الخطبة بعنوان كفى بالموت واعظـاً، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 19 شوال 1443هـ الموافق 20 مايو 2022م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع موضوع الموت والحساب يوم القيامة، ويُذكّر الناس بفناء الحياة الدنيا وضرورة الاستعداد للآخرة. يُشدد على أن الموت حقيقة لا مفر منها وسيحاسب الناس على أعمالهم.
يُبين الخطيب أهمية الموت ومصيبته العظيمة، ويحث على الإكثار من ذكره والاستعداد له. يُقدم أمثلة على مفاجأة الموت للأحياء في أي لحظة، مشددًا على ضرورة التحسب له.
يُحكى عن شخص قام لصلاة الفجر في ليلة زفافه وكانت آخر صلاة يصليها، فيُستدل بذلك على أهمية المحافظة على الطاعات وعلاقتها بحسن الخاتمة. يُشدد على ضرورة استغلال الحياة في طاعة الله.
المقطع يتضمن دعاءً بالحب الإيمان والتقوى، ويطلب من الله حسن الخاتمة والرضا عند الوفاة. يتوسل الداعي إلى الله أن يوفقه للعمل الصالح ويجعله من الراشدين.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن المنايا ملازمةٌ للبرايا، فلا خلد في الدنيا يرتجا، ولا بقاء فيها يؤمل، وما الناس في هذه الدنيا إلا راحلٌ وابن راحل، وما الموت إلا نازلٌ قريب، قضى الله عز وجل بالفناء، ووعدا بدار الجزاء ليحاسب العباد على أعمالهم وليثيبهم على أقوالهم وأفعالهم، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون﴾. فكفى بالموت واعظا، وكفى بالموت مذكرا، عباد الله، إن الموت ملازمٌ للعب مهما فر منه ومهما هرب عنه، فسوف يلقاه متى ما قضى الله جل وعلا ذلك، قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم، ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون. مهما فر العبد من الموت فصعد أعلى الجبال أو تحصن بالحصون المنيعة، فسوف يأتيه الموت ولابد، أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروجٍ مشيدة، ولو كنتم في حصونٍ عظيمة وفي حصونٍ منيعة، فسوف يأتي لكم الموت، فسوف يدرككم الأجل، فإذا جاء أجلهم لا يستاخرون ساعةً ولا يستقدمون، وما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً. ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجز الشاكرين، نعم عباد الله، قال الله جل وعلا: ﴿وجاء السكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾، هذا الذي كنت منه تخاف، وهذا الذي كنت منه تهرب، وهذا الذي كنت منه تخشى، فلابد أن يأتيك ولابد أن ينزل عليك الموت، باب وكل الناس داخله. يا ليت شعري بعد الموت ما الدار، الدار دار نعيم إن عملت بما يرضي الإله، وإن خالفت فالنار، نعم عباد الله، إذا نزل الموت بالعب فلا ينفع حينئذ طب الأطباء ولا دواء الأذكياء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام»، أي الموت، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والله جل وعلا يقول: ﴿كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق من الذي يرقيه ومن الذي يداويه ومن الذي يشفيه وقيل من راق أين الأطباء وأين الأرقاء والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق﴾، وقيل من راق، وظن أنه الفراق، أي أيقن أنه فراق الدنيا وأنه الرحيل من هذه الحياة ومن هذه الدار، والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق، المرجع إلى الله والعود إلى الله سبحانه وتعالى، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فاعلين. ويقول الله جل وعلا: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين﴾، أي أقرباء هذا الميت وأحباه وأصدقاه من زوجة وأولاد ومن إخوة وأقرباء، وأنتم حينئذ تنظرون، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون، فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين، أي أرجع هذه الروح إلى موضعها من الجسد وإلى محلها من البدن، وأنا لكم ذلك. فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين، وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم، إن هذا لهو حق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم. عباد الله، إن الموت مصيبة عظيمة، قال الله جل وعلا: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾، سمى الله عز وجل الموت مصيبة، وكيف لا يكون مصيبة وهو يحول بين المرء وبين الأعمال الصالحة، وهو يحول بين المرء وبين التوبة والإنابة إلى الله، كيف لا يكون مصيبة وهو يحول بين المرء وبين أحبته وفلذات أكباده، كيف لا يكون مصيبة وهو يأخذ به من هذه الدار ومن هذه الحياة إلى الدار البرزخية وإلى الدار الأخروية. فالموت مصيبة عظيمة، ما أحوج العبد أن يكون ذاكرا للموت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكثروا ذكر هادم اللذات»، أكثروا ذكر هادم اللذات، فما ذكره عبد في ضيق إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقها، هكذا يحث النبي عليه الصلاة والسلام أن نكثر من ذكر الموت، لأن الإكثار من ذكره سبب لصلاح العبد وإقباله على طاعة ربه ولزوم الطاعات والكف عن الذنوب والخطايا والسيئات. فالكيس الفطن الذي يكثر من ذكر الموت، سئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي الناس أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرا وأشدهم له استعدادا»، نعم عباد الله، فالكيس الفطن العاقل الذي يكثر من ذكر الموت لأنه يعلم أنه سيرحل من هذه الدنيا وسينزل به الموت في أي لحظة من اللحظات، فلابد أن يكون مستعدا للقاء الله سبحانه وتعالى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن الموت لا يعرف كبيرا ولا صغيرا ولا غنيا ولا فقيرا ولا شريفا ولا وضيعا، إنما هي آجال إذا انتهت وإذا انقضت نزل الموت على صاحبها، فما أحسن بالعبد أن يكون مستعدا للقاء الله سبحانه وتعالى، فإن في الموت عظة وعبرة. عباد الله، لعل الكثير منكم قد سمع بحادثة أخينا بالأمس الذي وافته المنية وهو يؤدي صلاة الفجر، يا سبحان الله، كيف ساقته المنايا من بلده إلى حضرموت حتى يقبض الله عز وجل روحه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله عز وجل قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة»، إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة. لربما يكون بين العبد وبين تلك الأرض مسافات بعيدة ومسافات طويلة، فلا تدري إلا ويأتي السبب الذي لأجله يسافر ولأجله يغادر ولأجله يرحل من بلده، إما لعلاج وإما لنزهة وإما لزواج وإما لعمل، فما أن يصل تلك البلاد إلا وتقبض ملائكة الموت روحه. انظروا يا عباد الله، سافر من بلده وهو فرح بزواج ابنته، ولا يعلم أن الموت قريب وأن منيته تلاحقه، جلس مع أولاده في المساء يسمر معهم ويمزح ويضحك، وهو لا يعلم أنها آخر ابتسامات يبتسمها معهم وأنه آخر مجلس يأنس به معهم. قام لصلاة الفجر، ومن توفيق الله جل وعلا له أن حافظ على هذه الصلاة المباركة في مثل تلك الحال في حال عرس وزواج، فالكثير يضيع صلاة الفجر ولا يوفق للمحافظة عليها، قام إلى هذه الصلاة وهو لا يدري أنها آخر صلاة يصليها في حياته ويقف فيها بين يدي الله سبحانه وتعالى. انظروا يا عباد الله، كيف أن الموت يأتي بغتة ولا يشعرك بمقدمه ومجيئه، قام يصلي وهي آخر صلاة يصليها في حياته، صلى الركعة الأولى ثم شعر بالتعب فجلس في الركعة الثانية وقبض الله جل وعلا روحه، ما أعظمها وأحسنها من خاتمة، نسأل الله جل وعلا أن يغفر له ويرحمه وأن يسكنه الفردوس الأعلى. وما ذاك عباد الله إلا من آثار الأعمال الصالحة، فإن نزوم العبد للطاعات والقربات والمحافظة على الفرائض والواجبات من أسباب توفيق العبد لحسن الخاتمة، أن يختم الله جل وعلا له بخاتمة حسنة، فالله جل وعلا لا يضيع أجر المحسنين، لا يضيع جل وعلا أجر المحسنين. فمن أحسن في هذه الدنيا بطاعة الله وبلزوم الفرائض والواجبات وابتعد عن المعاصي والمحرمات، فإن الله جل وعلا يوفقه لعمل صالح يقبضه الله جل وعلا عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أراد الله بعبده خيرا استعمله»، قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه»، يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه. فيا أيها المسلم، إنك لا تدري متى ينزل بك الموت ومتى تنزل بك الرحيل عن هذه الحياة، فإن كنت محلة، هل كنت مستعدا للقاء الله؟ هل كنت مستعدا للرحيل من هذه الدنيا بزاد ينجيك في الآخرة من عذاب الله، وكذلك يثقل موازينك يوم القيامة؟ فلذلك حري بك أن تكون ملازما للطاعات مجتنبا للمعاصي والمحرمات، فيا عاقا لوالديك، ويا قاطعا لأرحامك، ويا آكلا للحرام، ويا مرتكبا للذنوب والخطايا والسيئات، أفق من غفلتك قبل أن ينزل بك الموت فيحول بينك وبين الأعمال، ويا حون بينك وبين التوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. كن حريصا أن ينزل بك الموت على حال ترضى أن تلقى الله جل وعلا فيها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»، قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أكراهية الموت؟ فكلنا يكره الموت، من الذي يحب أن يموت؟ من الذي يحب أن ينزل به الموت فيفارق أحبابه ويفارق أولاده ويفارق أصدقائه وأقاربه؟ أكراهية الموت؟ فكلنا يكره الموت. قال: «لا يا عائشة، ولكن المؤمن إذا نزل به الموت وبشر بمغفرة الله ورضوانه أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه»، الله أكبر، هكذا يكون حال المؤمن الذي استغل حياته في طاعة الله جل وعلا، إذا نزل به الموت بشرته الملائكة برضوان الله وبنعيم الله وبمغفرة الله جل وعلا، فأحب لقاء الله أحب لقاء الله لما يجد من النعيم ومن الجزاء العظيم عند الله سبحانه وتعالى. وأما الكافر إذا نزل به الموت بشر بغضب الله وعقابه، فكره لقاء الله فكره الله لقاءه، متفق عليه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. يا نفس قد أزف الرحيل وأهلك الخطب الجليل، فتأهبي، يا نفس لا يلعبك الأمد الطويل، فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل، وليركبن عليك فيه من الثرى ثقل ثقيل، قذر الفناء بنا جميعا، فلا يبقى العزيز ولا الذليل. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره لنا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم وفقنا لعمل صالح تقبضنا عليه وأنت عنا راض، اللهم أحسن خاتمتنا، اللهم أحسن خاتمتنا، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، يا ذا الجلال والإكرام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.