الدرس في شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يناقش الخلاف الفقهي حول ناقضية أكل لحم الإبل للوضوء، مرجحاً قول الحنابلة والمحققين بأنه ناقض لحديث جابر بن سمرة المخصص لعموم حديث ترك الوضوء مما مست النار. كما يبحث حكم لمس المرأة بشهوة، مرجحاً قول الجمهور بأنه لا ينقض الوضوء لاختصاص الآية بالجماع وثبوت لمس النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته دون تجديد وضوء.
يناقش خلاف العلماء في نواقض الوضوء، مرجحاً أن مس الذكر بغير حائل ينقض الوضوء مطلقاً كما ذهب الجمهور، بينما لا ينقض تغسيل الميت الوضوء وإنما يستحب الغسل للنظافة. وتعتبر الردة حابطة للعمل وناقضة للوضوء لكون الطهارة شطر الإيمان.
يستعرض الدرس نواقض الوضوء مبينًا قول الجمهور بأنها تنتقض بالردة، ومس الفرج، وأكل لحم الجزور، والنوم المستغرق، والخارج من السبيلين، مع اختلاف العلماء في مس المرأة، وتغسيل الميت، والدم الكثير لعدم ثبوت الدليل القوي. ويؤكد المدرس على منهج طلب العلم بالنظر في الأدلة والترجيح دون تقليد، مع التسامح في مسائل الاجتهاد.
يشرح كيفيات المسح على الخمار والعمامة وفق المذهب الشافعي والراجح، مبيناً أن المسح على الخمار المحكم يكفي دون الناصية، ويجوز المسح على الحنة والصمغ في الشعر. كما يوضح أن شرب لبن الإبل وبولها لا ينقض الوضوء، وأن شحم الإبل وكبدها وطحالها يأخذ حكم اللحم في وجوب الوضوء منه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر اللحم على سبيل التغليب.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فتكلمنا في الدرس الماضي على نواقض الوضوء، وأخذنا الخارج من السبيلين، وقلنا: هذا بإجماع العلماء، أن ما يخرج من السبيلين على وجه العموم فهو ناقض للوضوء، من بول أو غائط أو دم. وإنما اختلف في بعض الأشياء كالحصى والدود، وهذا الغالب قلنا: يخرج مبللًا فهو بمعنى الغائط أو البول. وأما الدم الكثير ونحوه، فقلنا: ما يوجد دليل على أنه ناقض للوضوء، على القاعدة المعروفة أن الناقض لا يثبت إلا بدليل من كتاب أو من سنة، ولا يوجد دليل، بل الدليل يدل على أنه غير ناقض، كحديث الأنصاري رضي الله تعالى عنه. وأخذنا زوال العقل بنوم أو غيره، وعرفنا ما معنى زوال العقل: أي ذهاب العقل بحيث لا يشعر المسلم المتوضئ ما حوله، وهذا يصدق على النوم العميق الكثير المستغرق. وعرفنا دليله: حديث صفوان بن عسال. وأما النوم الخفيف الذي يشعر النائم ما حوله، فهذا لا ينقض الوضوء، لحديث أنس: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تقطع رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. طيب، قال: رابعًا: أكلوا لحم الجزور، والمراد بالجزور أي الإبل، أكلوا لحم الإبل. وحكم لحم الإبل وقع فيه خلاف شديد بين أهل العلم لورود الأحاديث المختلفة في هذا الحكم. فذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية، وقول للحنابلة، على أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء. واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار، وفي لفظ: مما مست النار. وجه الشاهد من هذا الحديث أن هذا الحديث عام، ولم يخصص شيئًا مما تمسه النار، فيدخل في ذلك لحم الغنم، ولحم الإبل، وغيرها من اللحوم، أو مما تمسه النار. فاستدلوا بهذا الحديث على أنه لا ينقض الوضوء. والقول الثاني: وهو مذهب الحنابلة، وكذلك اختاره العلماء المعاصرون كابن باز وابن عثيمين، وشيخنا الوادعي، أنه ينقض الوضوء. أكل لحم الجزور (الإبل) ينقض الوضوء، لحديث جابر بن سمرة: «أنا أتوضأ من لحم الغنم؟ قال: لا. قالوا: أتتوضأ من لحم الإبل؟ قال: نعم». والحديث في صحيح مسلم، وجاء كذلك من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهم. ورد الحنابلة ومن ذهب إلى أن لحم الإبل ينقض الوضوء على الجمهور بأن الحديث المتقدم عام، وأما حديث جابر بن سمرة في سؤاله عليه الصلاة والسلام: «أتتوضأ من لحم الإبل؟» فهو خاص. ولذلك ذكر في حديث جابر بن سمرة لحم الغنم ولحم الإبل، فقال: «أتتوضأ من لحم الغنم؟ قال: لا، لا تتوضأ من لحم الغنم»، فهذا دل على أنه مستثنى، أما لحم الإبل فقال: «نعم»، فهو مستثنى أيضًا من العموم، من عموم حديث جابر بن عبد الله. وهذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم، فإن العام يقيد بالخاص، كما هو معلوم عند الأصوليين. فالأقرب والله أعلم قول من قال بأن أكل لحم الجزور ناقض للوضوء، لحديث جابر بن سمرة، وهو في صحيح مسلم، وسيشير إليه المصنف في هذا الكتاب. وهل يدخل في لحم الإبل الأجزاء الأخرى من الإبل من غير اللحم، كالشحم والكبد والطحال؟ هذا أيضًا ورد فيه خلاف. فمنهم من قال: داخل في الحكم، الشحم والكبد والطحال مثل اللحم، وإنما ذكر لحم الإبل على وجه الغالب، فأكثر ما يكون في الإبل هو اللحم، وهذه أشياء قليلة، فالعبرة بالكل لا بما غلب. وهذا هو الصحيح، وهو رواية عن أحمد، وهو قول ابن عثيمين. وأما الجمهور، فكذلك لا يرون الشحم والكبد ناقضًا للوضوء، لأنهم أصلًا ما يرون لحم الإبل ناقضًا للوضوء. طيب، بقي معنا لبن ومرق الإبل، هل يدخل في الحكم أو لا يدخل؟ جمهور أهل العلم كذلك على أن اللبن والمرق لا يدخل في الحكم، بل حتى من قال بأن لحم الإبل ناقض للوضوء لا يرون المرق واللبن داخلًا، لأنهم قالوا: الحديث ورد في اللحم، سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «أتتوضأ من لحوم الإبل؟» وكذلك في حديث العرنيين لما اشتكوا، فأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوال الإبل، فلو كان هذا ينقض الوضوء لنبههم على ذلك. وكونه لم ينبههم على ذلك، دل ذلك على أن الحليب (اللبن) وكذلك البول لا ينقض الوضوء. والحكم هذا عام في الذكر والأنثى، يعني لحوم الإبل من ذكر أو أنثى. فإذن الدليل دل على أن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء لحديث جابر بن سمرة. قال: «ومس المرأة بشهوة». هذه أيضًا من المسائل الخلافية التي اختلف فيها العلماء. فمذهب الشافعية أن لمس المرأة بشهوة، وهم يعبرون عنه: لمس المرأة الأجنبية. لمس المرأة الأجنبية يعني: لمس الزوجة، لمس من الزوجة، هذه الأجنبية، الأجنبية بمعنى: ليست من المحارم، ليست من المحارم. فهم يقولون: اللمس، لمس الزوجة لا يكون إلا بشهوة، لأنها موطأة رغبة الرجل، فهم يرون أن مس المرأة أي الزوجة مما ينقض الوضوء. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، ففسروا الملامسة في هذه الآية باللمس، باللمس. وذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، واختاره كثير من المحققين كالصنعاني وابن باز والألباني وابن عثيمين، وشيخنا الوادعي أيضًا، كل هؤلاء يرون أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، لا ينقض الوضوء. واستدلوا بأدلة كثيرة: أولاً، ردوا على قول الشافعية بأن الآية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فسرها ابن عباس بالجماع، وليس باللمس، كما جاء في التفاسير، وصح عنه رضي الله تعالى عنه، وهو ترجمان القرآن رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، المراد بالملامسة هنا الجماع، وليس مجرد اللمس. واستدل الجمهور أيضًا على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء بحديث جاء عند أبي داود وغيره، وهو حديث يصححه بعض العلم، ومنهم الشيخ الألباني وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم... أن عائشة سئلت، أو قالت عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بعض نسائه ثم يخرج إلى الصلاة، ثم يخرج إلى الصلاة». لكن بعض العلم أعل هذا الحديث. طيب، فرضنا أن هذا الحديث فيه علة، فبقيت أحاديث أخرى، منها ما ثبت عنه عليه وسلم أنه كان يصلي من الليل، وكانت عائشة معترضة أمامه، فإذا أراد أن يسجد غمزها بيده، غمزها، غمزها بمعنى: يعني مسها بيده حتى تبتعد عن موضع سجوده، عن موضع سجوده، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلو كان المس ينقض الوضوء، لأبطل النبي عليه الصلاة والسلام صلاته. ثم إذا الآية لم تفسر إلا بالجماع، فالأصل في الأشياء أنها غير ناقضة إلا ما ثبت بها الدليل، فالدليل هنا لا يوجد. لم يستدل القائلون بأن مس المرأة ناقض للوضوء إلا بالآية، والآية لم تفسر بالملامسة، إذن سقط الاستدلال بها، فلم يبق معهم دليل آخر، لم يبق معهم دليل آخر. فالصحيح والله أعلم أن مس المرأة بشهوة لا ينقض الوضوء، لعدم ورود الدليل، لعدم ورود الدليل، والله تعالى أعلم. ثم قال: «ومس الفرج». هذه أيضًا من المسائل التي اختلف فيها العلماء اختلافًا شديدًا، لتعارض الأدلة، القائل بالنقض والقائل بعدمه. أشهر الأقوال ثلاثة في هذه المسألة، ثلاثة أقوال: القول الأول: أن مس الذكر بدون حائل ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، وقال بهذا القول الإمام الشوكاني، وكذلك ابن باز من المعاصرين، عليهم رحمة الله جميعًا. واستدلوا بحديث بسرة بنت صفوان رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مس ذكره فليتوضأ». هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي، وصححه يحيى بن معين والإمام أحمد وغيرهما من علماء الحديث، فهو حديث ثابت: «من مس ذكره فليتوضأ»، وهو صريح في الوضوء من مس الذكر، من مس الذكر. هذه عمدة أدلتهم. القول الثاني: أن مس الذكر بدون حائل لا ينقض الوضوء مطلقًا، ليس بناقض للوضوء، وهو مذهب الحنفية، وقول بعض المالكية، وهو رواية عن أحمد، ورجحه من العلماء المحققين ابن تيمية، ومن المعاصرين العلامة ابن عثيمين، عليه رحمة الله. واستدلوا على هذا القول بحديث طلق بن علي رضي الله عنه، أنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ قال: هل هو إلا مضغة منك، أو بضعة منك؟ يعني: ما يضر، ما يضر». رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني. ورد أصحاب القول الأول (الجمهور) على هذا القول بأن هذا يحمل على أنه مس ذكره بحائل، بدليل السؤال: «سئل ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟» والغالب في الصلاة يكون المصلي متزرًا عليه ثوب. طيب، فالجمهور حملوا هذا الحديث على أن مس الذكر المراد به هو: «إنما هو بضعة منك» إنما هو بحائل. لكن هؤلاء ردوا تأويل الجمهور بأنه: إذا كان بحائل، فما فائدة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما هو مضغة منك، أو بضعة منك»؟ والحديث محتمل، لكن الحديث الأول أصرح، حديث بسرة أصرح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مس ذكره فليتوضأ»، حديث عام، حديث عام وصريح بنقض الوضوء، أما هذا فورد فيه الاحتمال، فسقط به الاستدلال، والله تعالى أعلم. وهناك قول ثالث في المسألة: وهو أن من مس ذكره بشهوة، فهذا الذي ينقض الوضوء، فهذا الذي به ينقض الوضوء، أما إذا كان بغير شهوة فلا ينتقض وضوءه. وحمل حديث بسرة: «من مس ذكره فليتوضأ» أي: بشهوة. وحمل حديث: «إنما هو بضعة منك» إذا كان بغير شهوة، مثل ما يمس الإنسان يده، بضعة منك، تمس أنفك بضعة منك، كذلك تمس ذكرك بغير شهوة، كأنك مسست يدك، لأن اليد ليس موضع شهوة. واضح. فهذا أيضًا قول ذهب إليه بعض أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني، عليه رحمة الله، وهي رواية عن مالك، وعن كذلك الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. والأحوط والأقرب والله أعلم قول الجمهور بأن مس الذكر ينقض الوضوء، لهذا الحديث، وللأحاديث كذلك الواردة في مس المرأة لفرجها، فالذكر هو في الرجل يقابل الفرج في المرأة. فقد ورد في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ». والحديث رواه الإمام أحمد، وهو حديث صحيح. فالصحيح في المسألة: أن من مس ذكره بشهوة أو بغير شهوة، بشرط أن يكون بغير حائل، يعني ليس من فوق الثوب، وأن مباشرة أو مس فرجه بغير حائل، فهذا مما ينتقض به الوضوء، للأحاديث الصريحة الثابتة في هذا الباب، والله تعالى أعلم. طيب، مسألة أخرى تتفرع من هذا: إذا مس الرجل أو المرأة ذكر غيره، ذكر، مثلا: المرأة مست ذكر زوجها، أو العكس: الزوج مس فرج زوجته، أو المرأة مست ذكر ولدها الصغير، أو فرج بنتها الصغيرة، فهل هذا مما ينتقض به الوضوء؟ خلاف أيضًا في المسألة، والصحيح التعميم. أما قوله: «من مس ذكره»، فهذا خرج مخرج العموم، أن الغالب أن الشخص يمس ذكره، ما يمس ذكر غيره، لكن العلة موجودة، العلة موجودة، فمن مس ذكر غيره كذلك يشمله هذا الحكم، والله تعالى أعلم، يشمله هذا الحكم، والله تعالى أعلم. قال: «وتغسيل الميت». هذه المسألة أيضًا ورد فيها خلاف بين أهل العلم: من غسل ميتًا، هل ينتقض وضوءه أو لا ينتقض؟ هذا أيضًا ورد فيه خلاف بين أهل العلم، ومبنى هذا الخلاف على ورود الحديث، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ»، وهو حديث صحيح. فلذلك اختلف العلماء فيمن غسل ميتًا، فبعض أهل العلم، وهو قول جمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، ورواية عن أحمد، يقولون بعدم النقض، أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء. اللي قالوا: لم يصح في وجوب الغسل أو نقضه شيء. أما حديث: «من غسل ميتًا فليغتسل»، حمل الجمهور هذا الحديث على الاستحباب، وليس على الوجوب، لأن الغسل... لأن الميت قالوا: طاهر، كما مر معنا، حيًا وميتًا، المؤمن طاهر حيًا وميتًا، فما هي العلة في كون وضوءه ينتقض؟ وإنما حمل العلماء الغسل أو الوضوء لمن غسل أو حمل الميت على الاستحباب من أجل النظافة، لأنه قد يعلق شيء في المغسل أو في الحامل، أو يصاب بشيء مما يرتد عليه من تغسيله للميت، فقالوا: هذا على سبيل الأدب والنظافة، فيكون من باب الاستحباب. وذهب الإمام أحمد، وهي الرواية المشهورة عنه، إلى وجوب الغسل، وأن الوضوء ينتقض بتغسيل الميت، بتغسيل الميت، للحديث المتقدم. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لعدم التصريح في الحديث بأنه ينقض الوضوء، وإنما يغتسل، فيحتمل أنه من باب النظافة، وليس من باب نقض الوضوء، والله تعالى أعلم. وأما قوله: «والردة»، وهي تحبط الأعمال كلها. وهذه المسألة أيضًا اختلف فيها العلماء: إنسان كان مؤمنًا على وضوء، ثم ارتد، ارتد ساعة، ساعتين، ثم أراد أن يعود إلى الإسلام، فأتى بالشهادة ورجع، هل يكتفي بالوضوء الأول، أو نقول له: لا، اذهب وتوضأ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة. فذهب المالكية والحنابلة، وهو وجه من مذهب الشافعي، أن الردة تنقض الوضوء، واختار ذلك من المحققين ابن تيمية، ومن المعاصرين الشيخ ابن باز، أن من ارتد فقد انتقض وضوءه. واستدلوا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، قالوا: والطهارة من الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان». فالله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، وأيضًا في قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، والطهارة من العمل، فتنتقض بالردة، ينتقض هذا العمل بالردة، كما أن غيره من الأعمال ينتقض بالردة. واستدلوا أيضًا بحديث أبي مالك: «الطهور شطر الإيمان»، فقالوا: إذن الطهور من الإيمان، فإذا ذهب الإيمان، إذن ذهب الطهور، إذا ذهب الإيمان بالكفر، ذهب الإيمان بإيش؟ بالطهور. والقول الثاني: أن الردة لا تبطل الوضوء، وهذا مذهب الحنفية والشافعية، وهو قول للمالكية، واختار ابن حزم، وابن عثيمين هذا القول، هذا القول. واستدلوا... إلا بقول الله سبحانه وتعالى... يعني في الآية التي يقول الله عز وجل فيها: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾... في قوله سبحانه وتعالى في ذكر الموت بعد الكفر، في ذكر الموت بعد الكفر، آية وردت أستحضرها الآن، يعني ذكر فيها حبط الأعمال إذا مات: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، نعم، ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾. قالوا: نعم، هذا الوضوء يعني ينتقض إذا مات، أما إذا لا يزال على قيد الحياة، فالطهارة ثابتة له، ثابتة له. لكن يرد عليهم أن الآية إنما ذكرت في العقاب إذا مات وهو كافر، فإنه يعذب، أما إذا كفر ثم أسلم، فالإسلام يجب ما قبله، الإسلام يجب ما قبله. فقول الجمهور، والله أعلم، وهو أن الردة تنقض الوضوء، هو الأقرب، هو الأقرب، والله تعالى أعلم. طيب، هنا ذكر تنبيه الشارح، قال: «تنبيه: الصحيح: النائم الكثير، ومس المرأة، ومس الفرج، وتغسيل الميت لا تنقض الوضوء». ونحن خالفنا في مسألة من هذه، ما هي؟ مس الفرج. الصحيح أن مس الفرج، والله أعلم، ينقض الوضوء، لحديث بسرة بنت صفوان: «من مس ذكره فليتوضأ». وقلنا: هذه مسائل اجتهادية، هذه مسائل اجتهادية، كما سمعتم، كل بدليله، وإنما الخلاف في فهم الأدلة، ووجه الاستدلال بها، ووجه الاستدلال بها. فانظر، الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي جعل هذه كلها من النواقض: مس المرأة، تغسيل الميت، ها، والدم الكثير. لكن العلماء أخذوا من هذا، وردوا على حسب ما وصل إليه اجتهادهم. فما ذكره المؤلف: أن الدم الكثير، ومس المرأة، كما بينا، وتغسيل الميت، أنه صحيح أنها غير ناقضة، لأن الأدلة لا تسعفها، والله أعلم. أما مس الفرج، فقول الجمهور أنه ينقض الوضوء، لحديث بسرة، والله تعالى أعلم. قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، هذا دليل على الخارج من السبيلين، وهو الغائط، واستدل بهذه الآية أيضًا على مس المرأة، وذكرنا أن الآية حملت على الجماع، وليس على المس. قال: «وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أتتوضأ من لحوم الإبل؟ فقال: نعم». رواه مسلم. هذا دليل على أن أكل لحم الجزور مما ينقض الوضوء، وهو حديث جابر بن سمرة، كما تقدم معنا. وقال: «في الخفين». ولكن من غائط وبول ونوم، هذا دليل على أن ما يخرج من السبيلين من غائط وبول ينقض الوضوء، وكذلك النوم مما ينقض الوضوء، وهو حديث صفوان بن عسال. ولم يذكر أدلة، مثلا: الدم الكثير، لأنه كما ذكرنا لا يوجد دليل في الحقيقة، وكذلك لم يذكر حديث مس الفرج، وقد ذكرناه، وهو حديث بسرة بنت صفوان، وكذلك تغسيل الميت لم يذكر الدليل، لأن قلنا: المؤلف إنما ذكر هذا الملخص للاختصار، لا للتوسع، فيعذر بهذا، والله تعالى أعلم. هذا هو ملخص ما ذكر في نواقض الوضوء. يمكن الآن نحصر ما يعني وصل إليه، يعني علمنا من النواقض: الخارج من السبيلين مطلقًا، وزوال العقل بنوم، وعرفنا ما معنى النوم، وأنه المستغرق، أو ما كان بمعناه من الإغماء أو الجنون أو السكر، وأكل لحم الجزور أيضًا لورود حديث جابر بن سمرة، ومس الفرج لحديث بسرة. هذه الأربعة التي ينتقض بها الوضوء مع أدلتها. أما الدم الكثير، ومس المرأة بشهوة، وتغسيل الميت، وأيضًا الردة، ذكرنا أنها أيضًا من النواقض، وهو قول جماعة من أهل العلم، وهو مذهب الجمهور. وأما المختلف فيه، والذي لا يكون ناقضًا لعدم قوة الأدلة: مس المرأة بشهوة، وتغسيل الميت، والدم الكثير. هذا الخلاص، والله تعالى أعلم، وبه نكتفي، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين. نعم، نعم، لا، الإنسان يعمل بما توصل إليه علمه، وبما علم من الأدلة. أنت طالب علم، لا تقلد، حاول تجمع الأدلة، وتنظر أدلة هذا وأدلة هذا، وأيش هذا، قال، وأيش هذا رد، وأيش هذا، ثم ادعُ الله أن يشرح صدرك لأحد القولين، وتعبد الله عز وجل به. أما أنك تأخذ أي قول بدون دليله، وبدون يعني الاطلاع على كلام أهل العلم، هذا هو التقليد بعينه. فهمت؟ أنتم الآن، نحن لماذا نذكر يعني مذاهب الفقهاء؟ حتى نعلم أن المسألة ليست مجمعًا عليها، مسألة مختلفة فيها، وكل أدلى بدليله، وكل يعني اجتهد بما وصل إليه علمه. وأكد المدرس: ينظر في أدلة الأطراف جميعًا، وما يترجح له، وما يصل إليه علمه، يقول به، ولا يلزم به غيرًا. لا تقلدني، ولا تقلد الشافعي، ولا مالك، ولا أحمد، وخذ من حيث أخذوا. عجبت لأقوام، أقول لهم: قال سفيان، قال الأوزاعي، وقال فلان، وقال فلان. فأنت تأخذ بالقول، ليس المرجوح، وإنما القول الراجح الذي يعني وصل إليه علمك. فإمتى هذا الآن، قد يدرسك مدرس آخر يرجح غير ما رجحه أبو معاد، فالأمر واسع، لأن قد أئمة قبلنا اختلفوا في هذا، صح؟ فما نحن إلا يعني نستفيد من كلام الأئمة، ونتعبد الله عز وجل بما نراه أقرب إلى الصواب، أقرب إلى الصواب، ولا نجزم، ولا ننكر في المسائل الخلافية الشائكة، القوية في الأدلة، ما ننكر على من أخذ بغير ما توصل إليه علمنا، والله أعلم. هكذا ينبغي أن يكون طالب العلم. طيب، لا يقلد أحد، إنما ينظر في الدليل. نعم، تضع شيخ... تضع... تضع... ذكر الشارح في الدرس أمس... آه، يعني مسحه، المسح على الخمار، المرأة، كيف هذا؟ يعني مثل ما المسح على المرأة... أيوة، الخمار، مثل ما نقول: أنت تعرف البرنوس، هذا اللي يعصب هنا، تمسح عليه، هو يكون يمسك شعرها هنا، تمام، تمسح عليه، مثل الرجل، الأصل في المسح بين المرأة والرجل يعني سواء. لكن كيف مسحه أذنيها؟ أيوة، من تحت الخمار، الخمار هو يكون هنا، بس مسدول هكذا، يكون الخمار مربوط هكذا، مربوط هكذا، كذا، مربوط ومسدول ورا، يكون وهنا عصابة تكون فيها، فيتغسل وجهها، وتمسح على الخمار، وتمسح على أذنيها، تضخل أذنيها إلى الخمار، من تحت وجهها هنا، الخمار هكذا، ما تقدر تدخل يديها في أذنيها، سهل، ما في مشكلة، لا بد من مسح الأذنين، الأذنان من الرأس، كما يوم... ما مسحت خمارها، تمسح أذنيها من داخل خمار، أول هو من داخل، إذا ما استطاعت إلا من الداخل. طيب، يعني مثلا هي كذا الآن... ها، هكذا خمار، هكذا، صح، مربوط هكذا، تمسح هكذا، وفهم، تقول: هكذا تدخل يدها في الدول، تمسح، ما في مشكلة، إن شاء الله، هذا أكثر ما يشوف... ها، هذا أكثر ما يشوف، ما يشوف، ما رأيه، ما يعني، ما يظهر، ما لا يعني، يمسح من الأذنين، تمام، أيوة، تمسح بأذنيها من داخل الخمار، لا بس، نعم، لأن المسح على الرأس فقط، أما الأذنان ما تمسح عليها بالخمار. نعم، هذا قلنا على مذهب الشافعية، في مذاهب فيها ذكرناها، لكن الصحيح أنه يمسح على ثلاث كيفيات: أخذنا المسح على الشعر فقط، والمسح على الناصية والإكمال بالعمامة، والمسح على العمامة كاملًا دون الناصية. فإذا كان محكم الخمار محكم، تمسح على الخمار فقط، والله ما يحتاج تمسح على الناصية، فيمتى؟ نعم، ومثله إذا كان في صمغ، أو في حنة في الشعر، يجوز أن يمسح على الحنة، لأن حكمه حكم العمامة والخمار، وأجاز العلماء ذلك. مام، عندك سؤال لعبد الرحمن؟ لا ينقض الوضوء إذا شربته، لا ينقض الوضوء، لا البول، ولا اللبن، لأن الشحم هذا من اللحم، يعتبر حكم حكم اللحم، الشحم والكبد والطحال، لما فيه عظم وما فيه لحم، هذا... لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر اللحم على سبيل التغليب، فالكبد والشحم هو بين اللحم. لكن البول لا، البول والحليب يشرب دون أن تذبح الإبل، صح، ما فيه لحم عادة، إذن ما فيه شيء. شامر تعالى، هذا تبغى الأخ دائمًا يتوضأ، هذا يشتغل من حليب الإبل، فيه مشقة عليه، هذا الزبادي من الإبل هو...