التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 15

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أخلاق حامل القرآن ووجوب التميز

يجب على حامل القرآن أن يكون متميزًا بأخلاقه، فيلجأ إلى الله ولا يتطلع إلى ما في أيدي الناس ويكون قدوة لغيره. ينبغي له أن يعمل بالقرآن ويتجنب الغفلة.

التحذير من الغفلة واستغلال الدين للدنيا

ينبغي لحامل القرآن تجنب الغفلة والانشغال بالدنيا، ويحذر من استغلال عمل الآخرة من أجل الدنيا. كما يشدد على أهمية صلاح أهل القرآن لصلاح الناس.

تحذير من قراءة القرآن للرياء ووجوب التأسي بالنبي

يجب على حامل القرآن أن يتوسل بالقرآن إلى الله ولا يسأل به الناس، ويتأسى بالنبي في حمل القرآن ويقدم الآخرة على الدنيا. يحاسب حملة القرآن يوم القيامة على حفظهم لكلام الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمفسدين، وعلى آله وصحبه الأجمعين. قال الإمام المحدث محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في كتابه "أخلاق حملة القرآن": قال محمد بن الحسين: هذه الأخبار كلها تدل على ما ذكرناه سابقًا من أن أهل القرآن ينبغي أن تكون أخلاقهم متميزة عن أخلاق غيرهم ممن لم يعلموا ما يعلمون. إذا نزلت بهم الشدائد، لجأوا إلى الله الكريم فيها، ولم يلجأوا إلى مخلوق. وكان الله سبحانه أسبق إلى قلوبهم، لمعنى أن حامل القرآن ينبغي أن يكون عنده من التضرع إلى الله سبحانه وتعالى والتعبد له واللجوء إليه عند الشدائد وعند المصائب ما يظهر عليه أثر التوحيد وتعلقه بالله جل وعلا. لم يلجأ إلى المخلوق كحال الجهلة من الناس، الذين إذا نزلت بهم المصائب لجأوا إلى المخلوقين، وربما لجأوا إلى الأموات يدعونهم ويستغيثون بهم ويطلبون منهم كشف الكربات وفضاء الحاجات، وغير ذلك مما لا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى. بل إن حامل القرآن لا يلتجئ إلا إلى الله جل وعلا، يعلم أن الذي يكشف الكربات ويرفع المصائب هو الله سبحانه وتعالى. قال: "قد تأدبوا بأدب القرآن والسنة، وهم أعلام يبتدأ بفعالهم". يعني أن حامل القرآن يتخلق بأخلاق القرآن في عباداته ومعاملاته، وفي سائر أحواله، ويكون قدوة لغيره، يبتدأ به، بما آتاه الله سبحانه وتعالى ومن عليه، لأنه ممن وهب له هذه النعمة العظيمة. قال: "لأنهم حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون". كما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته". فلذلك أمر أن يكونوا على أحسن الأخلاق وأكرم الصفات. قال: "حدثنا القاضي جعفر بن محمد الصندفي، قال: حدثنا القاضي المزياد، قال: حدثنا عبد السلام بن صالح النيزيد، قال: سمعت غير واحد من العلماء يقول: ينبغي لحامل القرآن ألا تكون له حاجة إلى أحد من الخلق، من الخليفة فمن دونه". وينبغي أن تكون حاجات الخلق إليه، يعني يكون حامل القرآن غير متطلع إلى ما في أيدي الناس، لا يحتاج إلى ما في أيدي الناس، فلا يذل نفسه، ولو كان ذلك للسلطان أو لغيره. قال: وسمعت المغيرة يقول: "حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهر مع من يسهر". يقول: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لأن الإسلام هو القرآن والسنة، فحامل القرآن هو الذي يعمل بالقرآن، والذي من الله عليه بحفظه وتلاوته والعمل به، فهو يعمل براية الإسلام ويمثل الإسلام. ينبغي أن يكون قدوة لغيره، قدوة حسنة يقتدى به، فلا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهر مع من يسهر، يعني من في غفلة وسهر ونسيان لطاعة الله وعبادة الله والدار الآخرة. بل ينبغي أن يكون مترفعًا عن ذلك. قال: "وسمعت القاسم يقول: إنما نزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس قراءته عملًا". أي ليحل حلاله ويحرم حرامه ويقف عند متشابهه، هذا معنى "ليعمل به". منزل القرآن ليعمل به، ليحل حلاله فيفعله، ويحرم حرامه فيجتنبه، ويقف عند متشابهه، فإذا فكر في آيات الله سبحانه وتعالى، يزداد بها إيمانًا، لا يتخذ القرآن عملًا يتأكل به. قال: "وحدثنا جعفر بن محمد الصندفي، قال: سمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن أبي الورد يقول: كتب حذيفة المرعشي إلى ابن أسباط: بلغني أنك برت دينك بحبتين". قال: "وقفت على صاحب لمن فقلت: بكم هذا؟ قال: هو لك بسلسل. فقلت: لا بثمن. فقال: هو لك، وكان يعرفك". يعني يعرف من أنت، أنت من أخلاق حامل القرآن، صاحب العلم. قال: "اكشف عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه للغفلة الموت، واعلم أنه من طرق القرآن ثم آثر الدنيا، لم يأمن أن يكون بآيات الله من المستهزئين". يعني احذر أن تكون من أهل الغفلة، الذين يعلقون آمالهم على الدنيا ويتركون العمل للآخرة، وربما استغلوا عمل الآخرة من أجل الدنيا. قال: "أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري، قال: حدثنا مخلد بن خالد بن يزيد بن أبي زبيب، قال: حدثنا أبو المليح، قال: كان يموت بن مهران يقول: لو صلح أهل القرآن صلح الناس". لأن أهل القرآن هم قوة الناس، وهم خيرة الناس، وإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس، لأنهم من ينظر إليهم بنظر القدوة والاقتداء. قال: "أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري، قال: حدثنا عبد بن عبد الرحيم المروزي، قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد المقري، قال: حدثنا حيوية بن شريح، قال: حدثني البشير بن أبي عمر الخولاني، قال: أن الوليد بن قيس حدثه أنه سمع بسعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يكون خلف بعد سنين يضيعون الصلاة ويتبعون الشهوات، فسوف يلقون غيًا". ثم يكون خلف يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، ويقرؤونه ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر. قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن مؤمن به. والحديث رواه الإمام أحمد وصححه علامة الألباني رحمه الله. قال: "وحدثنا بكر بن أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك بن عبد الله عن منصور عن خيثم عن الحسن، قال: مر رجل يقرأ سورة يوسف، فقام عمران يستمع لقراءته، فلما فرغ سأله: تصدقت عليه؟ فاسترجع عمران، وقال: إن لله ما أخذ وله ما أعطى". قال: "وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء قوم يقرؤون القرآن يسألون به الناس". رواه الترمذي وصححه الألباني رحمه الله. قال محمد بن الحسين: "فينبغي لمن قرأ القرآن أن يسأل الله به، يتوسل به إلى الله، لا أن يسأل الناس به". قال: "وحدثنا أبو بكر بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك بن عبد الله عن منصور عن خيثم عن الحسن، قال: كنت أمشي مع عمران بن حصين، فمررنا بسائل يقرأ القرآن، فاحتبس عمران يستمع لقراءته". فلما فرغ السائل، قال عمران: "انطلق بنا، وظل الناس كانوا مجتمعين يستمعون لقراءته، لما كان حسن الصوت". فلما سأل في الرواية، استرجع عمران، وقال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اقرؤوا القرآن واسألوا الله به، فإن بعدكم قومًا يقرؤون القرآن يسألون به الناس". قال: "وحدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد السواديقي، قال: حدثنا قدامة بن داود المصري، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا عبد الله الموهب عن الماضي بن محمد عن أبان عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بحملة القرآن يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: أنتم حفظة كلامي، آخذكم بما آخذ به الأنبياء إلا الوحي". قال محمد بن الحسين: "فينبغي لحامل القرآن أن يكون متأسيا بنبيه عليه الصلاة والسلام، متخلقا بأخلاقه". قال: "فاتقوا الله عز وجل، وأجلوا القرآن رصيدًا لكم، يعني من أن يدنسه دنس الدنيا، وتزينوا به". قال: "وبيعوا ما يفنى بما يبقى، يعني باعوا هذه الدنيا بالآخرة، واشتروا آخرة من الدنيا، وقدموا الآخرة على هذه العاجلة الفانية". انتهى هذا الباب.