دروس للمبتدئين في المصطلح والتخريج 4

الدرس في دروس للمبتدئين في المصطلح والتخريج 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرط العدالة

الدرس يتناول شرط العدالة في الحديث الصحيح، حيث يشترط أن يكون راوي الحديث عدلاً استناداً إلى القرآن الكريم. العلماء أجمعوا على هذا الشرط مع اختلافهم في تحديد معنى العدالة.

تفاصيل شرط العدالة في الرواية

العدالة شرط في أداء الحديث وليس في تحمله، وتشمل أن يكون الراوي مسلما عاقلا بالغا خاليا من الفسق. الكافر والمجنون لا تقبل روايتهم.

شروط إضافية للراوي

يشترط في الراوي الإسلام والعقل والبلوغ، مع اختلاف العلماء حول سن قبول الرواية. الغفلة التي لا تؤثر على الحديث قد تسامح فيها العلماء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أقدمنا في الدرس الذي مضى شرط الاتصال، شرط الاتصال في الحديث الصحيح. اليوم، إن شاء الله تعالى، نأخذ شرط العدالة. أنا قلت لكم أن هناك خمسة شروط للحديث الصحيح لذاته: الاتصال، والعدالة، وتمام الضبط، وانتفاء العلة، وانتفاء الشذوذ. الآن نأخذ اليوم، إن شاء الله، العدالة. فالحدة أن يكون راويه عدل، لا بد أن يكون راويه عدل. وقد أجمع العلماء على ذلك، أن يكون راوي الحديث عدلا، لقول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾. أخذ العلماء من هذه الآية أن الفاسق يتبين في خبره، وأما العدل فيقبل خبره، إلا إذا دلت قرينة على التشكيك في خبره. وإلا، الأصل أن العدل يقبل خبره، وهذا بإجماع العلماء. إلا أن بعض العلماء قال: الأصل في المسلمين العدالة، ما لم يطعن فيهم. ابن حبان، أبو حاتم البستي، محمد بن حبان، صاحب كتاب صحيح ابن حبان، يرى أن الأصل في المسلمين العدالة، ما لم يكن فيهم جرحة. وهذا مذهب ابن حبان. وأيضا يشبهه قول ابن عبد البر. فلهذا تجد أنه يذكر في الثقات أناسا لا يعرفهم، ولا يعرف من وثقهم، ويجعلهم في كتابه الثقات. حتى أنه يقول: فلان لا أعرفه، ولا أعرف أباه، ويذكره في كتابه الثقات، لأجل أنه يرى أن المسلمين الأصل فيهم العدالة، ما لم يطعن فيهم، أو ما لم يستبان الجرح. لكن هذا فيه مخالفة لأكثر السلف. فالسلف رحمهم الله لا يأخذون العلم إلا عن من عرف بالعدالة، عرف بالخير. ولهذا قال أكثرهم: العلم لا يقبل حتى تعلم عدالة راويه الظاهرة والباطنة. أما العدالة الظاهرة، فمعناها استقامة الرجل على الدين، يصلي، وما يعرف عنه الفسق. هذا عدالة الظاهرة. وأما العدالة الباطنة، فقالوا: المراد بها تزكية المزكين، تزكية العلماء له. هذه العدالة الباطنة. وإلا، ما في أحد يعرف ما في باطن الشخص. فقد يكون الشخص مستقيم ظاهره، لكن باطنه الله أعلم. فالعدالة الباطنة هي تزكية المزكين، أو تزكية القاضي له، إذا قلنا بذلك. لكن هذا كلام غير صحيح. العلماء هم أعرف بهذا العلم، أعرف بمن هو عادل في الحديث، ومن ليس كذلك. فالعدل الذي يقبل حديثه هو المسلم العاقل البالغ، الخالي من الفسق وخوارم المرؤة. فالمسلم أولا يكون مسلما. العدل يكون مسلما. مسألة العدالة أو العدل المراد به أنه لا يشترط إلا في الأداء، لا يشترط العدالة إلا في الأداء، في أداء الحديث. أما تحمل الحديث، فلا يشترط العدالة. ممكن أن الإنسان يتحمل الحديث وهو كافر، مثل بعض الصحابة تحملوا بعض الحديث وهم كفار، ثم أخبروا الناس بعد إسلامهم، وقبل العلماء حديثهم. مثل طارق بن عبد الله المحاربي، رأى النبي صلى الله عليه وسلم في سوق العقاض وهو لا يزال مشركا. فالعدالة إنما تشترط في الأداء، إذا أراد أن يؤدي الإنسان الحديث. هنا نقول: لا بد من العدالة. وسيأتي إن شاء الله معنى صيغ الأداء، وصيغ التحمل. فالأداء هو عندما يؤدي الإنسان الحديث، والتحمل عندما يأخذ الحديث. فالعدالة تشترط في الأداء، إذا أراد أن يؤدي للناس الحديث، لا بد أن يكون عدلا. فالعدل، كما قلنا، قالوا: هو المسلم البالغ العاقل، الخالي من الفسق وخوارم المرؤة. أولا، المسلم، يخرج الكافر. الكافر لا يقبل حديثه، ولو حدث من الصباح إلى الليل، لا يقبل حديثه. ثم العاقل، لا بد أن يكون عاقلا. لو فيه شيء من الجنون، أو عنده عتة، أو أحمق، هذا لا يقبل حديثه. كل أنواع الجنون لا يقبل حديثهم، ما داموا مجانين. وهذا باتفاق أهل العلم. لكن اختلفوا في الغفلة. فإذا كانت الغفلة لا تؤثر على عقل هذا الشخص، وعلى حفظه، فهي لا تؤثر عليه في الحديث. المراد بالغفلة ليست غفلة الصالحين، غفلة الصالحين المراد بها الوهم والنسيان. الغفلة التي يذكرها العلماء، وأثرت على الحديث، هي غفلة الزهاد، غفلة العباد، أو كل من انصرف عن العلم. هذه تكون فيها غفلة عن العلم، أي نسيان. وأما الغفلة الطبيعية التي تكون في طبع الإنسان، فهي إن لم تؤثر على حفظه، إن لم تؤثر على حفظ الشخص، فلا بأس أنه يؤخذ عنه. مثل محمد بن جعفر، كان عنده شيء من التسامح في خلقه. هذه الغفلة ليست مذمومة، غالبا تكون شيء تسامح فيه. حتى أنهم ذكروا قصة السمك، مرة اشترى سمكا، فقال لأهله: اطبخوه. فاطبخوه، لكن رأوا أن السمك قليل، ما يكفيهم. فأصابه النوم، والجماعة أخذوا السمك وأكلوه. فلما قام، قال: أين السمك؟ قالوا: قد أكلناه. قال: والله ما أكلت. قالوا: نعم، أكلت. فأراح يديه، فرأى أن فيه ماء رائحة السمك، فقال: نعم، أكلت. فالمهم أن فيه الشاهد أن هذه الغفلة موجودة في بعض الناس، لكنها تسامح فيها. فالعلماء لم يجعلوا المغفل ممن لا يقبل حديثه، وإنما يقولون: أنه يقبل حديثه، لكن كما قلنا، الغفلة الأخرى تلك التي تؤثر على الحديث. طيب، المجنون، هذا أيضا يخرج بالعاقل. العاقل لا بد أن يكون عاقلا. الأمر الثالث، البلوغ. هذا اشترطه أكثر العلماء في الأداء، اشترطوه في أداء الحديث، وليس في تحمله. فالتحمل، أكثر العلماء يقولون: قد يكون من الصغر. ولهذا تجد العلماء يذكرون حديث محمود بن الربيع، الذي قال فيه: أذكر مجة مجني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ابن خمس سنوات. فلهذا قال كثير من العلماء: أنه يؤخذ حديث الرجل، أو حديث الشخص، ولو كان ابن خمس سنوات. وقال بعضهم: لا، إنما متى ما رشد، يؤخذ حديثه. لأن بعض الناس تجد ابن أربع سنوات، وهو يعرف تصرفاته التي يتصرف بها. فالعلماء الأفضل أن نقول: إذا رشد الإنسان، فهذا يقبل حديثه. لكن متى يؤديه؟ قالوا: يؤديه بعد البلوغ. وبعض العلماء قال: لا، يؤدي متى ما عرف وحفظ. بل بعضهم يقول: أنه لا يؤدي إلا بعد أربعين سنة، بعد ما يكتمل عقله. لكن الذي استقر عليه أكثر كلام العلماء: أنه بعد البلوغ. والأصل، كما يقول بعض العلماء، كالحافظ ابن حجر: أنه متى ما اجتمعت عند الرجل صفة التحديث والحفظ، فله أن يحدث، سواء كان بلغ أو لم يبلغ. وهذا حصل من كثير من الأئمة بعد زمن الرواية. أما في زمن الرواية، غالبا ما يحدث الشخص إلا وهو قد كبر. لأنهم تجد عندهم يطلبون العلم أولا، عندما يبلغ، يحفظ القرآن، ثم ينتقل إلى السماع، سماع الحديث. فيسمع حديث أهل بلده، يدور على المشايخ كلهم الذين في بلده. ثم إذا دار عليهم، خرج بعد ذلك، إذا كبر، يخرج في سماع الحديث. فهذه الشروط الثلاثة: أولا، الإسلام، والعقل، والبلوغ، هذا لا بد أن تكون في الراوي.