شرح الباعث الحثيث 39

الدرس في شرح الباعث الحثيث 39، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

معرفة الحديث الموضوع وعلامات كشفه

يشرح المقطع النوع الحادي والأربعين من علوم الحديث وهو معرفة الحديث الموضوع المختلق على النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً خطورة الكذب عليه. كما يستعرض العلامات التي يعرف بها العلماء الوضع كإقرار الواضع وركاكة اللفظ وفساد المعنى والمجازفة الفاحشة ومخالفة الكتاب والسنة والعقل.

قواعد تمييز الأحاديث الموضوعة وأصناف الوضاعين

يذكر المؤلف قواعد ابن تيمية وابن القيم في تمييز الأحاديث الموضوعة، ويبين أن روايتها لا تجوز إلا للتحذير منها. ثم يسرد أصناف الوضاعين ك الزنادقة والمتعبدين الذين يكذبون بدعوى الترغيب، مع مثال قصة الإمام أحمد ويحيى بن معين مع واضع ادعى وجود سبعة عشر راوياً بأسمائهما.

كتب الموضوعات ووعيد الكذب على النبي

يستعرض المقطع أشهر كتب الموضوعات التي جمعت الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤكد خطورة الكذب عليه متعمداً مستدلاً بالحديث المتواتر. كما يناقش قول بعض العلماء بكفر من يكذب عليه عامداً، ويرد على حجة «كذبنا له لا عليه»، وينتقد تشدد ابن حجر وابن تيمية وابن الجوزي في الحكم على الأحاديث بالوضع داعياً للتثبت.

خاتمة الدرس والتنبيه على مواضع التساهل

أشار المحاضر إلى تنبيه ابن كثير على كتاب ابن الجوزي، وذكر أن السيوطي أيضاً وُجه إليه نقد بالتساهل في الرواية. ثم اختتم الجلسة معلناً التوقف على أن يستكمل الباقي في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة، في كتابه النافع «شرح اختصار علوم الحديث» المشهور بـ «الباعث الحثيث»، وهو من الكتب المباركة النافعة. ونحن اليوم في معرفة الحديث الموضوع المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يقول رحمه الله: «النوع الحادي والأربعون: معرفة الموضوع المختلق المصنوع»، أي الحديث الذي كذب على النبي صلى الله عليه وسلم واخترع عليه، ونسب إليه كذباً وزوراً، فعزي إليه ما لم يقله. وهذا جرم عظيم، جرم عظيم، وباب خطير. الكذب إذا عظم على الناس يصير عظيمة، فكيف بالكذب على سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ إذا كان الكذب على سائر الناس حراماً، فكيف بالكذب على سيد الناس صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ وللأسف وجد من يصنع ذلك، ووجد من يصنع ذلك، وبعضهم يظنه تعبداً كما سيأتي. قال رحمه الله: «وعلى ذلك جواهد كثيرة». هذا في مسألة: كيف تعرف الحديث الموضوع المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الحديث المكذوب هو كل حديث لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتي قائل ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فهذا هو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بابه عظيم خطير. قال رحمه الله: «وعلى ذلك جواهد كثيرة»، أي علامات يعرف بها أن هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. منها: إقرار واضعه على نفسه، قولاً أو حالاً، أي بلسان قاله، كأن يقول: نعم، لقد وضعت عليكم حديث كذا وكذا، وكذبت إذ نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أنا أتيت به من كيسي. هذا اعتراف، كما جاء رجل إلى ابن المبارك من الزنادقة، فلما علقوه ليقتل قال: على رسلكم، إني وضعت على رسول الله خمسة آلاف حديث، يعني: أمهلوني شوية، أخرج لكم الخمسة آلاف، وبعدين نقول... أعطوني فرصة شوية. فقال له ابن المبارك: لا والله، يعني تقتل الآن في هذه اللحظة، تستحي لها الجهابذة، أي: نقلة الحديث وعلماء الحديث سينخلونها كلها ويطلعونها واحداً واحداً، لا يمكن أن يخطئوا واحداً منها، فأنت اطمئن منها. إقرار واضعه على نفسه قولاً أو حالاً، أو بلسان الحال، كأن يقول: إنما قصدت كذا، والناس بحاجة إلى كذا، لا بد أن نأتي بأحاديث تشد الناس، أحاديث ترجع الناس إلى دينهم، أحاديث كذا، من هذا النوع، فهذا يشهد على نفسه أنه مستعد يفعل ذلك. ومن ذلك: ركاكة ألفاظ بعض الأحاديث، ركيكة الألفاظ، من ذلك: «من زرع الجرجير تحت السرير، لو يعلم الرجل من در المرأة ما في الجرجير لزرعته تحت السرير». يسمع السامع ويقول: ما هذا الكلام؟ يعني كلام ركيك، فيه ركاكة، أيش الجرجير وأيش السرير وأيش كيف تزرعه تحت السرير؟ كيف تسوي الحديقة تحت السرير؟ صعب كلام، وهو معقول. ومن ذلك: ركاكة ألفاظه وفساد معناه، قد يكون فيه فاسد المعنى، حديث فيها معنى الفاسد، نسأل الله العافية، أو مجازفة فاحشة. من قال: لا إله إلا الله، خلق الله له بكل حرف سبعين ألف طائر، في كل طائر سبعون ألف منقار، في كل منقار سبعون ألف لسان، في كل لسان سبعون ألف كذا... هذه مجازفات، أو مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة. كل هذا يعرفه العلماء فينخلونه. يقول الشيخ أحمد شاكر: نقل السيوطي في «التدريب» عن ابن الجوزي قال: «ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أي يخالف العقول، أو يخالف المنقول، أي عن الكتاب والسنة، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع». قال: ومعنى مناقضته للأصول أن يكون خارجاً عن دواوين الإسلام من البخاري ومسلم والكتب المشهورة. هذه قاعدة، وابن تيمية له جواب في نحو عشرين قاعدة يعرف بها الحديث الموضوع، يعرف بها الأحاديث المكذوبة. وابن القيم له كتاب «المنار المنيف»، كتاب جميل في بيان أنواع من الأحاديث، أكثرها أو كلها لا أصل له. قال رحمه الله تعالى: «فلا تجوز روايته لأحد من الناس إلا على سبيل القدح به، ليحذره من يغتر به من الجهلة والعامة والرعاع». يعني: لا يجوز رواية الحديث الموضوع للناس فيتلبس الأمر، إلا إذا أردت البيان وتحذير المسلمين، فتقول لهم: هذا مكذوب على رسول الله، لا تصدقوا هذا الكلام، هذا كذب وضع على رسول الله. يقول المؤلف رحمه الله: «والواضعون أقسام كثيرة». منهم: الزنادقة، والزنادقة هم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، ويستتابون ثم يعودون، ثم يستتابون ثم يعودون، ولهذا يقول الفقهاء: لا تقبلوا لزنديق توبة، لأنه اعتاد على التهاون بشأنها، يقتل. هكذا يقول الفقهاء المالكية وغيرهم. ومنهم: متعبدون يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، والتأويل سبب ذلك، يضعون أحاديث فيها ترغيب وترهيب، وفي فضائل الأعمال ليعمل بها. لماذا تكذب على رسول الله؟ قال: والله شفت الناس ما يهتمون بالقرآن، حبيت أسوق لهم حديث كذا ينشطهم شوية. سبحان الله! وهذا يرى الناس يتهاونون بصلاة الضحى، سوّى لهم حديث في فضل الضحى، وهذا سوّى حديث في فضل الصدقة، وهذا سوّى حديث في فضل كذا. سبحان الله! والعجيب أنها تنتشر، العجيب أن هذه الأشياء سبحان الله تنتشر بسرعة، ويأخذها من يأخذها. سبحان الله! وهؤلاء طائفة من الكرامية وغيرهم، وهم من أشر ما فعلها، وهم من أشر من فعل هذا، لما يحصل بظرهم من الغرور على كثير ممن يعتقد صلاحهم، فهو إذا نظر إلى حالهم قال: هؤلاء ناس أهل صلاح، فيظن صدقهم، أي أنهم صادقون. هذا إنسان قوام الليل صيام النهار، معقول يكذب على رسول الله؟ أنا ما أسوي الكذب على فلان من الناس، وهو يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذه بعيدة، فيغترون بهم. قال: سيأتي معنا قصة الإمام أحمد مع أحد الناس، قل الإمام أحمد، وإذا به على ابن معين في رحلتهم، على رجل من الوضاعين، قصاص الذين يضعون، وإذا به يقول: حدثني أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، قال: «ساق الإسلام». فالتفت يحيى إلى أحمد، قال: أحدثته بهذا؟ قال: لا والله، ما حدثته. قال: ولا أنا والله ما حدثته. إحنا، إيش الكلام اللي يجيب في رجاله؟ فبعد أن قضى كلامه، قاموا إليه، قال أحمد بن حنبل: أنا أحمد بن حنبل، وهذا يحيى بن معين، متى حدثناك بهذا الكلام؟ قال: إن الرجل كان... نسأل الله العافية. قال: كنت أسمع أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فيهم حماقة، ما خلق الله في الدنيا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلا أنتم فقط! أنا حدثت عن سبعة عشر رجلاً كلهم اسمهم أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. قال الإمام أحمد: ثم قال الرجل: حدثنا فلان: «الإيمان يزيد وينقص». قال أحمد: فسحبت يحيى بن معين وخرجنا من المسجد. لماذا سحبوا وخرجوا من المسجد؟ لأن الذين موجودين أهل سنة، فإذا حصلت مصايحة مع الشيخ، يقولون: سبحان الله، هؤلاء ليسوا من أهل السنة! لأن الرجل لما قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، زعلوا الجماعة، هؤلاء يقومون ويضربونهم في المسجد جميعاً. فهم يقول: أحمد بن حنبل سحب يحيى بن معين وقال: نمشي، خرجوا من المسجد. سبحان الله! هم أصناف، وبعضهم نسأل الله العافية. قال رحمه الله: «وقد انتقد... فيظن صدقهم، وهم شر من كل كذاب في هذا الباب». نسأل الله العافية. «وقد انتقد الأئمة كل من كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليهم في زبرهم، عاراً على واضع ذلك في الدنيا، وناراً وشناراً في الآخرة». جزى الله خيراً لأئمة عندنا، كتب موجودة، سموها كتب الموضوعات، كل حديث كذب على رسول الله جمعوه، وساقوا من كذبه، والأسانيد التي أطلعوها والتي ألفوها كلها موجودة في كتب مدونة، منها: «الموضوعات» لابن الجوزي، و«الموضوعات» للسيوطي، و«المصنوعة»، وكتب للجوزجاني: «كتاب الوضاعين»، وأئمة كثر صنفوا في الكتب في بيان نوع معين، هو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول ابن كثير: «سطروه، وقد انتقد الأئمة كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليهم في زبرهم»، أي في كتبهم، «عاراً على واضع ذلك في الدنيا»، حتى إذا رأى الإنسان يقول: سبحان الله، ما أجرأ هؤلاء على الله عز وجل! بعض هؤلاء سيأتي يقول: نحن كذبنا له، ما كذبنا عليه، هذا المذموم، أما الكذب له، هذا ما في... هذا أيضاً من التأويل الباطل، تحريف الكلم عن مواضعه. قال رحمه الله: «عاراً على واضع ذلك في الدنيا، وناراً وشناراً في الآخرة». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». وهذا متواتر، هذا الحديث من الأحاديث المتواترة، له رواية عن بضع وعشرين صحابياً، وأوصله الطبراني في جزء إلى أربعة وستين حديثاً، كلها فيها: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». وهذا الحديث يدل على أن الكذب كبير من الكبائر، لأنه ترتب عليه الوعيد: «فليتبوأ مقعده من النار». فليتبوأ: أي ليتهيأ ليحضر، فإن له مقعداً ومجلساً في نار جهنم، عياذاً بالله، أو مكانه في نار جهنم. هذا يدل على شدة الوعيد. وهل هذا الصلف يكون كافراً؟ هل هذا الصلف يكون كافراً؟ قال بذلك بعض العلماء، قالوا: من كذب على رسول الله عالماً أنه يكذب، عالماً أنه يفتري، عامداً لذلك، فهذا لا يفعله إلا رجل كافر بالله العظيم. هكذا قال جماعة من أهل العلم: من كذب على رسول الله عالماً أنه يكذب، عامداً ليكذب، عارفاً أنه يكذب، فهذا كافر بالله العظيم. لحديث: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». هذا له وجه، قاله أبو محمد الجويني، ومال إليه ابن تيمية في «الصارم المسلول». قال بعض هؤلاء الجهلة، يقول ابن كثير: قال بعض هؤلاء الجهلة: نحن ما كذبنا عليه، إنما كذبنا له. وهذا من كمال جهلهم وقلة عقلهم وكثرة فجورهم واختيارهم، فإنه عليه السلام لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره. هل يحتاج الرسول أن تكذب له؟ الرسول غني عن هذا، دينه متكامل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. فهؤلاء من شرار الناس، ومن أبلغ الناس جهلاً. نسأل الله العافية والسلام. وقد صنف الشيخ أبو الفرج بن الجوزي كتاباً حافلاً في الموضوعات، غير أنه أدخل فيه ما ليس منه، يقولون: أخطأ في ذلك. يقول العلماء: أخطأ بذلك ابن الجوزي، فإنه عدّ أحاديث كثيرة موضوعة، وحقها أن لا يحكم عليها بالوضع. قال رحمه الله: «ولهذا يقول ابن حجر كلمة: يقول: ابن الجوزي وابن الحاكم النيسابوري طرفان قِيد، أي: هذا متساهل في التصريح، وهذا متشدد في الوعيد والحكم على الأحاديث بالوعيد». هكذا قال ابن حجر في بعض فتاويه رحمه الله جميعاً. قال رحمه الله: «وقد صنف الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كتاباً حافلاً في الموضوعات، ويرى أنه أدخل فيه ما ليس منه، وخرج عنه ما كان يلزمه ذكره، فسقط عليه ولم يهتدي إليه». هذا شأن أهل العلم، شأن أهل العلم يفوتهم شيء ويخطئون في شيء، والواجب على من أتى بعدهم أن يكمل نقصهم ويصوب خطاءهم، وبهذا تكتمل المسيرة ويكتمل العلم. لتكامل المقصود من ذكر هذا التنبيه: أن لا تغتر بكل حديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات، فتحكم أنه موضوع، بل تأنَّ وانظر ما قال العلماء، فربما يكون هذا الذي تدعي أنه موضوع هو ليس بموضوع، وإنما هو مما تحامل ابن الجوزي فرماه بالوضع، وحقه أن يكون ضعيفاً أو حسناً لغيره أو حسناً لذاته. فهذا موجود، وهذا مقصود هذا التنبيه الذي أورده ابن كثير رحمه الله تعالى على كتاب ابن الجوزي رحمه الله. والسيوطي أيضاً رمي بالتساهل، السيوطي رمي بالتساهل أيضاً. طيب، نقف هنا، ونقرأ غداً ما بعده إن شاء الله تعالى. وهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.