الدرس في كتاب الصداق 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
ينبغي تخفيف المهر وعدم المغالاة فيه، وقد دل على ذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه. يستحب التخفيف في المهور كما دلت عليه الأحاديث النبوية.
إذا لم يسم مهر فلها مهر المثل، وإذا طلق قبل الدخول فلها المتعة أو نصف المهر إذا كان مسمى. إذا دخل بها أو مات قبل الدخول فلها المهر كاملا.
المقطع ينتهي بالدعاء بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وهو من السنن المستحبة في الإسلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين، وبعد. قال رحمه الله في كتاب الصداق: ينبغي تخفيفه. وسئلت عائشة: كم كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا. أتدري ما النش؟ قلت: لا. قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم. رواه مسلم. وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها، متفق عليه. وقال لرجل: التمس ولو خاتما من حديد، متفق عليه. فكل ما صح ثمنا وأجرة، وإن قل، صح صداقا. جعل المصنف رحمه الله هذا كتابا مستقلا، وبعضهم يجعله بابا تابعا لباب النكاح؛ لأن الصداق والمهر من متعلقات النكاح، والأمر في ذلك واسع. والصداق -والمراد به المهر- سمي بذلك؛ لأنه يدل على صدق رغبة الرجل في المرأة، ويدفع ويبذل حتى يتمكن من الزواج بهذه المرأة، فيسمى بذلك صداقا. وأخذ من قول الله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾، ويسمى مهرا، ويسمى نحلة. والصداق واجب بالإجماع، لا بد أن يدفع الزوج شيئا للمرأة إذا أراد الزواج بها؛ لقول الله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾، وأمر الله بإتيان النساء صدقاتهن ومهورهن، ويسمى فريضة أيضا؛ لقوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾. والصداق -كما قلنا- هو ما يدفع للمرأة مقابل الزواج بها. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرا؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله». يعني: بالإجاب والقبول. والإنسان يحصل له ذلك بما يدفع للمرأة من مهر. قال: ينبغي تخفيفه، أي: ينبغي تخفيف المهر وعدم المغالاة فيه؛ لأن هذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر حديث عائشة رضي الله عنها: «كم كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا...». الحديث، رواه مسلم. هذه مهور أزواج النبي عليه الصلاة والسلام: ثنتي عشرة أوقية، والوقية أربعون درهم، فأربعون في عشرة بأربعمائة، ومعك ثمانون: أربعمائة وثمانون، ومعك النصف: عشرون، فالمجموع خمسمائة. نصاب الفضة خمس أواق، فخمسمائة درهم عبارة عن نصابين ونصف. لو كنا مثلا نصاب الفضة مئة وعشرة آلاف أو عشرين ألفا، فخمسمائة درهم ستكون نحو ثلاثمائة ألف، يعني مهرا متوسطا، ليس بالكثير وليس بالقليل. ومما يدل على استحباب التخفيف في المهور وعدم المغالاة فيها ما جاء في حديث أبي هريرة، أنه قال: «تزوجت امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أمهرتها؟ قال: مئتي درهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم». يعني: أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا تزوج رجل امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أمهرتها؟ قال: أربع أواق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنتم تنحتون من عرض هذا الجبل ما زدتم». رواه مسلم. وعبد الرحمن بن عبد الله تزوج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أمهرتها؟ قال: وزن نواة من ذهب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك، أولم ولو بشاة». والوزن النواة هو عبارة عن خمس أواق من ذهب. قال: وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها. نعم، قبل هذا أيضا مما يدل على استحباب التخفيف في المهور وعدم المغالاة فيها. لا بأس لو أن الإنسان دفع مهرا كثيرا إذا كان موسرا؛ كما حصل في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة؛ أمهرها النجاشي زوجها للنبي صلى الله عليه وسلم، ودفع مالا كثيرا مهرا لها، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وقال لرجل: «التمس ولو خاتما من حديد»، متفق عليه. هو حديث مشهور؛ لما جاءت امرأة تعرض نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: «يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة». فقال: «ما تمهرها؟ قال: ما عندي شيء. قال: أعطها ثوبي. قال: أنت أعطيتها ثوبك، وليس معك ثوب. قال: التمس ولو خاتما من حديد». فالتمس فلم يجد، فقال: «ما معك من القرآن؟ قال: سورة كذا وكذا. قال: أنكحتكها بما معك من القرآن». وتعليم القرآن شيء معنوي. قال: فإن تزوجها ولم يسم لها صداقا، فلها مهر المثل. وهذه تسمى المفوضة؛ يتزوج المرأة ولا يسمي لها مهرا. فما الذي يجب لها؟ مهر المثل يجب لها؛ مثلها إذا تزوجت، كم تعطى من المهر؟ تعطى مثلها. قال: فإن طلقها قبل الدخول، فلها المتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره؛ لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين﴾. ويتقرر الصداق كاملا بالموت أو الدخول. إذا عقد الرجل على المرأة ثم مات قبل أن يدخل بها، فلها المهر. والدليل حديث ابن مسعود لما سئل عن الرجل عقد على المرأة ثم مات قبل أن يدخل بها، فقال ابن مسعود: لها المهر ولها الميراث وعليها العدة. ويتنصف بكل فرقة قبل الدخول من جهة الزوج. إذا طلق الرجل المرأة قبل الدخول، فإنه يجب لها نصف المهر؛ لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾. ويسقط بفرقة من قبلها. يعني: إذا حصل الفراق من جهة المرأة، سقط المهر؛ كفسخها للنكاح أو كونها ارتدت، مثلا، أو تبين فيها عيب، فهنا ليس لها شيء. وينبغي لمن طلق زوجته أن يمتعها بشيء يحصل به جبر خاطرها؛ لقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾. يعني: إذا طلقها بعد الدخول، فيستحب أن يمتعها بشيء؛ للعموم الآية، وللمطلقات متاع بالمعروف. الخلاصة: أن الزوج إذا تعقد على المرأة ولم يسم لها مهرا، فإن طلقها قبل الدخول فليس لها مهر، وإنما لها المتعة. وإن سمى لها مهرا ثم فارقها بطلاق أو نحوه، فيتنصف المهر؛ يكون لها نصف المهر. وإن كانت بفرقة من جهتها، فليس لها شيء. وإن دخل بها استقر لها المهر كاملا، أو مات قبل الدخول فكذلك يستقر لها المهر كاملا. وإن دخل بها واستقر لها المهر ثم طلقها، فيستحب أن يمتعها بشيء. صلى الله عليه وسلم نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.