كلمة الشيخ الفاضل عماد الريمي

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل عماد الريمي، والتي كانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية يوم الجمعة 5 شوال 1443هـ الموافق 6 مايو 2022م ألقاها منوع

هجرة الصحابة إلى الحبشة وأهمية التمسك بالدين

يتحدث الخطيب عن هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة فراراً بدينهم من ظلم قريش، موضحاً أن الدين نعمة عظيمة تستحق التضحية بالأهل والأوطان. ويؤكد أن الله اصطفى المؤمنين لهذا الدين وأن الحفاظ على الإيمان أولى من كل روابط الدنيا.

التمسك بالإسلام والتحذير من مكائد أعدائه

يشدد الخطيب على نعمة الإسلام ووجوب التمسك بالكتاب والسنة أمام حرب شرسة يشنها العلمانيون والمنافقون من الداخل والكفار من الخارج. ويبين أن مكر الأعداء سيعود عليهم بالوبال وأن نور الله سيكتمل رغم كيد الكافرين داعياً للثبات وسؤال حسن الخاتمة.

خطر تقلب القلوب وضرورة الثبات على الدين

يحذر المقطع من انحراف القلب عند الإعراض عن حقيقة الإسلام وتحويله إلى طقوس شكلية، مؤكداً أهمية مصاحبة أهل الإيمان والدعاء بالثبات. ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأثر لأبي بكر رضي الله عنه في سؤال الله عدم زيغ القلوب بعد الهداية.

دعاء الثبات على الهداية وسؤال الرحمة

يختتم الخطيب بآية من سورة آل عمران تدعو الله بعدم زيغ القلوب بعد الهداية ومنح الرحمة من لدنه. ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه مع الشكر للمشاهدين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن استن بسنته واقتفى أثره وسار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، فنحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا، وله الحمد في السماوات والأرض، عشيا وحين تظهرون. نحمد الله جل وعلا أن جمعنا في هذا المسجد المبارك، وفي هذه القلعة الشامخة، في مسجد الحبش. هذا الاسم يذكرنا بهجرة السابقين الأولين، بهجرة المهاجرين الهجرتين إلى الحبشة. أولئك الأخيار، أولئك الأبرار، الذين تركوا مكة البلد الحرام وهاجروا إلى أرض الحبشة، هاجروا فرارا بدينهم، هاجروا فرارا بإيمانهم، فرارا بإسلامهم. تركوا الأهل والأوطان، تركوا مكة البلد الحرام، حينما اشتد عليهم العذاب، وزاد بهم الإيذاء من قبل أئمة الكفر، ففروا بدينهم لأن الدين أعظم نعمة وأجل منه. قال الله جل وعلا: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. الدين رأس الأمر، فاستمسك به، فضياعه من أعظم الخسران. ليعلم الخلف ما كان عليه السلف وما كان عليه الأوائل. فإنهم لما عرفوا الإسلام وفضل الإسلام ونعمة الإسلام والقرآن والسنة والدين، ماذا عاداهم القريب والبعيد، وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيل ربهم، ونُكل بهم وعُذبوا، لا ذنب لهم إلا أن آمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء شهيد. فلما عرفوا الإسلام، وعرفوا منة السلام الرحمن عليهم بالاصطفاء والاجتباء، كما قال تعالى: ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾. فربنا جل وعلا اجتبى المسلمين، واصطفى المؤمنين من بين الملايين المؤلفة، ومن بين الأمم الكافرة في شرق الأرض وفي غربها. فربنا اصطفى لدينه من شاء، اصطفى لهذا الإسلام والإيمان من شاء، ومن علم ربنا أنهم أهله، وأنهم المستحقون للهداية والرحمة والتوفيق إلى الإيمان. كما سمعتم، أيها المؤمنون، أن السابقين من المهاجرين تركوا الأهل والأوطان، وتركوا الديار والبلاد، وفروا بدينهم إلى الحبش مرتين، ثم خرجوا إلى المدينة دار الإسلام، هاجروا إلى المدينة دار الإسلام ودار السنة ودار الإيمان. لماذا هاجروا؟ لماذا تركوا بلدانهم وأوطانهم وأموالهم وديارهم؟ ليحافظوا على إيمانهم، ليعبدوا ربهم وهم آمنون، ليعبدوا ربهم وهم آمنون. فلتذهب الدنيا، ولتذهب القرابة، ولتذهب جميع أواصر الصلة، ويبقى الدين، ويبقى الإسلام، ويبقى الإيمان. كما سمعتم في كلمة أخينا الشيخ المبارك نبيل القعيطي، حينما ذكر عن أناس أنهم يعبدون الفئران، وأناس يعبدون الكواكب والأوثان والأشجار والأحجار إلى غير ذلك. وأنت أيها المؤمن، اصطفاك ربك واجتباك، فلا تعرف إلا إلها واحدا، لا تعرف إلا الإله الحق، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل، وأن الله هو العلي الكبير. فلنعرف فضل الإسلام، ولنعرف نعمة الإيمان، ولنستمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا، لا سيما ونحن في زمن يحارب فيه الإسلام، يحارب فيه الإسلام من داخل الأمة من قبل العلمانيين والمنافقين والملحدين، ومن خارجها، يمكر بالإسلام في الليل وفي النهار. ولكن تلك المحاولات، وذلك الكيد وذلك المكر، الذي هو مكر كبار، قال الله عن الكفار في مكرهم بدينه وبرسله وبكتبه وبعباده الصالحين المؤمنين: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾. الجبال المنيفة، الجبال الراسية الشامخة، لشدة مكرهم بالإسلام وأهله، تكاد أن تزول، تكاد أن تزول، ولكن مكرهم يعود وبالا عليهم، ومكرهم يعود في نحورهم، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله. ألا فلنستمسك بالإسلام، ولنستمسك بسنة محمد عليه الصلاة والسلام. كما تعلمون، عباد الله، أن من أبناء الإسلام اليوم من ذهب يشرق ويغرب، يبحث عن السعادة، يبحث عن الراحة، يبحث عن الحياة الكريمة، يظنها عند إخوان القردة والخنازير، يظنها عند عباد الأصنام والصليب والأوثان. كما قال القائل: "ومن العجائب والعجائب جمة / قرب الشفاء وما إليه وصوله / كالعيس في البيداء يقتلها الظما / والماء فوق ظهورها محمول". إن من في الأرض من الجن والإنس من الكفرة والملحدين، هم أفقر ما يكونون إلى ما عند المسلمين من هذا القرآن العظيم، الذي أنزله الله على نبيه محمد، ليخرج به العباد من الظلمات إلى النور، ليخرج به العباد من أن يعبدوا العباد إلى أن يعبدوا رب العباد، سبحانه وتعالى. فهنالك من أبناء المسلمين ممن اعتنقوا عقائد شرقية أو عقائد غربية، ممن يسمون بالعلمانيين، وخطرهم عظيم، ومكرهم كبير، وكيدهم وبيل على أهل الإسلام، أشد من مكر الكفار الأصليين الظاهرين. نعم، هؤلاء، وفي هذه الظروف الراهنة، وفي هذه الأحوال والعصور المتأخرة، اشرأب تعناقهم، وبدأوا يبثون سمومهم في أوساط الأمة المحمدية، يشككونها في ثوابتها، يشككونها في عقيدتها، يشككونها في كتاب ربها، وفي سنة نبيها، يشككونها في حملة الشريعة من الصحابة والتابعين، ومن علماء الإسلام الراسخين. ولكن كما قال رب العالمين: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾. نعم، عباد الله، لنعرف هذه النعمة، ولنشكر الله تعالى عليها، ونسأله ربنا جل وعلا أن يثبت قلوبنا على الكتاب والسنة، وأن يمتعنا في الحياة بالكتاب والسنة، ويتوفانا على كتابه وعلى سنة نبيه، على دين الإسلام. كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اللهم يا ولي الإسلام وأهله، مسكنا بالإسلام، اللهم يا ولي الإسلام وأهله، مسكنا بالإسلام». فلا يأمن العبد أن يزيغ قلبه، أن يزيغ قلبه في أي لحظة، إذا لم... إذا أعرض عن الإسلام، وأعرض عن الإيمان، وصار الإسلام والإيمان مجرد طقوس يؤديها، ومجرد عبادات يقوم بها، لا عن حب للتعبد، ولا عن تذلل وخضوع، ولا عن انكسار وذل للرحمن سبحانه وتعالى. نعم، تناسى الثبات، وتناسى التمسك، وبدأ يختلط بأهل الدنيا، ويبتعد عن أهل الدين، وظن أن الذكاء والفطنة في اللقاء والمقاربة للكبراء والسفراء والعظماء، ولو كانوا لا يصلون، ولو كانوا متلاعبين بالدين، بينما إخوانه، إخوانه ومن هم على عقيدة واحدة، بدأ ينأى عنهم، ويبتعد عنهم، ويظن أن ذلك من السياسة والفطنة والدهاء ومعرفة الحياة. ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾. فنسأل الله جل وعلا أن يثبتنا على الإسلام، وأن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين. كما تعلمون، أيها الإخوة، وأنتم صفوة المجتمع، وأنتم أهل السنة والجماعة، خيار الناس بإذن الله، وأفضل الناس عقيدة ومنهاجا وعبادة. إنما هذا تذكير، هذا تذكير لأنفسنا، لأن نبينا عليه الصلاة والسلام كان من أكثر دعائه أن يقول: «اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك». وكما ثبت في صحيح الإمام مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب رجل واحد، يقلبها كيف يشاء». ثم قال: «اللهم يا مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك، صرف قلوبنا على طاعتك». ولما علم الأخيار والأبرار ماذا ما تفعله الفتن، وما تفعله التغيرات في الناس، قالوا: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾. ثبت عن الصديق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه أنه كان إذا صلى المغرب، في الركعة الثالثة، يسمع من بجواره أنه يقرأ بعد الفاتحة: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إما من قوله، وإما نقلا عن بعض العلماء، قال: لما رأى كثرة المرتدين، وقد أتى أكثرهم من المدينة، وبايعوا إمام الأنبياء والمرسلين، فلما رأى كثرة المرتدين بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، كان يقرأ هذه الآية من باب الدعاء. فنسأل الله تعالى أن يحفظ قلوبنا. ما سمي القلب قلبا إلا من تقلبه، فاحذر على القلب من قلب وتقليب. وهذا مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لقلب ابن آدم أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا». اللهم ثبتنا على الإسلام، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين. ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدة.