الدرس في أحوال المخالفين في تعاملهم مع الآخرين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل تعامل المبتدعة مع رسول الله، حيث يظهرون غلوًا أو جفاءً في تعاملهم معه، إما برفعه إلى مقام الألوهية أو الطعن في جنابه وتقليل شأنه. يُبين أن المبتدعة يخالفون نهج الإسلام في التعامل مع رسول الله.
يتناول هذا الفصل كيفية تعامل المبتدعة مع أحاديث رسول الله والسنة النبوية، حيث يظهرون عدم الإجلال والإعظام، ويقدحون ويطعن في جنابه ويستهينون بأحاديثه. يُظهر أمثلة على ذلك من مختلف الفرق المبتدعة.
يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُنهي بالقول بأن الله تعالى أعلم. يُظهر الختامي للخطبة أو الدرس الديني.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله ما مضى معنا في الدرس السابق في ذكر شيء من تعامل المبتدعة إزاء النصوص الشرعية، وقد جالينا معكم في أهم المواقف التي تذكر وتحكى عنهم كمنهج ساروا عليه. ننتقل في هذا المقام إلى مقام آخر يظهر فيه التعامل الذي يقوم به المبتدعة في دعوتهم وفي منهاج فكرهم، وهو تعاملهم مع رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا الباب يطول ويطول شرحه وذكره في مسألة التتبع لهذه الأفكار والنماذج التي تدلك كيف يكون تعامل المبتدع مع رسول الله عليه الصلاة والسلام. وسبب الطول في هذا المبحث لأن تعامل المبتدع مع رسول الله له عدة اعتبارات، أحيانًا تعاملهم مع رسول الله لشخصه الكريم، أو في تعاملهم مع أحاديثه التي نطق بها، أو في تعاملهم مع منهجه الذي أتى به عليه الصلاة والسلام. نبدأ، مثلا إخواني، في هذا الباب، في ما يكون من تعامل المبتدعة وأهل الضلال والزيغ والانحراف في تعاملهم مع رسول الله كشخصه الكريم، صلواته ربي وسلامه عليه. فهذا الباب يجمع، بعبارة، الخروج عن الاعتدال، الخروج عن الاعتدال. ما اعتدل المبتدعة في تقييمهم وتقويمهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم بين الغالي والجافي، بين الغالي والجافي. وربنا جل وعلا قد أوضح الدلائل في كيفية التعامل مع رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾. فهو بشر، بشر من البشر، لكن الله ميزه بالوحي. إلى أن المبتدع وممن خرج عن هدي الإسلام خالف في هذه التعاملات. فمثلا منهم من وصل إلى حد الغلو، فمرق ببشرية رسول الله، حتى أن بعضهم رفع رسول الله إلى مقام رب العباد سبحانه وتعالى. فمنهم من يدعي بأن رسول الله يعلم الغيب، أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يقضي الحوائج، فيكشف الكروب ويزيل الهموم والغموم. ومن هنا أصبح الناس يشدون الرحال إلى العتابات، فيستطاعوا أن يأتوا إلى قبره عليه الصلاة والسلام، يطلب منه المدد، يطلب منه الولد، يطلب منه الدعم والسند، كل ذلك أكاذيب من رسول الله، ظنًا منه أن ملكوت السماوات والأرض بيد رسول الله. وإن من جودك الدنيا وضرتها، وإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم. هذا لمن قالوا هذا في حق رسول الله، كل ذلك بيده. هذا من الغلو، يا عبد الله، أن ترفع نبيك إلى هذا المقام. حتى أن من الناس من يقول: بأن الله ما خلق السماء، ما خلق الأرض، ما خلق النجوم، ما خلق الأفلاك إلا لأجله. ويرون في هذا الباب: لو لا ك لما خلقت الأفلاك، كل ذلك في سبيلك يا محمد. ومنهم من يدعي بأن الله خلق الكون كله من نور محمد، من نور وجهه عليه الصلاة والسلام. وتأتيك الحقيقة المحمدية، وهو مما يعتقده أهل الحلول والاتحاد، بأن الله تعالى الله عن هذا القول قد حل في جسد رسول الله، فما محمد إلا إله يمشي بين الناس. هذه أقوالهم، هذا هو الغلو، عدم الاعتدال والخروج عن البشرية التي أعطاها الله لنبيه. قل إنما أنا بشر، بشر من البشر، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضر، عليه الصلاة والسلام. وقد نهى نبينا عن هذا المقام، عن مقام الغلو، بقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله، حسبكم هذا». وانظر كيف بدأ بمقام العبودية حتى يزيح هذا الفكر، فكر الغلو فيه. وانظر كيف جمع بين العبودية وبين النبوة، فهو عبد فلا يعبد، ونبي فلا يعصى، عليه الصلاة والسلام. هذا طائفة من الناس خرجوا عن الاعتدال في شخصه الكريم عليه الصلاة والسلام، فرافعوا به المقام. لكن بالمقابل، يوجد طوائف من المبتدعة غضوا من مقامه، وطعنوا في جنابه عليه الصلاة والسلام. فمرقوا بالنبوة والرسالة التي حباها الله له. قال ربنا: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليه﴾، هناك وحي، ميزة فاصلة جعلها الله لنبيه، لا يمكن لأحد أن يأخذها أو أن يدعيها، بل من يدعيها فقد كفر. يأتي من يأتي من المبتدعة ويلغي هذا الباب، يلغي مقام التشريف بالوحي والنبوة والرسالة، فيقع من أمره ما يكون من قلة أدبه، ناهيك عن قلة تعظيمه وتوقيره وإجلاله. إن أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه. قال علماء: وتعزروه وتوقروه، أي رسول الله، بالإجلال والإعظام والاحترام. هذا الذي ينبغي لرسول الله عند خطابك له ومعه، وعندما تذكر ما يكون من سيرته، تحرص على التأدب. لكن انظر للمبتدعة، مثلا رأس المبتدعة أو رأس الخوارج، ذي الخويسرة، عندما جاء لرسول الله، وهو أصل الخوارج الذي قال عنه نبي: «يخرج من ضئضئ هذا أقوام»، وعنى بهم الخوارج. ماذا فعل؟ ماذا قال؟ قال: يا محمد، اعدل، اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. سبحان الله، تتحدث مع نبيك بهذه الصفاقة والوقاحة، اعدل، أي وقع في جور، وقع في ظلم. ثم أضف إلى ذلك: فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. سبحان الله. ولهذا عاتبه نبي، قال: «إن لم أعدل فمن يعدل؟ إذا كان الله قد أمن نبيه على وحي السماء، فكيف نؤمنه على الدين؟» قال: «ويحك، إن لم أعدل فمن يعدل؟» لكنها الوقاحة عند أهل الزيغ والضلال. ثم تجد، يا عبد الله، أن جل المبتدعة على هذا الوسط، أنهم يرون أن ما هم عليه أرفع وأنفع من رسول الله عليه الصلاة والسلام. تجد مثلًا عند المتصوفة الغلاة، ممن هم يدورون حول موضوع الولاية، وأن هناك أولياء لله، هم إذا قورنوا وأرادوا أن يزنوا بين الأولياء وبين الأنبياء، فعندهم أن الأنبياء أعظم من الأولياء، أو أن الأولياء أعظم من الأنبياء. حتى قال قائلهم: مقام النبوة في برزخ، فويق الرسول ودون الولي. هذا ماذا؟ هذا مقام النبوة. إن سألتموني عن مقام النبوة، أين هي؟ هذا جوابهم: مقام النبوة فويق الرسول ودون الولي، الولي. فمن الدون الرسالة، بعدها النبوة، بعدها الولاية، فالولاية أعظم، ثم الوسط النبوة، ثم الرسالة الدونية. أما العظمة لا تكون لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا إن جئت عند الروافض الزنادقة، هم كذلك يجعلون لنبينا الدون، خاصة إذا قارنوا نبينا بآل بيته، سبحان الله. ومن يعظمون من الأئمة، حتى قال الهالك الخميني: إن لأئمتنا منزلة عظيمة لا يصلها ملك مقرب ولا نبي مرسل. حتى الأنبياء ما يصلوا إلى رتبة أئمتنا. هذا التعظيم للنبوة والرسالة، أم هو الإجحاف؟ وهكذا قل في حق الباطنية، ممن عظموا أنفسهم وعظموا علومهم، العلم الباطني، كما مر معنا. يقول أبو يزيد البسطامي: خبنا بحرًا، وقف الأنبياء بساحله، إشارة إلى ماذا؟ إلى خوفهم، إلى خوف الأنبياء والرسل، ما استطاعوا أن يدخلوا إلى غمار البحار التي نحن أهل المعرفة والعرفان دخلنا إليها. قال: خبنا بحرًا، وقف الأنبياء بساحله، إشارة إلى الغمز والطعن، وضعف الأنبياء والرسل. فتجد، يا عبد الله، أن المبتدعة يحومون حول هذا المسلك، على عدم الإجلال والإعظام، وخاصة إذا قارنوا ما هم عليه بحال رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم إذا جئت إلى النماذج الفردية، فحدث عن ذلك ولا حرج. مرة معنا قصة عمر بن عبيد، الذي صرح بملء الفم، قال: هذا الحديث لو سمعته من رسول الله لما قبلته. عادي نرده، فرده في وجه رسولك، سبحان الله. حتى قال من قال من سلف: عندما سمع هذه الحكاية، قال: عمر بن عبيد يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. ما يقول هذا مسلم يتبجح بالجرأة على الرد على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ابن سبعين، من غلات المتصوفة، وصل به الغلو حتى أنه كان يبحث أن يكون نبيًا رسولًا. قال شيخ الإسلام عنه، كما في منهاج السنة: أنه خرج من المغرب، من بلاد المغرب، وجاء إلى مكة، ثم قال: لقد زرت ابن آمنة، الذي يقول: لا نبيًا، فرأيته بارعًا في الفلسفة، بارعًا في الفلسفة. هل ترى هذا تمجيد لرسول الله؟ أم حط من قدره؟ ابن آمنة، نسبه لأمه، ذكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في منهاج السنة. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب الفرقان بين الحق والباطل، عن راء رجلًا، قال: حدثني رجل من الثقات، ممن كان معهم، مع من؟ كان يتكلم عن منهج ابن عربي الملحد. فذكر شيخ الإسلام: يذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أن هذا الرجل ماذا قال له؟ قال: إن أبغض الناس إليهم هو محمد بن عبد الله، سبحان الله. إن أبغض الناس إليهم، لرغم بعضهم يدعون مع الرسول، الرسول وحبه الرسول، لكن في قلبه يراه مبغضًا. لماذا هذا البغض؟ لأن رسول الله يعتبرون حجر عثرة أمامهم، حجر عثرة. كلما أرادوا أن يفعلوا أمرًا، جوبه بسنته، بأقواله، بأفعاله، بأعماله. فقال شيخ الإسلام: عن هذا الثقة، أن ممن كان معهم، ثم خرج عنهم وتاب الله عليه، قال: إن أبغض الناس إليهم محمد بن عبد الله. فهم قد يذكرون هذا، لا يذكرونه صراحة بملء أفواههم، لكن في مجالسهم، وإذا خلوا بأنفسهم يذكرون هذا. والأمثال كثيرة جدًا في الغمز والقدح والطعن في جناب رسول الله عليه الصلاة والسلام. حتى سمعت أحدًا من الشيعة الروافض الزنادقة، قال: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة إلا فرجه، ففرجه لابد أن يدخل إلى النار. لماذا؟ قال: لأنه عاشر به عائشة، أعوذ بالله، مصرح هذا في كتبهم، الروافض. فرجه الذي عاشر به عائشة، لابد أن يدخل النار، يعذب. تحذب نبيك، يا زنديق، يا كافر، يا ملحد، يا مرتد. لكن هذا حال المبتدعة، أنهم يدورون حول هذا المحك، لعظيم البدعة الذي تشربت وتسللت إلى قلوبهم. أصبحوا يهينون من أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، بالمقابل يعظمون السادات وأتباعهم ومشايخهم، ومن يحومون حول فلكهم. هذا إخواني في الله، فيما يذكر حول تعامل المبتدعة مع رسول الله كشخصه. أما ما يتعلق بأحاديثه ومروياته، فكذلك هم على هذا الأمر. معنى المسلم في باب الأحاديث المروية عن رسول الله، يجابهها بالإعظام والإجلال والتوقير والتقدير. هذا كان سلفنا الصالح، كان أهل السنة، إذا أرادوا أن يحدثوا عن رسول الله، عظموا هذه المجالس، عظموا مجالس التحديث. حتى أن منهم من كان يغتسل، ومنهم من كان يتوضأ، ومنهم من إذا فقد الماء تيمم، حتى يحدث عن رسول الله على طهارة. يحدث عن رسول الله على طهارة. وإذا كان مضجعًا، لربما عظم حديث رسول، فقام وجلس. كل ذلك من تعظيم أحاديث الرسول. لكن هذا عند سلفنا الصالح، عند المعظم للسنة من أهلها. لكن المبتدع، بالعكس، يقابلون أحاديث رسول الله بما يدل على هوانها عندهم. فمنهم من لا يقبلها بالمرة، يلغيها من دينه، ومن عقيدته. وقد مر معنا الفرق القرآنية، مبتدعة الضلال، يرمون بالسنة جملة وتفصيلًا. ومنهم من يشكك، ومنهم من يردها ردًا دون مبالاة. كل ما أعمل بهذا. ومنهم من يقسمها، حتى تأتي مع هواه، فيجعلها أحاد وثابتة، ما كان من الثابتة، قال: أقبلها، أما الأحاد، فأرد ذلك. أحاديث صحيحة، عشرات، المئات، الأحاديث تقوم عليها الأحكام، بل تقوم عليها بعض العقائد، قال: ترد. فقد قال علماؤنا: ومن رد حديثًا صحيحًا، وهو يعتقد صحته، فقد كفر. العلماء من أهل السنة يعظمون أحاديث الرسول، لكن بخلاف المبتدعة، فهم يهونون من أمرها، كما هولوا من شخصه، هولوا بألفاظه، وما كان من مروياته عليه الصلاة والسلام. ومن هذا التهوين: أن منهم من وصل إلى باب الكذب على رسول الله، يكذب على رسول الله، كما تفعل الزنادقة، يكذب ويكذب. ونقل الخطاب عن بعض المبتدعة: أنهم كانوا يقولون عن أنفسهم: نحن إذا استحسننا أمرًا، جعلناه حديثًا. إذا استحسننا أمرًا، رأيناه أمرًا طيبًا، أخرجناه للناس على قالب حديث نبوي، قال رسول الله، قال رسول الله. الإيمان لا يزيد ولا ينقص، قال رسول الله. كل ذلك كذب على رسول الله عليه الصلاة والسلام، من غير اعتبار منهم. منهم من يكذب على رسول الله بحجة أنه يكذب لرسول الله، لا يكذب على رسول الله، كما فعلت الكرامية، وفرق ضليلة. ومنهم من لا يكذب، صحيح ما يكذب، لكن يهون من شأن الأحاديث الضعيفة، فيروّج لها، يقول: يا أخي، اتق الله، اتق الله، هذا حديث ضعيف، لا، عادي، حديث عن رسول الله. والنبي قد حذر من ذلكم، أن يحدّث عنه بحديث، هو كذب، أو ترى أنه كذب، لا يجوز، لا يجوز، لما في ذلك من التهوين لمقامه. وإنما المسلم يتحرى الصحة. والآثار في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدًا. ثم ما كان، إخواني في الله، في تعامل ثالثًا، ما كان من تعامل المبتدع مع منهجه الذي أتى به، صلوات ربي وسلامه عليه. نبينا أتى بالمنهج الصافي، فوجب على الأمة جمعًا أن تسير خلف نهجه، خلف نهجه. قل: هذه سبيلي، أدعو إلى الله على بصيرة، أنا ومن اتبعني. من كان من أتباع نبينا، هذا وجب عليه أن يسير على ما سار عليه نبينا، في منهجه ودعوته وطريقته عليه الصلاة والسلام. لكن إذا جئت إلى المبتدعة، تجد أن المبتدعة بالإجماع، بالإجماع، الكل خرج عن منهجه، لكن حنانيك، بعضهم بكثرة، وبعضهم بقلة. ولهذا ما وصف هؤلاء بالبدعة إلا لخروجهم عن منهاج السنة، عن منهاج عليه الصلاة والسلام. فمنهم من الغلاة، من استغنى بالكلية عن منهجه، صلوات ربي وسلامه عليه، وأنه ليس بحاجة إلى رسول الله في تيسير أمر دينه. يرى أنه ليس بحاجة، مثل من يرى أنه قد وصل إلى مرتبة اليقين، محتجا بقوله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾. منزلة من وصلها تسقط عنه التكاليف، فلا يؤمر بأمر، ولا ينهى عن نهي. مهما تحدث بأحاديث، تقول: لا تخاطبني بها، أنا فوق هذه الأحاديث، أنا سقط عني التكاليف. ومنهم من يرى أن الأولياء لا يخاطبون بحديث الأنبياء، ويحتجون بقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، عندما ادعوا أن الخضر ولي، وأن موسى نبي. فكان من أمر الخضر، وهو الولي، أن خرج عن شريعة موسى النبي. فاستدلوا على أن الأولياء يخرجون، ولهم خرية التصرف في تعبدهم، لا يتقيدون بمنهاج أي نبي. لا الخضر تقيد بشريعة موسى، ولا نحن كما يدعون نعتصم أو نلزم بقضية بمنهج رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا، إخواني في الله، من أمثال هؤلاء، من يزعم أنه يأخذ دينه عن ربه، كما مر معنا في درس أمس: حدثني قلبي عن ربي. هل هذا يحتاج إلى رسول الله؟ لا، ما يحتاج إلى رسول الله، ما يحتاج لأنه يأخذ من ربه مباشرة. فهؤلاء غلاة، غلاة من المبتدعة، طوائف من الناس اختلفت آراؤهم وأقوالهم، لكن اتفقت على أنه قد استغنوا عن منهج رسول الله، وأن لهم الهداية والوصول إلى الله، لا عن طريق نبينا. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن ظن أنه يمكنه أن يهتدي بغير هدي رسول الله، قال: فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. قال: فعليه لعنة الله، لكن تعتقد أن وجود نبيك عبث، لا قيمة له، وأنك تقول: كأنك بلسان المقال، ابتعد عن طريقي، أنا أعرف كيف أصل إلى الله. إما بأني ولي، أفعل ما أشاء، أو أني وصلت إلى مرتبة اليقين، فلا ألزم بديني أحد، أو أنني آخذ ديني عن ربي، فلا حاجة لي. فهذا عليه ما يستحق من اللعنات التي ذكرها شيخ الإسلام. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. كذلكم، إخواني، في هؤلاء الغلاة، ثم بعد ذلك حدث عن سائر الطوائف. نعم، بعض ما بلغ هذه الجرأة، لكن تجد أنه قد أعرض عن هديه، عن منهجه، كحال الجماعات والطوائف والتيارات التي خرجت عما كان عليه نبينا في دعوة وفي مضمار منهجه. حتى أن بعضهم لو ربما يقول: نحن عقيدتنا سلفية، ومواجهتنا عصرية. ما الذي تريد بهذه الكلمات؟ عقيدتنا سلفية، هذا يوجد طوائف، نعم، في العقيدة سلفية، الأسماء والصفات، الإيمان بالقضاء والقدر، توحيد الربوبية والألوهية، معك. قال: نحن دعوتنا سلفية، ومواجهتنا عصرية. ما معنى عصرية؟ نحتاج برلمانات، ديمقراطية، لماذا؟ طب، خذ بما كان عليه نبي، يقول: لا، نبينا كان وجوده في زمن قديم، واستخدم طرق تلق بزمانهم، نحن قد تغيرنا، فلا نلزم بمنهجه، نأتي بمنهج يواكب هذا العصر. فأتوا لنا ببدع، قوام، منهم من أتى بالبرلمانات، بالديمقراطية، بالحزبية، بالتنظيم السري، بالخلايا السرية، بالبيعة، بالإمارة، وغيرها من البدع الطوام. وكل ذلك خروج عن منهج نبينا عليه الصلاة والسلام. فالحاصل، إخواني في الله، ما أشرت سلفًا، هذا الباب من الأبواب التي حقها أن يستفاض فيها، أن يستفاض فيها، في بياني كيف تعامل المبتدع مع رسول الله عليه الصلاة والسلام. وتجد في الأخير أنهم جميعًا قد خرجوا عن نطاق التحاكم إليه، وإلى سنته، والعمل بما أتى به، صلوات ربي وسلامه عليه. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.