كتاب الصداق 3

الدرس في كتاب الصداق 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الخلع وأحكامه في الإسلام

الخلع هو فراق الزوجة لزوجها بعوض، وهو جائز شرعا إذا كرهت المرأة زوجها وخافت ألا تقيم حدود الله. يصح الخلع في كل قليل وكثير ممن يصح طلاقه.

تفاصيل حكم الخلع وعدته

الخلع يعد فسخا وليس طلاقا، وتعتد المرأة المختلعة بحيضة واحدة. يجوز للمرأة أن تأخذ أكثر من مهرها إذا كان بطيب نفس منها.

شروط وإجراءات الخلع

يتم الخلع عن طريق القاضي ولا يحتاج إلى لفظ الطلاق إذا كانت المبادرة من الزوجة ورضي الزوج. يجوز للزوج أن يأخذ المهر إذا كانت الزوجة سيئة الخلق أو الدين.

ختام بالصلاة على النبي

المقطع ينتهي بالدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، وهو من الأفعال التي يحث عليها الدين الإسلامي وتعد من علامات الإيمان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في كتابه مناجاة السالكين، باب الخلع: قال وهو فراق زوجته بعوض منها أو من غيرها. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيم حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾. فإذا كرهت المرأة خلق زوجها أو خلقه، وخافت ألا تقيم حقوقه الواجبة بإقامتها معه، فلا بأس أن تبذل له عوضا ليفارقها. ويصح في كل قليل وكثير ممن يصح طلاقه. هذا باب الخلع، وهو أحد أنواع الفراق بين الزوجين. فالفراق بين الزوجين إما أن يكون عن طريق الطلاق، ويكون من جهة الزوج، أو يكون عن طريق الخلع، ويكون من جهة الزوجة، أو يكون عن طريق الفسخ، ويكون من جهة الحاكم. الخلع مأخوذ من خلع الثوب، فالمرأة كأنها تخلع زوجها، والزوج لباس للمرأة، والمرأة لباس لزوجها، ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾، فكأنها تخلع هذا اللباس بإبطال هذا النكاح وعدم استمراره. قال: هو فراق زوجته بعوض منها أو من غيرها. المرأة ربما يضيق بها الحال في البقاء مع زوجها، فلا تستطيع أن تعيش معه، إما لكون الزوج سيء الخلق، أو عنده خلل في دينه، يضيع الصلاة، أو شرب الخمر، أو شيء من ذلك، أو ربما تكره زوجها لشيء من خلقه، فلا تستطيع أو لا تطيق أن تعيش معه، أو لغير ذلك من الأسباب التي قد تعكر الحياة الزوجية، فتضيق الحياة بالمرأة. فربما تطالب الزوج بالطلاق، فيأبى أن يطلق، وإن بقيت معه بقيت في حياة مليئة بالنكد والهم والغم. فجعل لها الشرع سبيلا للتخلص من هذا النكاح عن طريق الخلع، أن تختلع منه، فتفارقه بعوض ترد له المهر الذي دفعه إليها، تقول: خذ هذا مهرك وتختلع منه. قال: والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيم حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾. نعم، إن خفتم ألا يقيم حدود الله، إن حصل الخوف أنها لا تقيم ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليها تجاه زوجها بسبب ما في قلبها من كراهية ونحو ذلك، فليس عليها جناح، أي إثم ولا وزر فيما افتدت به، يعني من عوض ومال حتى تتخلص من هذا النكاح. ويدل عليه قصة امرأة ثابت بن قيس في الصحيح، حين أتت النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: يا رسول الله، إني لا أعيب على ثابت في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام - يعني كفر العشيرة - فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فأمرها أن ترد له الحديقة وتختلع منه، وهو أول خلع وقع في الإسلام. قال: فإذا كرهت المرأة خلق زوجها أو خلقه - خلقه يعني في تصرفاته، في أفعاله، في أقواله - قد يكون عنده شيء من سوء الخلق، كأن يكون دائما يسبها، يشتمها، يتنقصها، يذم أهلها، أشياء لا تطيقها المرأة، أو يكون ضربا للنساء، أو نحو ذلك، أو يكون أيضا عنده ضعف في دينه، تضيع للصلاة، شرب الخمر، إلى آخر ذلك، أو خلقه يعني يكون مثلا فيه شيء من الذمامة وما ينافي الحسن والجمال مما ربما لا تطيقه المرأة. قال: وخافت ألا تقيم حقوقه الواجبة بإقامتها معه، من حيث العشرة وتمكين من استمتاع، القيام بخدمته، فهي ترى أنه إن بقيت معه ما يمكن أن تقوم بهذه الأمور الواجب عليها. قال: فلا بأس أن تبذل له عوضا ليفارقها، تقول: يا فلان، أنا سأرد لك المهر، ونختلع ولا نبقى على هذا النكاح. قال: ويصح في كل قليل وكثير ممن يصح طلاقه. الله جل وعلا يقول: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾. اختلف أهل العلم هل يجوز أن يأخذ الزوج أكثر مما أعطاها من المهر؟ كونها ترد له مهره هذا لا إشكال فيه، الإشكال هل يجوز أن تعطيه أكثر مما دفع لها من المهر؟ مثلا كان مهرها مئة ألف، وأرادت أن تفتدي منه، فدفعت له مثلا مئة وخمسين ألف، هل هذا جائز؟ نقول: إذا كان بطيب نفس منها فلا بأس، إذا كان بطيب نفس منها فلا بأس. قال: فإن كان لغير خوف ألا تقيم حدود الله - يعني إذا كان الخلع لغير سبب شرعي - ليس المقصود منه أنها تخاف أن لا تقيم حدود الله، وإنما يعني طلبت الطلاق أو الخلع لكونها مثلا تريد الزواج بغيره، تريد تغير، فطالبته بالخلع، هذا ما يجوز. ولا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها من غير عذر شرعي، لهذا الحديث: «من سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس - يعني من غير عذر يجيز لها ذلك - فحرام عليها رائحة الجنة». وهذا وعيد شديد يدل على حرمة هذا الفعل، بل أنه كبيرة من كبار الذنوب أن تطلب الطلاق من غير عذر شرعي. تأتي مسألة هنا تتعلق بالخلع، وهو هل الخلع يعد طلاقا أو يعد فسخا؟ في هذا خلاف، والصحيح أنه يعد فسخا ولا يعد طلاقا. ويدل على ذلك أن الله جل وعلا لما ذكر الطلاق قال: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾، ثم ذكر في أثناء الآيات قبل ذكر الطلقة الثالثة قال: ﴿فإن خفتم أن لا يقيم حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾، ثم ذكر الطلقة الثالثة في قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾. فلو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق كم أربع، لكان أربع مع أن الله عز وجل ذكر أن الطلاق ثلاث. إذن الخلع ليس بطلاق. وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، على أن الخلع فسخ وليس بطلاق. وهذا استنباط دقيق منه رضي الله عنه، وهذا هو الصحيح. ولهذا مما يؤكد ذلك أن المختلعة تعتد بحيضة واحدة، تعتد بحيضة واحدة، لأن المقصود هو التأكد من براءة الرحم. فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرها أن تعتد بحيضة. لو كان طلاقا لأعتدت بثلاث حيض، الله يقول: ﴿ومطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرؤ﴾. نعم، أمرها أن تعتد بحيضة. وعلى كونه فسخا، فالزوج لا يملك رجعة الزوجة، ليس هو طلاق رجعي يستطيع أن يراجعها متى شاء، بل هو فسخ. فإذا اختلعت منه لا يستطيع حينئذ أن يرجعها إلا بعقد ومهر جديد. إلا أنه يجوز أن يراجع أن يرجع إليها بعقد ومهر جديد، ولو قبل أن تحيض، قبل أن تتم العدة، لأنها زوجته. هذا ما يتعلق بالخلع. الخلع لا يحتاج إلى الطلاق، فهي متى ما سلمت له مهره وماله، فارقها. ويكون عن طريق القاضي أو الحاكم حتى لا يحصل نزاع أو نحو ذلك. فما يحتاج إلى لفظ الطلاق، سلم له المهر والمال، وفسخ النكاح، هذا لابد من الرضا. إذا كان أقل لابد أن يرضى، لابد أن يرضى هو. في الغالب، الغالب لما يحصل الخلع أن الزوج ما يرضى بالطلاق، وإلا لو قال لها: طلق، وطلق، انتهى الأمر. لكن يقول: لا، لأنه يريد فداء، يريد شيء مقابل المهر. فلو أعطي أقل من مهره لابد من رضاه، لابد تعطيه مهره كاملا، هذا هو الأصل، وقد يعني تعطيه أقل أو تعطيه أكثر، وممكن تعطيه غير المهر لو رضي بذلك، ما فيه مشكلة. العموم الآية: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾، فيما أي في الذي افتدت به، الأمر يعني إذا حصل فيه التراضي لا حرج بذلك. لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. نعم، كلا، لأن اللفظة كأنه فيها شيء، متكلف فيها. هل يمكن أن يكون الخلع من قبل الزوج؟ مثلا الزوج يريد يفارق امرأته، لكن لا يريد أن يخسر المهر، لأنه قد أعطاها، هل يمكن أن يكون هذا عن طريق الزوج؟ هذا لماذا يعني جاز الخلع؟ لأنه قد يكون الفراق من جهة الزوجة، هو يريدها، لكنها ما تريده، فيقول: كيف أطلق؟ وقد أخذت المهر، يعني ودفعت وكذا. الزوج هو يريد يطلق أصلا، لكن إذا طلق لا يرجع المهر. لا، إذا كان إذا كان الفراق من جهته، ليس من جهة المرأة، يعني هي ما عندها أي شيء أو سبب للطلاق، وإنما هو كما يقال: يريد يغير، ما له حق، يأخذ شيء من مهرها. الله يقول: ﴿فلا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا﴾، ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾، كيف تأخذون وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذنا منكم ميثاقا غليظا. ما أي جزء يأخذ شيء إذا كان من جهته، ما في أي عذر شرعي. لكن لو كان السبب من جهتها، يعني مثلا هي سيئة الخلق، سيئة الدين، ويقول: أنا طلقتها، قسرت، أنا دفعت، فلا بأس أن يضيق عليها حتى تختلع، هذا أجاز الشرع في هذه الحالة. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، ﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾، ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾. الفاحشة المبينة فسرة بالزنا، وفسرت بسوء الخلق وفحش اللسان، تكون بذيئة اللسان، سبابة، شتامة، يعني سيئة الخلق. هنا لا بأس أن يضيق عليها حتى تفتدي، تختلع منه، ويرجع له مهره، لكن هنا السبب من جهتها. وأما إذا لم يكن من جهتها، ما يجوز له أن يأخذ شيء، وهو يريد يفارقها ويطلقها، ما يأخذ شيء، يطلقها ويبقي لها ما أعطاها. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.