الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد هذا الفصل على ضرورة أن يكون حامل القرآن ملتزمًا بأحكامه وآدابه، ويحذر من الاكتفاء بحفظ القرآن دون العمل بما فيه. كما يشير إلى أن الالتزام بأخلاق القرآن وأحكامه هو ما يميز حامل القرآن الحقيقي.
يناقش هذا الفصل أهمية الإخلاص في قراءة القرآن والتحذير من قراءته بقصد الدنيا، مستشهدًا بأحاديث نبوية وأقوال الصحابة. يبين أن النية الصالحة تجعل قراءة القرآن عبادة مقبولة عند الله.
يروي هذا الفصل تحذير النبي من قراءة القرآن دون تدبر أو عمل، ويصف هؤلاء بأنهم يمرقون من الدين. كما يحذر من الاكتفاء بقراءة القرآن دون تأثيره في القلوب والأفعال.
يوضح هذا الفصل الفرق بين منهج السلف الصالح والمتأخرين في حفظ القرآن وفهمه وتطبيقه، حيث كان السلف يجمعون بين الفهم والعلم والعمل، بينما يركز بعض المتأخرين على حفظ الألفاظ دون فهم المعاني.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشهر في الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في رسالته «أخلاق حملة القرآن»: «قال: إن مرض أحد أبناء الدنيا أو ملوكها، فسأله أن يختم عليه، سارع إليه وسر بذلك؛ يعني فرح بذلك حتى ينال شيئا مما عنده من الدنيا. قال: وإن مرض الفقير المستور، فسأله أن يختم عليه، ثقل ذلك عليه؛ لأنه لا يجد عنده شيئا من متاع الدنيا. قال: يحفظ القرآن ويتلوه بلسانه، وقد ضيع الكثير من أحكامه؛ لأن عنايته هي بألفاظ القرآن وبإتلاوته دون النظر إلى معانيه ودلالاته. قال: أخلاقه أخلاق الجهال؛ أي أخلاق من أراد بالقرآن الدنيا، فإن أخلاقه أخلاق الجهال، لا يظهر عليه أخلاق حامل القرآن والتأدب بآدابه. قال: إن أكل فبغير علم، وإن شرب فبغير علم، وإن نام فبغير علم، وإن لبس فبغير علم، وإن جاء مع أهله فبغير علم. ومعنى ذلك أن أعماله كلها أو أكثرها على جهل؛ لأنه لم يهتم بالعمل بالقرآن، لم يهتم بالعمل بالقرآن، فتجد أعماله مخالفة لما يحمل من القرآن. ولهذا يوجد من حفاظ القرآن من هو من أهل البدع والأهواء، من هو من أهل البدع والأهواء، ومن ربما عنده بدع شركية، قد يكون ممن يدعو غير الله ويستغيث بغير الله ويذبح لغير الله ويتقرب إلى غير الله سبحانه وتعالى، وهو حافظ القرآن، لكنه لا يعمل به، لا يعمل به، فأعماله قائمة على الجهل؛ لأنه لم يهتم بالعمل بما يحمل من القرآن. قال: وإن صاحب أقواما أو زارهم أو سلم عليهم أو استأذن عليهم، فجميع ذلك يجري بغير علم من كتاب أو سنة؛ لأنه لم يهتم بالتأدب بآداب القرآن والسنة، وإنما همه كما مر هو إقامة ألفاظ القرآن. قال: وغيره ممن يحفظ جزءا من القرآن مطالب لنفسه بما أوجب الله عز وجل عليه من علم أداء فرائضه واجتناب محارمه، وإن كان لا يؤبه له ولا يشار إليه بالأصابع. يقول: وغيره ممن يحفظ جزءا من القرآن، شيء قليل من كتاب الله جل وعلا، ربما يحفظ جزء، لكن مطالب لنفسه؛ يعني ملزم لنفسه بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، فتجده محافظا على الفرائض والواجبات، مجتنبا للمعاصي والمحرمات، فهذا الذي يحفظ القليل من القرآن وهو يعمل بما فيه خير من ذاك الذي يحفظ القرآن كله وهو لا يعمل بما فيه؛ فإن هذا المقتصد المقتصر على القليل مع العمل خير خير من ذاك الذي عنده الكثير من غير عمل، من غير عمل. والنبي صلى الله عليه وسلم لما سأله النعمان بن مقرن رضي الله عنه قال: «يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة وأحللت الحلال وحرمت الحرام، أأدخل الجنة؟ قال: نعم». والحديث في مسلم، في رواية: «إذا صليت المكتوبة وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك»؛ يعني مراده لم يزد على ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه من الفرائض، وكذلك اجتناب المحارم، «أدخل الجنة؟ قال: نعم». قال: نعم. إذن الذي يعمل بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، وإن كان يحفظ من القرآن شيئا يسيرا، هذا خير وأفضل من الذي يحفظ الكثير وهو لا يعمل بما يحفظ. وقوله: «وإن كان لا يهبه له ولا يشار إليه بالأصابع»؛ يعني ليس له قيمة عند الناس، لا يثنى عليه ولا يمدح، لكنه مع ذلك هو أفضل من ذاك الذي يثنى عليه ويمدح وهو على غير هدى. قال محمد بن الحسين: «فمن كانت هذه أخلاقه صار فتنة لكل مفتون؛ لأنه إذا عمل بالأخلاق التي لا تحسن بمثله، اقتدى به الجهال، فإذا عيب على الجاهل، قال: فلان الحامل لكتاب الله فعل هذا، ونحن أولى أن نفعله. فيكون قدوة سيئة لهؤلاء الجهلة، إذا فعلوا شيئا مخالفا لدين الله سبحانه وتعالى، مثلا إذا كان ينام عن صلاة الفجر ويتساهل فيها، فيقال له: يا فلان، ما لك لا تحافظ على صلاة الفجر؟ فيقول: فلان الحافظ لكتاب الله ما يصلي الفجر، ما نراه في صلاة الفجر. فيكون قدوة سيئة أو فتنة لغيره، أو ربما إذا سمع شخصا يسمع الغناء فأنكر عليه، فيقول: فلان الحافظ للقرآن يسمع الغناء. فهكذا يصير فتنة وقدوة سيئة لغيره من الناس. قال: فإذا كان هذا حال حامل القرآن، إذا كان مضيعا للواجبات ومرتكبا للمحرمات، فكيف بغيره من الناس؟ وخاصة أن الناس ينظرون إليه بمنظر حسن ومنظر القدوة، فإذا كان قدوة سيئة، فلا شك أنه سيكون فتنة لغيره وشر على غيره. قال: ومن كانت هذه حاله، فقد تعرض لعظيم، وثبتت عليه الحجة، ولا عذر له إلا أن يتوب. نعم، فتعرض لعظيم؛ إذ أنه يخالف ما في كتاب الله سبحانه وتعالى، والحجة قائمة عليه؛ لأنه يحفظ القرآن، والقرآن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حجة لك أو حجة عليك؛ حجة لك إذا عملت بما فيه، وحجة عليك إذا خالفت ما فيه». قال: «وإنما حداني على ما بينت من قبيح هذه الأخلاق نصيحة مني لأهل القرآن؛ ليتعلقوا بالأخلاق الشريفة ويتجافوا عن الأخلاق الدنية؛ يتجافوا؛ يعني يبتعدوا ويجتنبوا. يريد بهذا رحمه الله النصيحة لأهل القرآن، ومن وفقه الله لحمل القرآن ولحفظ القرآن أن يعمل بهذا القرآن ويلتزم أوامره ويجتنب نواهيه ويعمل بما فيه. قال: والله موفقنا وإياهم للرشاد. واعلموا رحمنا الله وإياكم، أني قد رويت فيما ذكرت أخبارا تدل على ما كرهته لأهل القرآن، فأنا أذكر منها ما حضرني؛ ليكون الناظر في كتابنا ينصح نفسه عند تلاوته القرآن، فيلزم نفسه الواجب. والله تعالى الموفق». يعني بعد أن ذكر شيء من أخلاق السيئة التي ينبغي أن يجتنبها حامل القرآن، سيذكر بعض الأدلة من السنة ومن آثار السلف الدال على ذم هذه الأخلاق، وكذلك البعد عنها. قال: «حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن شعبة، عن سعيد الجريري، عن أبي نظرة، عن أبي فراس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لقد أتى علينا حين، وما نرى أن أحدا يتعلم القرآن يريد به إلا الله تعالى. أتى علينا حين؛ يعني زمن، ويريد بذلك زمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. قال: وما نرى أن أحدا يتعلم القرآن يريد به إلا الله؛ يعني ما كان أحد يطلب القرآن إلا يريد ما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر والثواب، ولا يريد به الدنيا. قال: فلما كان هاهنا بآخرة؛ يعني في الزمن المتأخر، قال: خشيت أن رجالا يتعلمونه يريدون به الناس وما عندهم؛ يعني من الدنيا. قال: فأريدوا الله تعالى بقراءتكم وأعمالكم؛ يعني احرصوا على الإخلاص في أعمالكم وفي حفظكم للقرآن، أن يكون مرادكم ما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر والثواب، وهكذا في سائر أعمالكم، احرصوا على إصلاح النية وحسن القصد والإرادة، وأن يكون مرادكم الآخرة. قال: فإنا كنا نعرفكم إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله من أخباركم؛ يعني بذكر شيء من صفات أهل النفاق، كما حصل في زمن نبي عليه الصلاة والسلام، حين أنزل الله عز وجل سورة التوبة التي فضح الله عز وجل فيها المنافقين بأوصافهم، ومنهم ومنهم، حتى سميت هذه السورة بالفاضحة، وكان ذلك في زمن الوحي. قال: فأما اليوم، فقد مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانقطع الوحي، وإنما أعرفكم بما أقول من أعلن خيرا أحببناه عليه وظننا به خيرا، ومن أظهر شرا أبغضناه عليه وظننا به شرا. سرائركم فيما بينكم وبين ربكم عز وجل؛ يعني يقول: أما الآن وقد انقطع الوحي، وليس هناك وحي ينزل يبين صفات أهل النفاق ومن يبطن الشر والسوء ويظهر الخير، فإننا نأخذكم، بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر خيرا، فإننا نحمله على الخير، ومن أظهر شرا، فإننا نحمله على الشر، فليس لنا منكم إلا الظواهر. وجاء في صحيح البخاري نحو هذا عن عمر رضي الله عنه، أنه قال: «إن ناسا كانوا يوقظون بالوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، ومن أظهر لنا سوءا لم نقربه ولم نؤمن وإن أظهر لنا ماذا، وإن قال: إن سريرته حسنة، وإن قال: إن سريرته حسنة؛ يعني من أظهر الشر والسوء وقال: أنا نية صالحة ونية طيبة وسريرتي حسنة، ما نصدقه، نحمله ونحكم عليه بما ظهر من أقواله وأعماله». قال: «حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى بن سليمان المروزي، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد العيشي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا الجريري، عن أبي نظرة، أن عمر بن الخطاب قال: يا أيها الناس... وذكر نحو حديث الفريابي. قال محمد بن الحسين: «فإذا كان عمر بن الخطاب قد خاف على قوم قرأوا القرآن في ذلك الوقت بميلهم إلى الدنيا، فما ظنك بهم اليوم؟»؛ يعني هذا في زمانه رحمه الله، والإمام الآجري في القرن الرابع، يقول هذا. إذا كان هذا في زمن عمر رضي الله عنه، وما زال الخير فيه كثير، هو يقول هذا، فكيف بزمن المصنف رحمه الله؟ فكيف بزمننا هذا؟ كيف بزمننا هذا؟ فلا شك أن ميل كثير ممن يأخذ القرآن إلى الدنيا كثير، نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية. قال: «وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون أقوام يقرؤون القرآن، يقيمونه كما يقيمون القدح، والقدح؛ أي السهم. والمعنى أنهم يقيمونه أو يتلونه ماذا؟ تلاوة تامة، يحسنون نطقه وألفاظه وقراءته. قال: ويتعجلونه ولا يتأجلونه؛ يعني يطربون به عاجلة الدنيا، ولا يطربون به الآخرة؛ أي يريدون به الدنيا ونيل شيء من متاع الدنيا، ولا يريدون به الآخرة؛ أي الأجر والثواب عند الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء حالهم كما قال الله جل وعلا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾. قال: «حدثنا أبو محمد الحسن بن علوي القطان، قال: حدثنا خلف بن هشام البزار، قال: حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن حميد الأعرج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعجمي والأعرابي. قال: فاستمع، فقال: اقرأوا، فكل حسن. سيأتي قوم يقيمونه كما يقيمون القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه». والحديث رواه أبو داود رحمه الله في سننه، وهو صحيح، قَصَرَه علام الألباني رحمه الله. يقول جابر رضي الله عنه: «خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعجمي والأعرابي؛ يعني فينا من هو من الأعراب، ومن هو من العجم، وكل يقرأ على حسب استطاعته، فمنهم الذي يجيد القراءة ويحسنها، ومنهم الذي دون ذلك في قراءة القرآن، ربما يتعتع في قراءته. فاستمع النبي عليه الصلاة والسلام لقراءة هؤلاء وهؤلاء، ثم قال: اقرأوا، فكل حسن. اقرأوا، فكل حسن؛ كل يقرأ على حسب ما يستطيع، فالذي لا يحسن تلاوة القرآن، فإن له أجران؛ كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أجر التلاوة وأجر المشقة، وهو يجاهد نفسه على إحسان التلاوة وإتقانها. والذي يحسن تلاوة القرآن ويجيده، فهو مع السفرة الكرام البررة؛ كما أخبر عليه الصلاة والسلام. وكون المسلم يتعلم تلاوة القرآن ويجيد التلاوة وإقامة ألفاظ القرآن، هذا أمر حسن وأمر مطلوب، أمر مطلوب. لكن المذموم أن يريد بذلك الدنيا، المذموم أن يريد بذلك الدنيا. لكن إذا أخلص النية وأراد ما عند الله سبحانه وتعالى، فهذا أمر يؤجر عليه. وقوله: «كما يقيمون القدح»؛ قلنا: هي السهام. والمعنى أنهم يجيدون تلاوته وقراءته، وربما يحسن أو يتقن حفظه، فلا يخطئ في قراءته للقرآن، لكن يتعجلونه ولا يتأجلونه؛ يريدون به الدنيا، عياذا بالله. قال: «حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا موسى بن عبيدة الربذي، عن عبد الله بن عبيدة، وهو أخوه، عن سهل بن سعد الساعدي قال: «بينما نحن نقترئ؛ أي نقرأ القرآن، إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود. اقرأوا القرآن، اقرأوا قبل أن يأتي أقوام يقرأونه، يقيمون حروفه كما يقام السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه». يقول سهل بن سعد رضي الله عنه: «بينما نحن نقترئ؛ نقرأ القرآن، خرج النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: الحمد لله؛ حمد الله عز وجل، أثنى عليه على هذا الخير الذي رآه من اهتمامهم بالقرآن وقراءتهم له. كتاب الله واحد؛ فالقرآن من عند الله سبحانه وتعالى، هو كلام الله سبحانه وتعالى، وإن اختلفت أجناس القارئين له، فمنهم الأحمر، ومنهم الأسود، فلا فرق ولا فضيلة ولا مزية لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، ولا أعجمي على عربي إلا بالتقوى؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا فضيلة لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى». فإن اختلفت أجناس القارئين، فالقرآن واحد. قال: «اقرأوا القرآن؛ يعني أحسنوا احسنوا قراءته، احسنوا قراءته وتلاوته، وأخلصوا في قراءته، قبل أن يأتي أقوام يقرؤونه، يقيمون حروفه؛ يعني يجيدون تلاوته ونطقه وألفاظه، كما يقام السهم؛ يعني كما يقام السهم، ليس فيه عوجاج، ولا فيه شيء من كذلك للحراف والمعنى أنهم يقيمونه إقامة تامة، بحسن التلاوة والقراءة، وعدم الخطأ واللحن في قراءته. لا يجاوز تراقيهم؛ أي ليس لهم من حظ القرآن إلا مجرد التلاوة، فالقرآن لا يجاوز حناجرهم، لا يجاوز حناجرهم؛ فليس للقرآن أثر في قلوبهم في التدبر والخشية والخوف من الله سبحانه وتعالى، وكذلك العمل بهذا القرآن في جوارحهم. يتعجلونه ولا يتأجلونه؛ وهذا من الأوصاف لذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في الخوارج، لما ذكر الخوارج، فقال: «سيكون أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فالخوارج وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يجيدون تلاوة القرآن ويحسنون قراءته، لكن لا يجاوز القرآن حناجرهم، ليس لهم من القرآن إلا الألفاظ والنطق، لكن العمل هم بعيدون عن العمل بالقرآن، بعيدون عن العمل بالقرآن. فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذر أن يكون المسلم على هذا الوصف، لا يكون له حظ من القرآن إلا التلاوة فقط والقراءة والنطق، ولا يجاوز القرآن حنجرته، بل ينبغي أن يكون القرآن أثر في قلبه وفي جوارحه، وأن يريد به ما عند الله سبحانه وتعالى في الآخرة. قال: «وحدثنا أبو محمد أيضا، قال: حدثنا الحسين بن الحسن، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن ابن الهاد، عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار، وحتى يخاض بالخيل في سبيل الله». وهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذ أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام وحصل ذلك، فتجاوز هذا الدين البحار من بعد الجزيرة حتى وصل إلى أقصى الشرق والغرب. قال: «وحتى يخاض بالخيل في سبيل الله، ثم يأتي قوم يقرؤون القرآن، فإذا قرأوه قالوا: قد قرأنا القرآن، فمن أقرأ منا؟ يعني يأتي من يفاخر بالقرآن، من أحسن منا تلاوة، من أحسن منا حفظا، من أحسن منا تجويدا. قال: فمن أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أولئك من خير؟ قالوا: لا. قال: فأولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم مقود النار». والحديث حديث حسن، حسن علام الألباني رحمه الله. وقوله: «أولئك منكم»؛ يعني من هذه الأمة، من أهل الإسلام، ومع ذلك هم يفتخرون بالقرآن، بهذا الفخر يريدون به الدنيا. وأولئك هم مقود النار؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: «أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وذكر منهم رجل تعلم العلم وحمل القرآن وقرأ القرآن، فيقول الله عز وجل: ماذا عملت؟ فيقول: يا رب، تعلمت فيك العلم، وقرأت القرآن، وعلمت الناس. فيقول الله عز وجل له: كذبت، ولكن تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، وقد قيل. ثم يؤمر به فيسحب على وجهه، يلقى في النار، عياذا بالله؛ لأنه ما أراد بأخذه للقرآن الآخرة، وإنما أراد به الدنيا. قال: «وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد، قال: أخبرنا ابن نمير، عن موسى بن عبيدة، قال: محمد بن إبراهيم، عن ابن الهاد، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... وذكر الحديث مثله. قال: «وحدثنا عبد الحميد الواسطي أيضا، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المهاجر، قال: سمعت أبي يذكر، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: «إن كنا في صدر هذه الأمة؛ يعني أمة النبي عليه الصلاة والسلام، في الجيل الأول الذي هو خير القرون. قال: وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما معه إلا السورة من القرآن، أو شبه ذلك؛ يعني معه القليل من القرآن. قال: وكان القرآن ثقيلا عليهم؛ يعني حفظ القرآن مع فهم معانيه كان ثقيلا، كان ثقيلا، وليس كل الصحابة رضوان الله عليهم حفظوا القرآن، بل الذين حفظوا القرآن بعض الصحابة، ومنهم من حفظ الكثير، ومنهم من كان يحفظ القليل. قال: ورزقوا العمل به؛ يعني مع كونهم يحفظون القليل، إلا أنهم يعملون بالقرآن. وسبب ثقل القرآن عليهم؛ لأنهم كانوا يهتمون بالعلم والعمل، لم يهتموا بحفظ القرآن فقط، لكن كانوا يهتمون بفهم معاني القرآن، ولهذا كانوا ربما يجلسون الأيام الطويلة في عشر آيات، لا يتجاوزونها حتى يعلموا ما فيها من الأحكام والمعاني، ثم إذا فهموا وعملوا تجاوزوها إلى غيرها، فلهذا ثقل على بعضهم حفظ القرآن بسبب ذلك. قال: «وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن؛ يعني يصبح حفظه سهلا خفيفا، لماذا؟ لأنهم لا يعتنون بفهم القرآن، لا يعتنون بفهم القرآن، عنايتهم بالحفظ مجرد الحفظ، فهو يقبل على الحفظ إقبالا كليا من غير فهم لمعاني القرآن، ولهذا قد يوجد كما سمعتم من حفاظ القرآن من هو مضيع للفرائض والواجبات، ربما مرتكب لشيء من المعاصي والمحرمات؛ لأن همه هو حفظ القرآن فقط، لا العمل به. قال: حتى يقرأه الصبي والأعجمي، فلا يعملون به. مفرق بين الصحابة رضوان الله عليهم وطريقتهم للحفظ، وبين المتأخرين، وكذلك طريقتهم في الحفظ، ومجرد حفظ الألفاظ دون فهم المعاني، بخلاف السلف رضوان الله تعالى عليه، فقد جمعوا بين الفهم والعلم والعمل. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.