الخطبة بعنوان خطورة البغي على العباد، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17 ذو القعدة 1443هـ الموافق 17 يونيو 2022م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
البغي ذنب عظيم يعود بالخسارة على صاحبه، ويستحق صاحبه العقوبة في الدنيا والآخرة. لا يوجد بغي بحق، وكل بغي بغير حق.
دعاء المظلوم مستجاب، كما في قصتي سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد اللذين دعوا على من ظلمهما واستجاب الله لدعائهما. هذه القصص تبين عاقبة الظلم وخطر البغي.
الدعاء يشمل طلب إصلاح الدين والدنيا والآخرة، وزيادة الخير، والراحة من الشر عند الموت، والوقاية من عذاب النار. يختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. ذكر الله عز وجل في هذه الآية أصولًا كثيرة من أصول المحرمات التي حرمها الله جل وعلا، ومنها البغي بغير الحق. وقوله جل وعلا: "بغير الحق" هذه صفةٌ كاشفة، كما يقول أهل العلم، لا مفهوم لها، أي ليس هناك بغيٌ بحق، بل البغي كله بغير حق، وهذا من باب البيان والتوضيح أنه لا يبغي أحدٌ على أحد إلا وكان بغيه بالباطل وبغير حق. عباد الله، إن البغي ذنبٌ عظيم وجرمٌ كبير، وكذلك أمرٌ يعود على صاحبه بالخسارة والوبال، فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الذي يبغي على غيره أن الله عز وجل يعجل له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. روى الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من ذنبٍ أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يُدَّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم». فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يعجل العقوبة على البغي، مع ما يُدَّخر له في الآخرة من العذاب والنكال. عباد الله، هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بتعجيل العقوبة على الباغي في الدنيا قبل الآخرة. وإني ذاكرٌ بعض الحوادث والقصص الثابتة في التاريخ من تعجيل الله جل وعلا العقوبة على من بغى على غيرهم، بما في ذلك من عِظَةٍ وعبر يتعظ بها المسلم ويعتبر. من ذلك ما جاء في الصحيحين من طريق عبد الملك ابن عمير عن جابر ابن سمرة رضي الله عنه قال: شكى أهل الكوفة سعدًا -أي سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة- وكان عمر قد ولاه الكوفة -أي في العراق- فشكى أهل الكوفة سعدًا إلى عمر حتى ذكروا أنه لا يحسن أن يصلي، فعزل عمر سعدًا وولى عليهم عمارًا، ثم دعاه وقال: إن أهل الكوفة قد شكوك وذكروا أنك لا تحسن أن تصلي بهم. فقال: أما إني أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أطيل في الأوليين وأخفف في الأخريين. قال: ذاك الظن بك أبا إسحاق. ثم بعث عمر مع سعد رجالًا يسألون عنه أهل الكوفة، فذهبوا معه فلم يأتوا على مسجد من المساجد إلا وأثنوا على سعد خيرًا، حتى أتوا إلى مسجد لبني عبس، فقام رجل يقال له أسامة بن قتادة، يدعى أبا سعدة، فقال: أما إذ نشدتنا، فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية. اتهم سعدًا بثلاث تهم وطعن في عرضه وأمانته رضي الله تعالى عنه، فما كان من سعد إلا أن قال: والله لأدعونَّ بثلاث دعوات، اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياءً وسمعة، فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتنة. فما كان من هذا الرجل إلا أن أطال الله عمره حتى قال عبد الملك بن عمير: فقد رأيته وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وكان شديد الفقر، ومع ذلك كان يقف في الطرق فيغازل الجواري، ثم يقول: رجل مفتون أصابته دعوة سعد. هكذا استجاب الله لدعوة سعد رضي الله عنه لأنه مظلوم، على من بغى عليه وافترى عليه. وهكذا جاء في الصحيحين أن أروى بنت أوس شكت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله تعالى عنه -وهو أيضًا أحد العشرة المبشرين بالجنة- شكته إلى مروان بن الحكم، وادعت أن سعيدًا أخذ شبرًا من أرضها، فدعى مروان سعيدًا وقال: إن فلانة ادعت أنك أخذت شبرًا من أرضها. قال: أنا آخذ شبرًا من أرضها؟! وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من اقتطع من الأرض شبرًا طوقه يوم القيامة من سبع أراضين». فقال مروان: لا أسألك بينة بعد ذلك. فما كان من سعيد بن زيد إلا أن دعا على هذه الظالمة التي افترت عليه والتي بغت عليه، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في دارها. فما مرت الأيام إلا وذهب بصرها فكانت عمياء، وكانت تقول: استجاب الله عز وجل لسعيد بن زيد، فمرت الأيام وبينما هي تمشي في أرضها تلتمس الجدران إذ جاءت على بئر لها فوقعت فيها فكانت قبرها. انظروا يا عباد الله كيف يعجل الله عز وجل العقوبة على من بغى على غيره. عباد الله، إن في حوادث التاريخ عِظَةً وعبرًا للمرء أن يحذر من البغي على غيره، ومن ذلك ما ذكر أهل العلم عما حصل للبرامكة الذين كانوا مقربين عند الرشيد في غاية من التنعم وفي غاية من الشرف والغنى، فما مرت الأيام إلا وانقلب عليهم الرشيد فقتل من قتل منهم وحبس من حبس. وكان منهم يحيى بن خالد البرمكي أحد وزرائه والمقربين عنده، فسجنه وحبسه، فقال له أحد أبنائه: يا أبتي أبعد العز والنعمة صرنا إلى هذا الحال؟ ما الذي غير الأحوال؟ فقال: يا بني، لعلها دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون، لم يغفل الله عنها. نعم عباد الله، هكذا يعجل الله العقوبة على من بغى، ألا فاحذر أيها المسلم من البغي أن تبغي على غيرك، على زوجتك أو على أولادك أو على جيرانك أو على أصدقائك أو على أحد من المسلمين. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثٍ عن ابن عباس وهو يوصي معاذًا: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». وقال عليه الصلاة والسلام: «وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين». وفي مسند الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافرًا، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، اللهم اهدنا واجعلنا هداة مهتدين غير ظالمين ولا مظلومين، اللهم هدي من ظلم إلى الهدى والحق يا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.