الدرس في أحوال المخالفين في تعاملهم مع الآخرين 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث هذا الفصل عن تحذير أهل السنة من أهل البدع ومعاملاتهم السيئة، مثل عدم الاهتمام بالصلات الأسرية واحترام الوالدين. يُبين أن أهل البدع لا يهتمون بالقرابة.
يُنبه هذا الفصل إلى خطورة مخالطة المبتدعة وتأثيرهم السلبي على المجتمع، ويحذر من صحبتهم استنادًا إلى أقوال السلف الصالح مثل أبي قلابة.
يشدد هذا الفصل على أهمية التحذير من البدع والمبتدعة لحماية الدين، ويوضح أن أهل السنة يتكلمون في حق المبتدعين حماية لدين الله تعالى.
يختم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، في هذه السلسلة من الدروس المقامة في مثل هذا الوقت، بهذه الدورة الطيبة المباركة، كان حديثنا حول سمات أهل البدع في باب التعامل. فأشرنا من خلال هذا الباب إلى ما كان من تعامل المبتدعة مع نصوص الشرع، وما كان من تعاملهم مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ومع سنته، وما كان من تعاملهم مع أصحاب رسول الله، وما كان من تعاملهم مع أهل العلم والعلماء، وما كان من تعاملهم مع الأمراء والحكام، وما كان من تعاملهم مع عامة الناس، وأيضًا ما كان من تعاملهم مع الكفار من أهل الكتاب. قد مرت معنا هذه المجالس، وتطرقنا إلى الإشارة إلى ما يتعلق بالربط في معاملة أهل البدع فيما سبق ذكره، وأن هذه التعاملات ليست فقط منحصرة فيما ذكر، بل هي تعاملات كثيرة، وكلها يظهر من خلالها الحيف والظلم وعدم التعظيم لما ينبغي أن يعظم. وإنما أشرنا إلى أهم المقامات، وإلا هناك بإمكاننا أن نتحدث عن تعامل المبتدع مع الله جل في علاه، إذ أنهم خرجوا عن تعظيم الله، وهذا بابه واسع. قد مر معنا كلام عمر بن عبيد عندما قال في ذلك الحديث: «لو سمعته من الله لقلت: يا رب، ما على هذا أخذت ميثاقنا»، بل نقل عن بشر المريسي إمعانًا منه في إنكار صفة العلو لله، أنه كان يقول في سجوده: «سبحان ربي الأسفل». قال أحد أهل العلم عندما بلغه ذلك عن بشر: «إن كنت صادقًا فيما تنقل عنه، فإنه كافر». وهكذا نماذج على هذا الباب. وإن أردنا الكلام كذلك حول تعامل المبتدع مع قرابتهم ومع أرحامهم، لها لك يا عبد الله ما سترى وستسمع. الأرحام والرحم والقرب الذي أوصى الله جل وعلا بالإحسان إليها، حتى مع كفرها، حتى مع شركها، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُنْيَا مَعْرُوفًا﴾. لكن إذا جئت عند المبتدع وتلمست هذا الباب، لها لك ما سترى من نماذج أنه ما رفعوا رأسًا بذي القربة ولا بأرحامهم، بل ولا بوالديهم. وانظر في هذا الزمن المعاصر ما تأتينا من الأخبار. وقد وقفت على ما قيل، ولعل قد بلغكم حول ما قامت به تلكم الفرقة من الحوثة، فيما يقوم به أتباعها من سفك دماء أقربائهم، وهذا كثير. وقد هانني هذا المقام والمقال الذي فيه التعداد بأن فلان قتل أباه، وفلان قتل أخاه، وذاك قتل من أبنائهم، وكل ذلك على هذه الأفكار النجسة، أفكار الإلحاد والشرك والزندقة، استباحوا دماء والديهم، فذاك يقتل أباه، وذاك يقتل أمه وأخاه. وليس عند هؤلاء فحسب الحد عند التكفيريين، ولا زالت لكم الأنباء، ولعلها ترج في آذان بعضكم، في قصة أولئك الفئة الباغية الذين أخذوا السكاكين، أخوان أخذ السكاكين، فأخذ يتناوبان الطعن في أمهما لأنهم استباحوا دمها لأنها كافرة، فقتلاها، قصة معروفة. وآخر يتبجح بقتل أخيه، وذاك بابن أخيه، وذاك بقتل عمه، من هذه الأفكار التكفيرية. هذا شؤم البدعة، لم يرفعوا رأسًا بأرحامهم ولا بقرابتهم، ولا حتى بوالديهم. وهكذا يا عبد الله، من هذا الأبواب من أبواب التعامل التي كذلك حقها أن تذكى ما يكون من تعامل المبتدع مع أنفسهم في باب الأخلاق والآداب، إذ أنهم لم يزينوها بالأخلاق الحميدة ولا بالآداب السليمة، بل تلبسوا بأفجر الأعمال وبأفضع الأخلاق والآداب، من التعالم والغرور، ومن البخل، ومن سوء الظن، ومن سوء الكلام والتعبير، من السب والذم، ناهيك عن التلبيس، وناهيك عن الغلو والإجحاف وعدم الإنصاف. وتحت كل عنوان من هذه العناوين نماذج من فعل المبتدعة، لكن كما علمتم أن المقام لا يسمح ولا يتسع لطرق هذه المواضيع. فالخلاص إخواني في الله من هذه المباحث أن نصل إلى نهاية الأمر، ومن خلالها أن نعرف أن نتعرف على عدة أمور، من أهمها يا إخواني في الله أن نتعرف على خطر البدعة، وأن البدعة لا يصل حدها ولا أمرها إلى أنها فكر فقط ينقض في القلب أو يقع في الصدر، بل إن الأمر يصل حتى يكون معاملة. وهذا الذي أردنا من هذه المقالات ومن هذه المقامات أن نعلم أن البدعة ليست عبارة عن فكرة تتعشش في الصدور ثم تبقى لا، بل تتولد وتتكاثر حتى تصل إلى الأبدان، إلى اللسان، إلى الأيدي والأعضاء والأركان. وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله». والمبتدع عندما فسدت قلوبهم بما تلقفوه من هذه البدع، الذي قد مرت معنا كثيرًا من الرفض والخوارج والقدرية والمرجئة والجبرية والمشبهة والمعطلة، ومن الأمراض الحزبية، كل على شاكلته، متى لما فسدت قلوبهم حصل الفساد في أعمالهم ومعاملاتهم. فهذا مما يستفاد جدًا في هذا الباب إخواني في الله. ومنه كذلك إخواني في الله، من خلال ما ذكر تحذر يا عبد الله من مصاحبة المبتدعة إذا علمت هذا، وأن هذا الخطر ليس فقط على صاحبه، بل كذلك خطر على من يجالسهم. احذر منهم يا عبد الله، فإنك بما تفعله إنما تصاحب إن صح التعبير قنبلة مؤقتة سرعان ما ستنفجر. قد علمت يا عبد الله ما كان من تعامل هؤلاء مع كل أحد، وما خرجت تعاملاتهم إلا ما خرجت عن مقام السوء وعن الطعن والغمز واللمز والأذية لعباد الله. فكيف تعاشر هؤلاء؟ ومن هنا اتفقت كلمة العلماء من أهل السنة على مجانبة المبتدعة، كما قال أبو قلابة: «لا تجالس أهل الأهواء ولا تخالطوهم، ليس أهلًا للمخالطة ولا للمجالسة، تجالس من لربما ستنطلق منه شرارة اليوم أو غد أو بعد غد». وكم من أناس جالسوا هؤلاء فتضرروا من شرهم، إن لم يكن التضرر من أفكارهم. كما قال أبو قلابة: «لا تجالس أهل الأهواء ولا تخالطوهم، فإن لا آمن عليكم أن يغمسوكم في ضلالتهم أو أن يلبسوا عليكم كثيرًا مما تعلمون». هذا ستجنيه على نفسك يا عبد الله إن جالست مبتدعًا، إما أن يغمسك في ضلالته أو أن يلبس عليك دينك. فإن لم يكن لا هذا ولا ذاك، فحينئذ يا عبد الله ستجد شررًا في تعامله، لن يحترمك ولن يبالي بك. انظر في تعامله مع ربهم، كيف هم مع سنة نبيك عليه الصلاة والسلام، ما بالوا بها ولا رفعوا رأسًا لها، فكيف سيعاملونك؟ فإنهم يا عبد الله سرعان ما سيتخلصون منك. قد مر مضى معنا في دروس سابقة في تعامله مع عامة الناس، وأن المبتدعة على شتى أصنافهم واختلاف نحلهم، ما يجد أي مشقة أو حرج في أنه يدفع بك في سبيل النجاح بنفسه وببدعته، لربما يذهب بك، يوشي بك، يرمي بك. لربما نرى هذه الخطب الرنانة التي بها تدفع آلاف البشرية من المسلمين في أتون الحروب، فتقتل الأنفس الكثيرة، وهو لا يزال يصرح ولا يزال يتكلم، لأنه ما يرى هؤلاء شيئًا. هذا تعامله مع دماء المسلمين، فكيف يا عبد الله تأمن أن تجالس معهم؟ سيأتي يومًا من الأيام سيأتيك ضرر، لكن في وقت لا يفيد فيه الندم. فحرص يا عبد الله، أهرب، لا تجالس، لا تصاحب، لا تخالط هؤلاء، فإن الشر يعم والخير يخص. كذا إخواني في الله، فيما مضى ذكره في هذه المقامات نعلم ونتعرف حقيقة ما يقوم به أهل السنة، وأن ما قاموا به من التحذير من أهل البدع، نعم هذا مما يسطر من أعظم ما ينبغي أن يشكروا عليه في كل زمان ومكان. بخلاف من يهون من شأن هذه المهمة العظيمة، بعض من يتهكم بأهل السنة يقول: «هؤلاء ما عندهم إلا الكلام في الناس». ومن تعني بالناس؟ هل أهل السنة يتكلمون غيبة ونميمة وتحريشًا بين عباد الله؟ أم يتكلمون في حق من يستحق أن يتكلم به من مبتدع، من مخذل، من معطل، من مشبه، من مفرق للأمة، من طاعن بالسنة؟ حديثهم حول هؤلاء حمي لدين الله، وحماية لشرع الله، ألا يشكرون على هذا؟ لا يعرف هذا الفضل إلا أهله، من علم عظم مقام السنة، ومن تعرف على شؤم البدعة، يعلم عظيم ما يقوم به أهل السنة، مهما قام به إلا هم يشكرون، يوضع لهم إسْم شرف على هذه المهمة العظيمة. كذلك يا عبد الله، من هذه المهام التي تستفاد من هذه السلسلة التي سمعتموها، أن تجعل هذه من الأمور المهمة التي بها تفضح هذه الفرق الضالة. ما يحتاج يا عبد الله إن كان هذا نعم يطلب أنك تبحث في أفكارها وتبحث في آرائها في كل فرق وما تصب إليه وما تقوم عليه من ثوابت ومن أركان ومن أصول. لكن كذلك مما يعينك على هدم هذه الفرق الضالة وإسقاطها من أعين الناس، ما تتعرف عليه من معاملاتهم. هذه معاملات القوم، انظر الخوارج كيف يتعاملون، انظر الروافض كيف هم في باب التعامل، انظر لأولئك وأولئك. فعندما تذكر الناس بحقائق هي من أنفسهم، أنت لن تجني عليهم كذبة ولن تتطاول على أعراضهم سفها، وإنما أنت تأتي بأشياء هي مسطرة في كتبهم وفي تراجمهم، هم يتقربون إلى الله بها، من صفاقة ألسنتهم وقلة أذواقهم وقلة أدبهم مع الله ومع رسوله ومع عامة الناس ومع أهل العلم، ومع الطعن في أصحاب رسوله، يرى هذا دينًا وعبادة. لكن يخرجونه بتأويلات، هذا يكفيك يا عبد الله، يا أيها السني، في إخراجها للناس لكي يعرف الناس حقيقة القوم. كذلك يا عبد الله، فيما ذكر من الفوائد، فيه التحذير للناشئة ممن نشأ مع هؤلاء، ومنذ نعومة أظفاره مع هؤلاء، أو احذر لا تغتر يا عبد الله بما ترى من إطالة لحيته، ومن إبرام عمامته، ومن تقصير ثوبه، ومن لحن صوته، لا تغتر بهذا. تريد أن تتعرف على القوم، انظر إلى كبرائهم، انظر إلى حياتهم، على ماذا ماتوا؟ على ماذا عمرت ذهبت أعمالهم وأعمارهم؟ فدي قل: «أنا ما أرى إلا خيرًا». قل: «نعم، أنت ما رأيت إلا خيرًا لأنك في البداية، لكن نخشى إذا كبرت وإذا شبت أن تصير إلى ترى أمورًا، لكن بعدها ما تصير أن تنسحب». كما قال ابن مسعود لأصحاب الحلق عندما رآهم يذكرون الله فقط، ما كانت عندهم سيوف ولا عندهم خناجر، ما عندهم إلا حصى يذكرون الله، سبحوا الله مئة، كبروا الله مئة، ثم ماذا قال؟ قال أبو عبد الرحمن السلمي: «قال فرأيت عامة هؤلاء يطاعنوننا، يطاعنون من يقاتلون، يقاتلون أصحاب رسول الله». بالأمس كانوا على حصى تسبيحة، ثم إذ بهم قتلا بهم الأعمار، فأصبحوا بالسيوف ذبحًا على أصحاب رسول الله. هذا شؤم البدعة، لهذا كم من ناشئة لربما يدخل في أمر البدعة وهو لا يعرف حقيقتها، لكن إذا علم وبين أن مآلات هذه البدعة ستصل إلى هذه التعاملات الخبيثة الدنيئة. كما قال إمام البربهاري رحمه الله تعالى: «قال واحذر صغار المحدثات من الأمور، فإن كل بدعة حدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بها من لا يعرفها حتى أصبحت دينا يدان الله به». هذا حال البدعة وشؤمها. أنك تدخل يا عبد الله على أنها أمر صغير يشبه الحق، ثم يا عبد الله به يكون دينًا لا تستطيع أن تنفك أو تخرج عنه. فالحاصل إخواني في الله، مما سمعناه وما تكلمنا به حول هذه المقامات حول تعامل المبتدعة مع غيرهم، فإنها من الأمور المستفادة التي يستفيدها المسلم، وخاصة أهل السنة في دينهم وفي دنياهم. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.