الدرس في أحوال المخالفين في تعاملهم مع الآخرين 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل كيفية تعامل المبتدعة مع عامة الناس واستغلالهم لنشر بدعتهم وتغيير مفهوم الولاء والبراء. يُظهر أيضًا كيف يخالف هذا التعامل الأخلاق الإسلامية.
يُبرز هذا الفصل صورًا من تعامل المبتدعة مع عامة الناس، مثل التفريق بين الناس على أساس الولاء لبدعتهم والتعامل بقسوة مع المخالفين. يُظهر أيضًا تبريرهم لأفعالهم الشنيعة بفتاوى التكفير.
يتناول هذا الفصل مقارنة بين كيفية تعامل المبتدعة وأهل السنة مع عامة الناس، حيث يستغل المبتدعة العامة لنشر بدعتهم بينما يعامل أهل السنة المسلمين باحترام وتقدير. يُوضح أيضًا الاختلاف في نشر العلم بين الطرفين.
ينتهي الدرس بدعاء الله أن ينفعنا بما قلناه ويجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، من المواطن التي ظهرت فيها تعامل المبتدعة مع غيرهم ما كان من تعاملهم مع عامة الناس، أو قل مع العامة، مع خلق الله من أهل الإسلام قاطبة. الإسلام، إخواني في الله، أمر وألزم بضرورة القيام بالأخوة الإسلامية والأخوة الدينية، إنما المؤمنون إخوة، فالمسلمون مهما تناءت بهم الديار واختلفت الأبشار، فإنهم يجتمعون على هذا الدين، فهم إخوة، المسلم أخو المسلم. ذكر شرعنا الحقوق الكثيرة التي يجب، إلزامًا واختيارًا، أن تؤديها مع جماعة المسلمين، بحفظ أعراضهم ودمائهم وأموالهم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، هذا المسلم، سواء كنت تعرفه أو لا، أو لم يحصل لك منه سابق لقاء، فقط دخل في سلك الإسلام، له احترامه وله عصمته. ﴿إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام﴾. بل هذا رجل مشرك، كان يقاتل أهل الإسلام، وفي خلال لحظة من مقاتلته، ورفع سلاحه على أهل الإسلام، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقام أسامة وقتله، قال النبي: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ غضب عليه الصلاة والسلام؛ لأنه دخل في عداد المسلمين بهذه المقالة، يكفيه، معنى ما أظهر، شيء إلا هذه الشهادة تكفيه عصمة، لهذه الكلمة العظيمة التي تلفظ بها. الأدلة، إخواني في الله، في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدًا، في ضرورة الإجلال والاحترام لكل من كان من أهل الإسلام، تعرفه أو لا تعرفه، قل عظم أو خف، حقيرًا ما دام معك في هذا الدين، فعليك، يا عبد الله، أن تعطيه حقه، ومن أعظم حقوقه أن تكف شرك عن الناس، فأي صدقة عليك من نفسك، على نفسك، كف شرك، إذا ما استطعت، وإذا انقطع الناس من أملهم، من منفعتك، فلا أقل، يا عبد الله، أن تكف شرك عن الناس. من خلال هذا الفحص العام، إخواني في الله، بل حتى من أصول هذه المسألة، أن علماء السنة جعلوا هذا من كتب الاعتقاد، من فتح كتب الاعتقاد، وخاصة في أواخر الفصول، تجد ما يذكره العلماء من أصول عقيدتهم ما يكون من حسن التعامل مع خلق الله، بحسن الأداء والأخلاق الحميدة، وعدم الغش، وعدم الخداع، جعلوا هذا من أصول العقيدة؛ لعظيم مقامها وبابها. فإذا التفتنا، إخواني، فلو خرجنا من هذا الباب، ورأينا إلى باب أهل البدع، تجد أنهم في منأى عن قيامهم بالحقوق الإسلامية، فهم لا يرفعون رأسًا بهذا المقام الرفيع الذي أمر الله جل وعلا بضرورة القيام به. مشارب المبتدعة اختلفت في كيفية تعاملهم مع عامة الناس، وكلها لا تخرج عن تلك النظرة السوداوية، فهم يستخدمون العامة لما يعود على بدعتهم بالمنفعة، هذا الذي يريدون، هذه الخلاصة، ما يعود يتعاملون مع الناس بما يعود على منفعتهم، على بدعتهم من المنافع. فمثال ذلك، مما نذكره من فعل المبتدع مع عامة الناس، ما كان من مسألة الولاء والبراء، فهم يوالون أهل الإسلام، لا ليس على أمر الدين، فالولاء والبراء الأصل على الدين، على العقيدة والشريعة والمنهاج والطاعة والعبادة، وعلى السنة النبوية، هذا الولاء والبراء يكون عليه. لكن عند المبتدعة يبعدون هذا الباب، فيجعلون أفكارهم وعقائدهم ومذاهبهم هي التي يُعقد عليها مسألة الولاء والبراء، من أدى الذي هم يعتنقونه فهو منهم وإليهم، ومن خالفهم فهو عدو لهم، حتى في العبارة الشهيرة: «من ليس معنا فهو عدو لنا»، انظر مثلًا إلى تاريخ الأمة، ما وقع في فتنة خلق القرآن، عندما قام أحمد بن أبي دؤاد ببث مسألة خلق القرآن، وغر صدور الولاء بضرورة اعتناق هذه الفكرة على أنها من دين الله، فاختاروا بذلك. ثم إذ به حمل الناس على هذه البدعة، جعل عليها الولاء والبراء، فكل من لم ينعق بهذه البدعة المشؤومة التي أتى بها، بأن القرآن مخلوق، فهذا يجعل له الدون، فهذا يُعزل من منصبه، ويُزل ويُحبس وينفى ويُشرَّد، وتُعطَّل عنه مصالحه، إن كان عطاء من بيت المال يُغلق عليه العطاء، فلا يُعطى له شيئًا، لماذا هذا؟ هل تركوا شيئًا من توحيد الله، من عقيدة الله، طاعة؟ لا، تركوا بدعة واعتنقها، جعل عليها الولاء والبراء. حتى وصل بهذا الهالك عليه من الله ما يستحق إلى أن وصل الأمر إلى أن المسلمين من جند الإسلام الذين هم في معسكر الصليبيين أسرى، فإذا قام سوق التبادل بين الأسرى، من كان من النصارى في أسر الإسلام يرجع إلى معسكره، ومن كان من المسلمين يرجع إلى بلاده، هنا تدخل ابن أبي دؤاد، قال: ننظر من كان من المسلمين في أرض أسير عند النصارى، امتحنوه بخلق القرآن، إن قال به يفك أسره، وإن لم يقل بذلك يبقى عند النصارى. أعوذ بالله، تبقي مسلمًا، يا عبد الله، بين النصارى، ينكلون به ويعذبونه ويقتلونه، من أجل ماذا هذا كله؟ من أجل بدعة؟ هذه صورة صارخة على هذه المسألة. لكن، يا عبد الله، إذا رأيت باقي البدع والفرق، فإنها كلها تدور على هذا المحك، الولاء والبراء إنما يقوم على البدعة. فيناقشون العامة، يقوّبون العامة على هذه البدعة، ومنهم كذلك الرافضة، لا ولاء إلا ببراءة، لا ولاء عندنا إلا أن تتبرأ من أصحاب رسول الله، على هذه البدعة. وحتى الجماعات الحزبية تسير على هذا المسلك، من كان من عامة الناس انضم إليهم، انتمى إلى جماعتهم، أخذ عضوية من عضويات هذا التنظيم، فله له كل ما يكون له قرة عين، يعطى من المال، يعطى من النفوذ، يعطى من الأضواء. ومن خالف، ومن لم يدخل معهم في هذه الجماعة المبتدعة، الجماعة المحدثة، ما أنزل الله بها من السلطان، يكفيني أن أكون مصليًا، لا، هذا إذا كان يكفيك، لكن ما يكفينا، ما دخلت في جماعتنا، يقصى، فإذا جئت تطلب منهم معونة أو من ما عندهم، الله كريم، ابحث عن غيرنا، ابحث عن غيرنا. الولاء والبراء على هذه البدع، هكذا يُعاملون عامة الناس، هكذا يُعاملون عامة الناس، على مبدأ الولاء والبراء مع البدع، دون النظر إلى دينهم أو صلاحهم أو صلاتهم. العلامة الألباني، رحمه الله تعالى، من هو في علمه، ومع ذلك عندما كان في بلاد الشام، قامت جماعة الإخوان بإنزال قرار لدى التنظيم الحزبي بأن هذا الألباني «يُهجر»، هجر. ما الذي فعل؟ ترك الصلاة؟ ترك الزكاة؟ وقع في محرم؟ لا، فقط لأنه ما هو معهم في هذا التنظيم، فأمر بهجره، وكان يتواصلون بهذا. وقد تكلم رحمه الله عن هذه المسألة عندما كان في بلاد الشام، وكيف الفتاوى تنزل في حقه بضرورة هجره. هكذا كان يتعاملون في تعامل مع عامة الناس، الولاء والبراء هو المعيار في تقييم الناس، طبعًا الولاء على بدعتهم. كذلك، يا عبد الله، من صور التعامل المبتدع مع عامة الناس، ما يكون من الاستخفاف بدمائهم، بأموالهم، بأعراضهم، الاستخفاف العظيم. المسلم يخاف من أن تمتد يده إلى مسلم آخر بغير وجه حق، أن يصدر منه كلمة أو عبارة أو يأخذ عودًا من دم أو مال أخيه المسلم، يخاف أن يلقى بها ربه عز وجل. هذا في حق الذي تربى على الكتاب والسنة، تعظيمًا لمقام الأخوة الإيمانية. لكن بالمقابل، تجد أن المبتدعة ما رفعوا رأسًا بهذه الحقوق، لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الأعراض. أما في الأعراض، فحدث ولا حرج، عبد الله، بقضايا التكفير، حتى سمعنا من بعض المعاصرين من يأتي بتكفير المجتمعات بأنها مجتمعات كافرة، وأخفهم من يرى التوقف، جماعة التوقف والتبين، نتوقف، لا نقول بأنهم من أهل الإيمان، ولا نقول من أهل الكفر. يصلون، يا عبد الله، قال: ولو يصلون، ولو يصلون. ومنهم من تبجح بماذا؟ بأن هذه المجتمعات كافرة مرتدة جاهلية القرن العشرين. ومنهم من يصرح على خطبه ومنابره بأن هذه الأمة في حالة ردة. وكم كان سيد قطب في كتبه يبين على أن هذه المساجد، ولم تلئت بالمصلين، ومع وجود المآذن، فهذا لا تغني ولا تصل من جوع. سبحان الله، هنا أعراض المسلمين، يا عبد الله. هذا إذا جئت في باب الأعراض. أما إن جئت في باب الأموال، حدث ولا حرج، النهب، الغصب، السرقة، الاختلاس، باسم الدين. انظر الرافضة، عندهم الخمس، يأخذون خمس المال من عامة خلق الله، يضحكون عليهم، فيأخذون الخمس من هذا التاجر، من ذاك، ومن ذاك. وكلما داخلوا بلدًا أخذوا الخمس، غير مبالين بحرمة دماء المسلمين، حتى وصلوا إلى الثراء العظيم، كمن الأرصدة التي فضحوا بها في بلاد أوروبا، يذهبون إلى فرنسا، ويتمتعون، كما جاءت بذلك الأنباء، من هؤلاء من أصحاب العمائم الرافضية، تذهب إلى فرنسا، فتتمتع بالنساء الجميلات الحسناوات، باسم المتعة. ويدخلون إلى أعالي الفنادق في دول الكفر، بأموال أهل الإسلام، الخمس. وهكذا يقول ما كان في حق أهل التصوف، عندما كانوا يتضاحكون على العامة بضرورة إخراج شيء للسيد، جاء رمضان، أخرج للسيد، جاءت الزكاة، أخرج للسيد، جاء عيد الأضحى، وإن الأضحية حق السيد، فتنزع الأموال، ويهدد صاحبها، إذ لم تخرج مالًا لسيدك، فالويل لك، ستأتيك الدعوات. سبحان الله، هذا غصب، هذه القرصنة بعينها، اتق الله، عبد الله، في أموال المسلمين. وهكذا الذي يستبيح سرقة البنوك بحجة أنها أموال كفرة، وإن أموال أهل الإسلام. وإن جئت كذلك إلى الدماء، أما هذا فحدث ولا حرج، القتل والسفك، بعدما تأتي فتاوى التكفير، يأتي التفجير، يقتل الواحد من يقتل من المسلمين. بل حتى يصل الحال لبعضهم: أنا لربما ما أريد أن أقتل العامة، كما يقول: أنا ما أريد هؤلاء مساكين، أنا أريد أن أقتل هذا رأس الكفر، أمير أو سلطان مثلًا، أو راء عندهم في هذه الجماعة الإرهابية، فيصل أن القتل يصل إلى مجموع من هو موجود من الأبرياء، هل يعصون على أصابع الندم؟ لا، عادي عندهم، مدام قتل رأس الطاغوت، هذا المطلوب. ومن قتل من الأبرياء، قال: يبعثون على نياتهم، يبعثون على نياتهم، سبحان الله، بهذه الصفاقة. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، وليتحاشى من مؤمنها، فليس مني، ولست منه». تبهي، عبد الله، حقوق المسلمين عظيمة، عظيمة جدًا. حتى وجد من الاستخفاف ما قد ذكرناه من قبل، أن يزج بهم في معمعة الحروب، في مواجهة تلك الاحتدامات التي تقع بين الراعي والرعية، وهم حسب بعضهم أن يبقى في غرفته أو في فندقه أو في مكان مظلم، ما أحد يعلم أين هو. وينما تأتي تلك الصوتيات منه، ويشعذ الهمم على الدخول إلى الفتن، وتقتل الأنفس الكثيرة، العشرات، بل المئات، دون مبالاة بدماء المسلمين. عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى، أرسل جيشًا إلى بلاد الروم للغزو، فانتصر المسلمون، وجاء المندوب من هناك يبشر أمير المسلمين ببشارة النصر. فقال: أبشر، يا إمام، قد فتح الله علينا بلاد الروم، أي تلك الناحية، ففرح عمر بن عبد العزيز، وكعادته، قال: وكيف الجيش؟ وكيف الناس؟ كلهم بخير؟ كلهم بخير؟ قال: كلهم بخير، قال: كلهم بخير، فاطمأن عمر، فقال رجل: يا إمام، إلا رجلًا واحدًا، نعم، قال: ما به؟ قال: ساحت به دابته، فسقط، قال: ثم ماذا؟ قال: فمات. حينها غضب عمر، قال: قلتها غير مكترث بها، أدعو بكاتبي، فجاء الكاتب، قال: اكتب، وأرسل الرسالة إلى الجند هناك، وإلى قائدها، قائلًا له: «إياك وغارات الشتاء، فوالله لا رجل من المسلمين أحب إلي من الروم وما حوت». أكر التربية الإسلامية أنك تعظم، يا عبد الله، هذه الدماء. لكن أين هذا من فعل المبتدعة؟ المبتدعة ما يكترثون أصلا بالعامة، يجعلونهم مطية توصلهم إلى الذي يريدون. وكم وكم، إخواني، نتحدث عن هذا الباب. ومنهم من يتخذ العامة استكثارًا، يستكثر بهم عندهم، علم ما عندهم، عقيدة صحيحة ما عندهم، ما يبالي بهذا، كفعل أهل السنة الذين متى ما رأوا الجموع يحمدون الله على ذك، ثم يستغلون هذه الجموع بتربيتهم وتزكيتهم وتعليمهم، والتعب على إصلاحهم، في عقيدتهم، وفي معاملاتهم، وفي عباداتهم. هذا عند أهل السنة، لكن المبتدع لا، وإنما يستكثر، يستكثر، يريد العدد، لماذا؟ يجعله مطية، يستكثر بالقوم، يقول: هؤلاء أتباعي، هؤلاء على علم، هؤلاء على تقوى. العلامة الألباني، عندما جاء له رجل من وفدي جبهة الإنقاذ الإسلامية، فكان هذا الرجل يمتدح هذه الجماعة، وكانوا كثر، نعم، كثر بالملايين. هذا أمر معروف عن تلك الجماعة في أوانها وقوتها، فقال لهم الشيخ الألباني، رحمه الله، ويعرف أن هذه الجماهير هم عامة، فقال: وكم عددكم؟ قال: يا شيخ، نحن ملايين، قال: وكم عدد العلماء فيكم؟ فسكت الرجل، وهذا الشريط مسجل، فقال له الشيخ الألباني: ألاف؟ سكت، قال: مئات؟ سكت، قال: عشرات؟ قال: يا شيخ، هم قلة، فقال الشيخ الألباني حينها تلك المقالة: «إنكم لن تستطيعوا على قيام دولة الإسلام، أنتم تعيشون في أوهام، والله». قالها، قالها في ذروة قوتهم، وكانوا بالملايين، لكن أبطل العالم، قال: «إنكم لن تستطيعوا على قيام دولة الإسلام، أنتم تعيشون في أوهام». وكان الذي قال، رحمه الله: ذهبت دولة معاوية، وذهبت دولة غيرها، وما قامت دولة الإسلام على استكثارهم، ولا بعقيدتهم، وإنما اتخذوهم استكثارًا، استكثارًا بهم. وهكذا، إخواني في الله، مما يكون من أمر الجماعات الضالة والمبتدعة، أنهم يكتمون الذي يعرفون من دين الله، الكتمان، إنما هم يعطون العامة الذي يريدونه، وأما الذي ينبغي أن يعرف، يؤخرونه، ليتحدثوا معهم في كل شيء، فماذا خرجوا للناس؟ أعطوهم مساء العامة، لكن حقيقة الدين الذي هم عليه يكون خلف الدهاليز، وخلف الكواليس، وفي الحلقات السرية. حتى قال عمر بن عبد العزيز: «إذا رأيت القوم، أو إذا رأيت الخاصة، يتناجون من دون العامة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة». وهل هذا عند أهل السنة؟ لا، والله، الذي عند أهل السنة، كما قال نبينا: «ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك»، هذه الدروس التي عندهم، هذا هو العلم الموروث، ما هناك مخبأ خلف الجدران، ما هناك عمل الخاص وعمل العام. العلم هو الذي ينشر للصغير والكبير، وللذكر والأنثى. لكن المبتدع لا، ولهذا، كما قال بعض مشايخنا: «والله لو علِم العامة بما يخبئه هؤلاء، لبصقوا في وجوههم؛ لأنهم ما أظهروا حقيقة أمرهم، وإنما هي المغالطات، وهي الأغلوطات». الشاهد، إخواني في الله، وهذا الباب، يقول: ذكره في كيفية تعامل المبتدع مع عامة الناس، وأنهم لا يتقون الله جل وعلا فيهم، وإنما تجد أن أمره مع عامة الناس يعود إلى ما فيه منفعتهم في نشر بدعتهم، وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم يعاملون المسلم بالمعاملة، ولو كان من عامة الناس، يعاملونه كإنسان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. له ثقله، وله وزنه، وله كذلك مقداره، ولو كان من أبعد خلق الله أقطارًا، ولو كان من في شرق الدنيا أو في غربها، فهؤلاء كلهم يجمعهم هذا الدين، لهم من الإجلال والإعظام على مقدار تمسكه بشرع الله. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.