التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 4

التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 4

الدرس في التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحاديث النبوية في تزهيد الدنيا وبيان حقارتها

استعرض المقطع أحاديث صحيحة تُظهر حقارة الدنيا عند الله، مثل حديث الجدي الأسك الميت وحديث جناح البعوضة ومثل الأصبع في اليم. تؤكد هذه الأحاديث أن الدنيا لا تستحق التنافس ولا الإقبال عليها.

تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا بالطعام المنتهي

شبه النبي صلى الله عليه وسلم زينة الدنيا وشهواتها بالطعام اللذيذ الذي مصيره الغائط، مبيناً حقارة نهاية الدنيا. علق ابن القيم بأن الاغترار بالدنيا دليل على دناءة الهمة وسفاهة العقل، وأن الزهد فيها يأتي بعد نظر بصير في سرعة زوالها.

النظر في الآخرة ودوامها سبب للزهد في الدنيا الفانية

يبيّن المقطع أن التأمل في الآخرة وإقبالها ودوام نعيمها يعين على الزهد في الدنيا التي هي خيالات منقطعة. ضرب السلف مثلاً بالخزف الباقي والذهب الفاني لبيان وجوب إيثار الباقي، وجعل أهل البصيرة الأعمال الصالحة سفنا للآخرة.

الفوز بالجنة والنجاة من النار

يشير المقطع إلى أن من يُزحزح عن النار ويُدخل الجنة فقد حقق الفوز الحقيقي، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾. وصفت الجنة بأنها إرث عظيم ونعيم دائم يُكرم به العبد عند دخوله إياها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، يقول حافظ الحكم رحمه الله في قصيدته الهائية في الترغيب والترهيب: «وفي سورة الأحقاف أعظم واعظ، وكم من حديث موجب لاعتزالها، لقد نظروا قوم بعين بصيرة إليها فلم تغررهم باختيالها، أولئك أهل الله حقاً وحزبه، لهم جنة الفردوس إرثاً ويا لها». أخذنا قوله: «وفي سورة الأحقاف أعظم واعظاً»، حيث ذكر بعض السور التي ذكر الله عز وجل فيها التزهيد من الدنيا والترغيب في الآخرة، ووقفنا عند قوله: «وكم من حديث موجب لاعتزالها»، أي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وردت عنه أحاديث كثيرة يبين لنا فيها حقيقة الدنيا، ويبين لنا فيها حقارة الدنيا، فلا بأس أن نذكر ولو ثلاثة أو أربعة أحاديث، والأحاديث كثيرة جداً، ولولا ضيق الوقت لأخذنا كثيراً منها، ولكن حسبنا في هذا المقام أن نذكر بعضاً من هذه الأحاديث التي وردت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وفيها التزهيد والتحذير من الدنيا. فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفتيه، يعني على جانبه، فمر بجدي أسك ميت، يعني بتيس، هذا التيس أسك، والأسك هو قصير الأذنين، فيه عيب، فيه عيب في أذنيه، ومع ذلك هذا الجد ميت، يعني ميتة، ليس يعني مذبوحاً، وإنما هو ميت بمعنى أنه لا يستفيد منه أحد بأكل، نعم. فتناوله عليه الصلاة والسلام، فأخذ بأذنه، رفع هذا التيس بأذنه، ثم خاطب الصحابة وقال: «أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟» درهم، شيء يسير، من يحب أن يشتري هذا بدرهم؟ فقالوا: أي الصحابة: «ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟» ثم قيل: «ما نريد حتى ببلاش، ما نحب أن يكون لنا بشيء، ماذا نصنع به؟» ثم قال أي النبي عليه الصلاة والسلام: «أتحبون أنه لكم؟» يعني بدون مقابل، بدون درهم، ببلاش، هل تحبون ذلك؟ فقالوا: «والله لو كان حياً كان عيباً، لو كان حياً ليس بميت كان عيباً، إنه أسك، فيه هذا العيب، فكيف وهو ميت؟ كيف نأخذه بلا شيء وهو ميت؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد عليه الصلاة والسلام أن يلقنهم هذا الدرس العملي لحقيقة الدنيا، لحقيقة الدنيا، فقال عليه الصلاة والسلام: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم، فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم»، كما أنكم ما تريدون، تريدون أن تأخذوا هذا الجدي الأسك بدون شيء لحقارته ولزهدكم فيه، فالدنيا عند الله أهون من هذا عليكم. وهذا فيه دلالة ظاهرة على أن هذه الدنيا لا تستحق الاعتناء بها، ولا التنافس فيها، ولا الإقبال عليها، لأنها هيّنة عند الله سبحانه وتعالى. وكذلك جاء عن سهل بن سعد رضي الله عنه في كذلك صحيحي، أو نعم، في صحيحي مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافر شربة ماء». انظر هذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، أيش هذا جناح البعوضة؟ أيش البعوضة أصلاً؟ لا شيء، فكيف جناحها؟ فكيف جناحها؟ فلو كانت هذه الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافر شربة ماء. هذا الكافر الذي عصى الله بأعظم ذنب وهو الكفر والشرك، وهو الكفر والشرك، ومع هذا أنعم الله عز وجل عليه بنعم كثيرة، ومنها هذا الماء، فلو كانت الدنيا عظيمة عند الله لما سقى هذا الكافر منها هذه الشربة. وكذلك جاء في صحيح الإمام مسلم عن المستورد بن شداد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بما يرجع». لو جئت إلى البحر ووضعت الأصبع في هذا البحر، هذا البحر العظيم، هذا البحر الواسع الكبير، لو وضعت أصبعك فيه ثم رفعته، كم سيعلق من الماء في هذا الأصبع؟ شيء يسير جداً جداً. فهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: الدنيا في الآخرة ما هي إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، يعني الآخرة مثل البحر، والدنيا مثل هذا الماء الذي يعلق في هذا الأصبع، كم النسبة؟ لا شيء. هذا كله تزهيد في هذه الدنيا وبيان لحقيقتها، فهل بعد ذلك تحتمل هذه الدنيا أن نتقاتل عليها، أو أن نشح بها، أو أن نوليها أعظم اهتماماتنا؟ أبداً، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حقارتها ودناءتها. بل أعظم من هذا ما جاء عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يا ضحاك، ما طعامك؟ أيش تأكل يا ضحاك؟» فقال الضحاك بن سفيان: «يا رسول الله، اللحم واللبن، اللحم واللبن». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم يصير إلى ماذا؟» يعني بعد ما تأكله إلى ماذا يتحول هذا اللحم واللبن، هذا الأكل؟ فاستحى الضحاك فقال: «يا رسول الله، إلى ما قد علمت، إلى ما قد علمت، إلى الغائط»، أعزنا الله وإياكم. هذا الذي نهاية الطعام الذي نأكله، ليس كذلك؟ بلى. فقال له الضحاك رضي الله تعالى عنه: «إلى ما قد علمت يا رسول الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن الله تبارك وتعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم، وإن قزحه وملحه، مثلاً للدنيا». رواه الإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني، وكذلك الإمام الوادعي، رحمهما الله. هذا مثل عظيم، شبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زينة هذه الدنيا وزخرف هذه الدنيا بالطعام قبل أن يؤكل، انظر لما تفطر الآن أمامك اللحم والأرز، واستنبوسة، وألذ المأكلات، تتلذذ بأكله، تتلذذ بأكله، هذا مثل الدنيا، زينة وشهوة وزخرف، لكن نهاية هذا الطعام ماذا؟ إلى ما قد علمتم. وهكذا نهاية هذه الدنيا، نهاية هذه الدنيا مثل ما يصير إليه الطعام والشراب، مثل ما يصير إليه الطعام والشراب. لذلك يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله تعليقاً على هذا الحديث: يقول رحمه الله تعالى: «إن الله جعل طعام ابن آدم وما يخرج منه مثلاً للدنيا، فإنه وإن قزحه وملحه، فلينظر إلى ماذا يصير». قال: «فما اغتر بها، أي بهذه الدنيا، فما اغتر بها ولا سكن إليها إلا ذو همة دنيئة، وعقل حقير، وقدر خسيس، وقدر خسيس». هكذا يقول ابن القيم عليه رحمة الله، لأن نهاية ما يصير إليه الطعام ماذا؟ شيء خسيس، شيء نت، وهكذا هي حقيقة الدنيا، وهذه هي حقيقة الدنيا. فقال: «فما اغتر بها ولا سكن إليها إلا ذو همة دنيئة»، كيف يبذل الشخص همته وجهده في شيء نهايته كما علمتم، نهايته كما علمتم، هذا دليل على ماذا؟ على دنو الهمة، وعلى حقارة عقل هذا الذي ركن إلى هذه الدنيا، وعلى أن قدره خسيس. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ولولا كما قلنا ضيق المقام، لأذكرنا أكثر من هذا. يقول ابن القيم عليه رحمة الله أيضاً مبيناً حقارة هذه الدنيا، وأن الإنسان لا تتم رغبته في الآخرة إلا إذا زهد في الدنيا، يقول ابن القيم عليه رحمة الله: «لا تتم الرغبة بالآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين». انتبهي إلى قول ابن القيم، كلامه عجيب في علاج أمراض القلوب، وفي كذلك كلامه عن الرقائق والزهديات. فقال في هذا المقام: «لا، لا تتم الرغبة بالآخرة، يعني ما يكون عندك رغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: النظر الأول: نظر في الدنيا، أن تنظر بنظر البصيرة في الدنيا، وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها، ونقصها وخبثها، وألم المزاحمة عليها، والحرص والانقطاع، وأول حرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنقص والأنكاد، قال: وآخر ذلك الزوال والانقطاع، مع ما يعقب من الحسرة والأسف، فيا طالبها، أو فطالبها، فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها، وهم حال الظفر بها، وهم وحسرة بعد فواتها، فكل أحوال الدنيا هم على هم، كل أحوال الدنيا هموم وأنكاد ومنقصات». والأمر كما ذكر، من سعى وأمّل أن يجمع حطام هذه الدنيا، فلابد أن يمر بما ذكر ابن القيم عليه رحمة الله، ففيها الغصص والنقص والأنكاد، ثم آخر ذلك الزوال والانقطاع، ثم مع ذلك الحسرة والأسف إذا ذهب عنها أو ذهبت عنه، فهي، فهي عند طلبها لا شك أنه سيلاقي طالبها من العناء الذي يجلب له الهموم والغموم والأنكاد، فذاك يحسد، وذاك كذلك ينافس، وذاك كذلك يحقد، وهكذا يتناهش أهل الدنيا هذه الدنيا، فالقوي يغلب الضعيف، فالقوي يغلب الضعيف، فهي هم عند طلبها، وهي هم كذلك حال الظفر بها، فإنه يهتم بحفظها وبحسن تدبيرها وبالخوف من زوالها، فكل ذلك يجلب له الهموم والغموم، وإن كان معه أودي من ذهبها وكنوزها، إلا أنه إذا خسر في صفقة لا تسل عن الهموم والغموم التي تتوافد عليه، أو إذا نقص شيء من ثروته لا تسل عن الهموم والغموم التي تتكالب عليه، هذا عند الظفر بها. أما، أما إذا زالت عنه هذه الدنيا، فهذه هي الحسرة العظمى عنده، والهم الأعظم، ولا حول ولا قوة، فهي هم عند طلبها، وهم عند الظفر بها، وهم عند زوالها، فأمر هذا حاله، فهل يحق لعاقل فطن لبيب أن يسعى إليها أبداً؟ هذا معنى كلام ابن القيم. فهذا هو النظر الأول فيما يعينك على الزهد في الدنيا، أن تنظر إلى حال هذه الدنيا وسرعة انقضائها وإضمحلالها، وألم المزاحمة عليها، إذا زاحمت أهلها فأبشر بالمنازعات والمخاصمات، وكذلك الهموم والغموم كما ذكر رحمه الله. هذا النظر الأول، النظر الثاني فيما به يزهد الإنسان في الدنيا، قال: «النظر الثاني في الآخرة وإقبالها ومجيئها، ولا بد، لا بد أن تجيء، قال: ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما هنا، فهي، فهي كما قال الله تعالى: ﴿والآخرة خير وأبقى﴾، فهي خيرات كاملة، أي الآخرة خيرات كاملة دائمة، وهذه أي الدنيا خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة، فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره، وزهد فيما يقتضي الزهد فيه». كذلك تنظر في الآخرة وما فيها من النعيم المقيم، وما فيها من الحياة الأبدية السرمدية التي لا تذهب ولا تنقطع، ولذلك يقول الله عز وجل لنبيه: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعن به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى﴾، أي في الآخرة رزق ربك خير وأبقى. يقول أحد السلف: «لو كانت الآخرة خزفاً يبقى والدنيا ذهباً يفنى، لكان الواجب على العاقل أن يؤثر الخزف الباقي على الذهب الفاني، فكيف والآخرة ذهب باقٍ والدنيا خزف فانٍ؟» هذا كلام يعني عميق، لو فطن له الإنسان لما مال إلى هذه الدنيا. يقول: «لو كانت الآخرة خزفاً يبقى، خزف يعني طين يصنع منه بعض الأواني وبعض الأكواز والخزف ونحو ذلك، فلو كانت الآخرة عبارة عن خزف لكنه يبقى، والدنيا ذهب لكنها تفنى، ماذا ستختار؟ أقول: اختار لك إما أن يبقى معك هذا الخزف الباقي، أو هذا الذهب الذي تتمتع به فترة ثم يذهب عنك، فأيهما تختار؟ قال: لكان الواجب على العاقل أن يختار الخزف الباقي على الذهب الفاني، ثم قال: وإلا فأوف، كيف والآخرة ذهب باقٍ؟ نعيم الآخرة أعظم، ولا مقارن بينه وبين نعيم الدنيا، فالآخرة ذهب باقٍ، والدنيا خزف فانٍ، لا مقارن بين الخزف وبين الذهب، فالعاقل يختار ماذا يختار؟ لا شك الباقي على الفاني، الباقي على الفاني». هذا من بدائع كلام السلف رحمهم الله تعالى. ثم قال: «لقد نظروا قوم بعين بصيرة إليها فلم تغررهم باختيالها». لقد نظروا قوم، نظروا هنا تسمى هذا عند أهل اللغة لغة أكلون البراغيث، وهو الجمع بين الضمير وبين الاسم الظاهر، وهي لغة ضعيفة، وإنما ذكرها المؤلف ها هنا من أجل وزن البيت، فقال: «لقد نظروا قوم»، أي هذا حال أهل الحق وأهل الهدى وأهل الهداية وأهل الصراط المستقيم، نظروا إلى هذه الدنيا بعين بصيرة، يعني نظروا بنظر البصيرة، بنظر شرعي لا بنظر جاهلي، فنظروا بنظر البصيرة إليها، أي إلى هذه الدنيا، فلم تغررهم، يعني هذه نتيجة النظر النافع، هذه نتيجة النظر النافع، نظروا إليها بنظر البصيرة فأثمر هذا النظر البعد عن هذه الدنيا وعدم الإغترار بها، فلم تغررهم باختيالها، أي بزينتها وزخرفها ومتاعها. هؤلاء هم العقلاء، هؤلاء هم الفطناء. أورد الإمام النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين أبياتاً نسبها إلى الشافعي أنه قال: «إن لله عباداً فطناء طلقوا الدنيا وخافوا الفتناء نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطناء جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفناء». هؤلاء هم الفطناء، هؤلاء هم أهل البصيرة، هؤلاء هم الذين عرفوا حقيقة هذه الدنيا، طلقوا الدنيا وخافوا فتن هذه الدنيا، من جمع أموالها ومن التعلق بمناصبها ونحو ذلك، فأقبلوا على شأنهم، أقبلوا على الأعمال الصالحة، فجعلوا الأعمال الصالحة سفنا يتبلغون بها إلى موطنهم الحقيقي، إلى الدار الآخرة. ثم قال: «أولئك أهل الله حقاً وحزبه، لهم جنة الفردوس إرثاً ويا لها». قوله: «أولئك أهل الله حقاً»، أي الذين وفقهم الله لمعرفة حقيقة الدنيا ولم تغررهم، هم أهل الله حقاً حقاً وصدقاً. أولئك أهل الله حقاً، أي المراد بهم خاصة الله أو خاصته وأولياؤه الذين اختصهم الله برحمته وعظيم فضله، إذ وفقهم للزهد في هذه الدنيا والبعد عن فتنها، فمن وفق إلى هذا فهو حقاً من أهل الله سبحانه وتعالى وخاصته ومن حزبه، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون. ثم قال: «لهم جنة الفردوس إرثاً ويا لها»، أي أن هؤلاء لهم نزل عند الله سبحانه وتعالى، وهم يدخلون جنة الله، بل أعلى منازل الجنة وهو الفردوس، وهو الفردوس، فهم من ورثهم الله سبحانه وتعالى الجنة بما ثبتهم عليه من الإقبال على الآخرة والزهد في الدنيا، وقد قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً أهل الجنة: ﴿وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾، بما أقبلتم به من الأعمال الصالحة في هذه الدنيا. ثم قال: «ويا لها»، أي يا لها من إرث ونعمة، هل هناك إرث ونعمة أعظم من دخولك الجنة؟ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾، فيا له من إرث، ويا له من نعيم، ويا له من فوز، حين يكرم العبد بدخول الجنة، بدخول الجنة. هذا ما تيسر ذكره عند هذه الأبيات، ونكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى أعلم.