الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 478، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع يتحدث عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، وهو صحابي من الأنصار، وروى عنه الكثير من الحديث. ذكر عمره عند وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ومدة حياته حتى وفاته في سن متقدمة.
المقطع يتناول فضل انتظار الصلاة ويذكر أحاديث نبوية تشير إلى أن من ينتظر الصلاة في المسجد فهو في صلاة. كما يذكر فوائد انتظار الصلاة، مثل استغفار الملائكة للمنتظر وتضرعها له.
أجر منتظر الصلاة كأجر المصلي ما دام ينتظرها، وهذا الأجر عظيم عند الله تعالى. يدل ذلك على أهمية الانتظار للصلاة وعدم الانشغال عنها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقلد بن هاد الوادعي رحمه الله: مسند سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما. وسهل بن سعد هو من بني ساعدة، وبن ساعدة فخذ من أفخاذ بني الخزرج من الأنصار رضي الله عنه. وسهل قد روى حديثًا كثيرًا، وأكثر من روى عنه ابنه، أقصد أبو حازم وهو سلمة بن دينار، وكذلك الزهري. وروى عنه أيضًا ابنه العباس، وعبد المهيمن. والعباس يعتبر أكبر أبنائه، ويُكنى به ابن العباس. قال بعض العلماء: إن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر الزهري، مات النبي عليه الصلاة والسلام وسهل ابن خمس عشرة سنة، ثم عُمّر إلى أن وصل إلى مئة سنة أو أكثر. ولهذا ذكر الزهري وغيره أنه آخر من مات بالمدينة، آخر من مات بالمدينة هو سهل بن سعد رضي الله عنه. وقال قتادة: جابر مات قبل الثمانين، جابر بن عبد الله مات قبل الثمانين، وسهل مات قرب التسعين. ومنهم من يقول: إحدى وتسعين سنة، أو أكثر من مئة سنة. ومنهم من يقول: ثمان وثمانين، معنى مات سنة ثمان وثمانين، أو مئة وثلاثة. فلهذا فالصحيح أن آخر من مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة هو سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما. قال الإمام النسائي رحمه الله: وسهل له إخوة أيضًا من الصحابة، منهم أبو حميد الساعدي، أبو حميد الساعدي أخوه. كذلك أيضًا أبو أسيد، أبو أسيد بن سعد الساعدي أولًا إخوة له. قال الإمام النسائي رحمه الله -نسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي- قال: أخبرنا قتيبة، قتيبة بن سعيد الثقفي البغلاني. قال قتيبة بن سعيد: حدثنا بكر، قال حدثنا بكر بن مضر، وبكر بن مضر من حفاظ أهل مصر. قال الحافظ في التقريب: ثقة ثبت. وقال الإمام أحمد: ثقة، كان رجلًا صالحًا. قال عن عياش بن عقبة، وعياش بن عقبة الحضرمي أبو عقبة الحضرمي عم عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي. والحضرمي هذا بيت كان مشهورًا في مصر، كان مشهورًا أنهم من الحضرميين الذين هاجروا أو خرجوا من حضرموت إلى مصر أو إلى المدينة، ثم أرسلهم عمر رضي الله عنه إلى مصر مع عمرو بن العاص لما فتحت مصر. وأيضًا ذهب بعضهم مع العلاء الحضرمي، وبقي أولئك في مصر، وهم كثيرون. وكثير منهم اشتهر بالعلم. قال عن عياش بن عقبة: أن يحيى بن ميمون، وأيضًا هو حضرمي مصري. قال: حدثني، قال: سمعت سهلًا الساعدي. وسهل جلس فترة في مصر، حتى قال قتادة: إنه مات بمصر. ومنهم من قال: إنه مات بالإسكندرية. والظاهر أن هذا أيضًا وهم، وإنما مات بالمدينة، وهذا الذي اشتهر، وقاله أعرف الناس به الزهري رحمه الله. قال يحيى الميموني: سمعت سهلًا الساعدي رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان في المسجد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة». قال: هذا حديث حسن. والحديث أخرجه الإمام أحمد. قال: حدثنا أبو عبد الرحمن -الظاهر أنه عبد الله بن يزيد بن المقرئ المصري- قال: حدثنا عياش يعني ابن عقبة، قال: حدثنا يحيى بن ميمون. وأبو الحسين زيد بن الحباب قال: وحدثني عياش يعني ابن عقبة، قال: حدثني يحيى بن ميمون -المعنى أن أبا عبد الرحمن المقرئ جاء وحدث بهذا الحديث من طريق عياش على طريقين، أحدهما أنه جمع بين يحيى بن ميمون وأبي الحسين زيد بن الحباب، والطريق الأخرى هي من طريق بدون ذكر زيد بن الحباب-. قال: وقف علينا سهل بن سعد، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من جلس في المسجد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة». هذا الحديث قد جاء ما يشهد له في الصحيحين، في حديث أبي هريرة: «لا يزال رجل في الصلاة ما انتظر الصلاة». جاء في رواية: «ما كانت الصلاة تحبسه». فالحديث هذا كثيرة، تبين أن من انتظر الصلاة فهو في صلاة، حتى لما حصلت المناظرة بين عبد الله بن سلام وبين أبي هريرة في آخر ساعة في يوم الجمعة -ما هي الساعة التي قال فيها النبي عليه الصلاة والسلام: «فيها ساعة ما دعا مسلم فيها، أو ما كان الرجل قائمًا يصلي يدعو، إلا استجاب الله له»- فذكر هنا الصلاة، فقال عبد الله بن سلام: وهذا ليس وقت صلاة، عند غروب الشمس ليس وقت صلاة. يريد أن يحاج أبا هريرة أن هذا الذي قاله: أنه آخر النهار أو آخر ساعة من نهار يوم الجمعة ليس وقت صلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «قائم يصلي». فقال عبد الله بن سلام: ألم تسمع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل في صلاة ما انتظر الصلاة». أو جاء في رواية: «ما كانت الصلاة تحبسه». وهذا يدل على الأجر العظيم الذي يتحصله العبد بانتظاره للصلاة. وقد جاءت الأحاديث أيضًا بأن الانتظار بالصلاة فيه فوائد عظيمة، من تلك الفوائد: أن الملائكة تستغفر للذي ينتظر الصلاة وتترحم عليه، تقول: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث». ما دام أنه منتظر الصلاة، فإن الملائكة تستغفر له وتترحم عليه. وكذلك أيضًا يدخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام: حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». يدل على أن من الرباط في سبيل الله انتظار الصلاة، من الرباط في سبيل الله أن ينتظر الرجل الصلاة، سواء كان ينتظر الصلاة في بيته لأجل مثلًا أن يؤذن، أو أنه ينتظر الصلاة في المسجد. وهذا المعنى في دخوله في هذا الحديث أولى: أنه ينتظر الصلاة وهو في المسجد. وهذا يدل على حرصه على الصلاة. ولهذا كان السلف يبكرون إلى الصلاة، وكان سفيان بن عيينة يقول: «إن كان الرجل لا يخرج للصلاة إلا إذا سمع النداء، فهو عبد آبق». معنى أنه لا يخرجه إلا متى نودي، لا يخرج لنفسه. معنى أنه لا يفعل، لا يأتي الصلاة بنفسه لحرصه، وإنما يأتي إذا نودي، مثل عبد العابق، لا يفعل شيء حتى يقال له: افعل كذا، افعل كذا. فالرجل في الصلاة ما انتظر الصلاة، وما كانت الصلاة تحبسه، فلهذا الشخص يفرح إذا كان في المسجد ينتظر الصلاة، ولا ينبغي له أن يتبرم إذا أطيل في إقامة الصلاة. بعضهم تجد في بعض مساجد العوام إذا لم تقم الصلاة في الوقت الذي يحددوه، يقيم الدنيا ويقعدها، لو تأخر الإمام دقيقتين أو أكثر قليلًا، فتجد أنه يتبرم بهذا، وهذا خطأ. وتجد أيضًا حتى بعض طلبة العلم قد يفعل هذا، وهذا خطأ. فالنبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجل وشغله وسأله عن أشياء، حتى نام الصبيان، بل خفقت رؤوس بعض الصحابة، حتى قال عمر: «يا رسول الله، قد نام النساء والصبيان». أقصد في نهاية الثلث الأول من الليل. فقال: «إنكم لستم هناك أحد في الأرض ينتظر الصلاة إلا أنتم». وذكر النبي عليه الصلاة والسلام فضل هذا الانتظار. ولولا أن نشق على أمتي لصليت بهم في هذه الساعة -في آخر الثلث الأول من الليل- فقال: «من كان في المسجد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة». وهنا قوله: «فهو في الصلاة»، المراد أجره أجر المصلي، أجره أجر المصلي، ليس المراد أن حكمه حكم الصلاة، لأنه يجوز له أن يتكلم، يجوز له أن يتلفت، يجوز له كل شيء أو أشياء تحرم في الصلاة، يجوز له أن يفعلها. فلهذا فالمراد بقوله: «فهو في الصلاة»، أو فهو معنى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهو في الصلاة»، من تضر الصلاة ومكانة الصلاة تحبسه. فالمراد أن أجره أجر من يصلي، مدام أنه منتظر للصلاة، وهذا أجره عظيم عند الله جل وعلا.