الله، كل شيء بمشيئة الله، فأين هي مشيئة الله من هذه الحوادث التي ترهق فكر أهل الإسلام؟ نعلم أن الإرادة التي تضاف إلى الله عز وجل وهي صفة من صفاته سبحانه وتعالى تقسم إلى قسمين اثنين. ولابد أن تتفطن لهذه القسمة حتى تفهم الآيات ومن ثم تفهم المراد منها. الإرادة إرادة الله تنقسم إلى قسمين: إلى إرادة كونية وإلى إرادة شرعية. ويعبر عنها بعض الناس بالقدرية الكونية، وهذه الإرادة متعلقة بالكون متعلقة بملكوت الله سبحانه وتعالى. الإرادة الكونية متعلقة بالكون، بها تتم الأمور. والإرادة الثانية إرادة شرعية، ويعبر كذلك بعضهم عنها بأنها دينية. وهذه الإرادة تتعلق بآيات الله الشرعية متعلقة بدين الله بشريعته بأحكامه. إذن عندي إرادتين: إرادة كونية متعلقة بالكون، وأحيانا إرادة شرعية يريدها الله سبحانه وتعالى في شريعته. إذا أراد الله شيئا من كونه فإنه يقع ولابد أن يقع، لا تتخلف. أما الإرادة الشرعية فقد تقع وقد لا تقع. الله عز وجل يريد شيئا من عباده، فالإرادة الشرعية هذه قد تقع وقد لا تقع. فأنت بالتعلق الله عز وجل إذا أراد شيئا من كونه يقع، كن فيكون. لكن إذا أراد الله شيئا متعلقا بالعبد في دينه وشريعته فقد لا يقع. الفرق بين الإرادتين: الإرادة الكونية إذا أرادها الله فإنها تقع ولابد أن تقع. ولا تعلق لها بالمحبة، فليس المتعلقة بمحبوب الله. قد يكون محبوبا وقد لا يكون محبوبا. أما الإرادة الشرعية فهي محبوبة، يحبها الله سبحانه وتعالى. من خلال هذه الفروق من حيث الوقوع ومن حيث المحبة سنتعرف الآن إلى أنواع الإرادات. الإرادة الكونية هي إرادة يريدها الله عز وجل في كونه في ملكوته. وهذه الإرادة إذا أرادها الله تقع فهي تقع لا تتخلف قط. وهذه الإرادة لا يستلزم منها محبة، قد تقع أشياء ما هي محبوبة. لكن لحكمة، تفعل. مثاله: أراد الله الكفر أن يقع في عباده، أراد الله ذلك. وهذا السؤال يطرح: هل أراد الله الكفر؟ يقول: نعم، أراد الله الكفر كونا، لأنه حصل، لأن الله أراده فحصل. فهذا الكفر هل هو محبوب عند الله؟ الجواب: ليس محبوبا عند الله، وكره لكم الكفر والفسوق والعصيان. أما الإرادة الشرعية فهي أن الله عز وجل يريد من عباده الإيمان والهداية ويحب هذا منهم. يحب الصادقين، يحب السائحين، فيطلب منهم التقوى، يطلب منهم ذلك، ويريد منهم ذلك. لكن هل هذه الإرادة الشرعية التي أرادها الله من عباده هل تقع؟ قد تقع وقد لا تقع. تتخلف. فالله عز وجل في إرادة الشرعية ما يشاء للعباد وعلى أشياء التي يحبها الله ويحب هذا. عندي إذن إخواني في الله إرادتين: كونية وإرادة شرعية. الكونية متعلقة بالكون والملكوت، شرعية متعلقة بآياته وأحكامه. الفرق بينهما: الكونية أنها تكون إذا أرادها الله كانت ووقعت. وأما الشرعية فهي يريدها الله لكن قد تقع وقد لا تقع. وأما الكونية إذا وقعت هل من الضروري أنها قد أحبها؟ الجواب: لا، ليس لها علاقة بالمحبة. نأتي الآن إلى المثال الذي ذكرته الآيات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾، دخلت جنتك بستانك مزرعك، قلت ما شاء الله، شاء الله في إثبات لصفة المشيئة. إلى الآن أنا ما ذكرت المشيئة في شيء كلامي كله في الإرادة الكونية وفي الإرادة الشرعية. المشيئة في الكتاب والسنة ما تأتي إلا بمعنى الإرادة الكونية. وانتبه ما عندي ما يفعله بعض الناس أن يجعل هناك مشيئة كونية ومشيئة شرعية. هذا باطل. المشيئة تأتي بمعنى الإرادة الكونية فقط. مما استدل به العلماء من أهل السنة في هذا الباب ما جاء في تلكم الآيات التي جاءت فيها كلمة المشيئة بمعنى الإرادة الكونية. قال تعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله﴾، فيه إثبات لصفة المشيئة. ما شاء الله بمعنى أنه حاصل بمشيئة الله، كل شيء حاصل بمشيئة الله بمعنى الإرادة الكونية. لا قوة إلا بالله فيه حصر القوة في الله. قال: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾، ولو شاء الله ما اقتتلوا أي ما كان من قتال بين معسكرين بين معسكر أهل الإسلام أتباع الأنبياء وبين الكفار، لو شاء الله ما اقتتلوا، أي لو أن الله أراد هذا كونا لا ما حصل. قال: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محل الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد﴾، هنا الإرادة كونية أم شرعية؟ إذا أردنا أن نعرف انظر لسياق الآية، هنا الآية تتكلم عن ماذا؟ عن تحليل البهائم للأمة الإسلامية، هذا هو الكوني أم شرعي؟ شرعي. إذا الإرادة هنا شرعية، فالله يحكم في شريعته بما شاء سبحانه. قال: ﴿فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يريد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾، فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، هذه فيه إثبات لصفة الإرادة. أن يهديه أي إذا أراد الله هدايتك يا عبد الله يشرح صدره للإسلام. وهذه الآية إخواني في الله فيها بيان لعظيم إنعام الله على العباد. من يريد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، هذا متى جاء الضيق والحرج؟ هذا لما اقترفته أيدي هذا الظالم لأشياء سلفت، فعالها فعاقبه الله جل وعلا أن طبع الله على قلبه. فمهما تأتيه مواعظ الله سبحانه وتعالى لن يتأثر بها. بل ربما إذا عرض عليه الإسلام يتأثر من شدة وقع الإسلام على قلبه. بخلاف الذي أظهر من حسن السيرة والسلوك مع ربه، فمتى ما عرض له الإسلام فإن الله يجعل صدره ينشرح ويدخل في الإسلام طواعية. الحاصل إخواني في الله أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية وإرادة شرعية. الإرادة الكونية إذا أرادها الله وقعت، وليس من شرط وقوعها محبة، فإنما تقع لحكمة. الإرادة الشرعية هي الإرادة التي تتعلق بدينه وشريعته، وأنها هي محبوبة، لكن قد تقع وقد لا تقع. ولهذا إخواني في الله أحيانا تكون الإرادات فيها تعلق قد تشترك أحيانا وقد تفترق أحيانا. فمن هذه الأمثلة مثلا يقول العلماء أن إيمان أبي بكر الصديق، أو قل إيمان مؤمن هنا ماذا وقع؟ وقعت الإرادتين: الإرادة الكونية لأنها حصلت ووقعت، وإرادة شرعية لأنها محبوبة عند الله. فتجتمع الإرادتين مثلا في مثل هذا المثال. كمثال وهو طاعة المطيع، إيمان المؤمن مما قد وقع مما قد اجتمعت فيه الإرادتان: الإرادة الكونية من حيث وقوعها وقعت، ومن حيث أنها محبوبة قد أحبها الله عز وجل. وتفترق وتفترق مثلا الإرادة الكونية مثل في كفر الكافر، ورجل مات كافرا، فأي الإرادات وقعت؟ قل الإرادة الكونية وقعت. لماذا؟ ما هي شرعية، لأن الله ما يحب الكفر أصلا، وكره الكفر والفسوق والعصيان. الكفر والفسوق ما يحبه الله يبغضه الله عز وجل. فإذا مات الكافر على كفره قل قد تمت في حقه ماذا؟ تمت في حقه الإرادة الكونية. طبعا هذه ملخص المسألة، وإلا هذه مسألة قد اضطربت فيها أعظم مدرستين بدعيتين الضالتين وهم المعتزلة والأشاعرة. فما الذي فعلوا؟ كل آمن بإرادة واحدة. ما عندهم التفصيل هذا. الأشاعرة سيأتي معنى أنهم جبرية، أي أن الإنسان مجبور على فعل الأشياء. فما الذي يلائمهم من الإرادات؟ الإرادة الكونية. ولهذا الأشاعرة ما يثبتون إلا الإرادة الكونية. لا يثبتون إلا الإرادة الكونية فقط. كل آيات القرآن عبارة عن إرادات كونية، هذه تفسر بهذا لأنهم جبرية، وهذا يناسبهم. وهذا سيأتي معنى في باب مراتب القضاء والقدر منها المشيئة. المعتزلة على خلاف الأشاعرة، المعتزلة لما من عقيدتهم أنهم نفاة للقدر، وأن الله عز وجل ما يلزم عباده بشيء، وإنما هناك إلا مشيئة العبد فقط. فالعبد الذي يخلق أعماله بنفسه. هذه المعتزلة هم القدرية في هذا الباب نفاة للقدر. فما الذي ناسبهم؟ ناسبهم أنهم يؤمنوا بالإرادة الشرعية. وأما الإرادة الكونية يلغونها. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.