الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 479، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل أهمية علماء الحديث ودورهم في نشر السنة النبوية، مع التركيز على الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني ومنهجه في الحديث وتأثيره على الأئمة.
يشرح هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم لجبل أحد ودلالته على فضائل الصحابة، خاصة أبو بكر وعمر وعثمان، ويعدد الروايات المختلفة حول الحادثة.
يتناول هذا الفصل موقف النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان بن عفان، حيث أخبر بثباته على الحق ومقتله شهيدًا، مما يدل على بطلان الثورة عليه.
يتم في هذا الفصل ختام الحديث بالإكتفاء بما تمت مناقشته، مع التبرك بالدعاء باسم الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الرزاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، أبو بكر، وكان من حفاظ الحديث الكبار، الذي رحل إليه حتى يقال: إنه ما رحل إلى أحد مثل ما رحل إلى عبد الرزاق. قد جاء عنده أئمة الإسلام في ذلك الوقت: أحمد وعلي بن المديني، وكذلك إسحاق، وإبراهيم، ويحيى بن معين، وغيرهم من أئمة الإسلام في ذلك الوقت، جاءوا إلى اليمن إلى عبد الرزاق. وكان عبد الرزاق من حفاظ الحديث ممن أخذ الحديث عن أئمة الإسلام في عصره: مالك، والأوزاعي، والليث، ومعمر، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وابن المبارك، وغيرهم من أئمة الإسلام. وكان رحمه الله على السنة، إلا أنه تأثر ببعض من أخذ عنه من أهل البصرة في شيء من التشيع. وكان في آخر عمره يحيط به بعض أهله من أهل التشيع، حتى أدخلوا في كتبه بعض الأحاديث التي يرونها أهل التشيع. ودخلت عليه؛ لأنه قد عمي، فكانوا يدخلون على كتبه، فيظنها أنه من كتبه. ولهذا كان الإمام أحمد يقول: «عبد الرزاق بعد المئتين عمي وحدث ببواطيل، حدث ببواطيل». لكن حديثه الأول الذي كان مع أحمد وابن معين وغيرهم حديث صحيح لا شك فيه. ولهذا قال لما قيل ليحيى بن معين: قيل له إن عبد الرزاق تشيع، قال: «لو كفر عبد الرزاق ما رددنا حديثه». قال: «لو كفر عبد الرزاق ما رددنا حديثه». ويريد رحمه الله أي الحديث الذي معه، والذي كتبوه عن عبد الرزاق، فهو صحيح. أما تشيعه الآن فهو لا يضر حديثه الذي سبق. قال: أخبرنا معمر، وهو ابن راشد، أبو عروة البصري اليمني، أن أصله بصري، لكن سكن اليمن وحدث بها كثيرًا، واستفاد الناس منه. وقال بعضهم: العلم أن السنة انتشرت في اليمن في ذلك الزمن بفضل ثلاثة من أئمة الإسلام: سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، ومعمر بن راشد. ومعمر أكثرهم؛ لأنه كان جالسًا هناك، أي جالسًا في صنعاء. ومعمر -كما قال الإمام أحمد رحمه الله-: «ما قارنت أحدًا في طلب العلم بمعمر إلا وجدت معمر أطلب للعلم». يقول رحمه الله: «ما قارنت أحدًا في طلب العلم في الحرص عليه بمعمر إلا وجدت معمر أطلب منه». إنه كان طالبًا للعلم، مع أنه كان يذهب للتجارة، كان يبيع بزًا لامرأة من قريش، فكان يأخذ هذا البز ويذهب إلى القرى وإلى المدن ويطلب الحديث عند أهل الحديث. فلهذا لقي الزهري في المدينة، فأخذ كتابه، واستمع إلى العرض على الزهري، ووجده كذلك أيضًا في العراق. وأيضًا كذلك كان يجوب البلاد ببزه، وكذلك يطلب العلم، فلهذا تحصل على حديث عظيم، وروى عن أكثر التابعين من الصغار: كثابت، وقتادة، وكذلك الزهري، وأكثر عنه. وأيضًا روى عن أبي حازم، كما في هذا الحديث، وغيرهم من التابعين الصغار، أدركهم أو من أدركهم من التابعين. قال: أخبرنا معمر عن أبي حازم، وحازم هو سهل، سلمة بن دينار، وهو فقيه أهل المدينة، كان الفقهاء يجتمعون عنده. قال: عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه، وسهل -كما قلنا- من بني سعد من الخزرج. قال: «ارتج أحد، وعليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أثبت أحد، ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان». قال: هذا حديث صحيح. وأكثر الروايات التي جاءت في هذه القصة أنهم كانوا في أحد. وجاءت بعض الروايات -مثل حديث أبي هريرة في مسلم- أنهم كانوا في حرة، فقد يكون القصة تعددت. أنا قال: «أثبت حرة، فإنما عليك نبي أو صديق، أو صديق وصديق وشهيد وشهدين». وأكثر الأحاديث التي جاءت -ومنها حديث أنس في الصحيحين- أنهم كانوا على أحد، وأن الذي ارتجف أو ارتج هو أحد، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان على جبل أحد، فارتج الجبل وارتجف. فجاء في رواية -حديث أنس- أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربه برجله، وقال: «أثبت أحد، إنما عليك نبي وصديق وشهيدان، ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان». فهذا يدل على فضيلة الصديق رضي الله عنه، وكذلك عمر وعثمان. وأكثر الروايات التي جاءت أن معه عمر وعثمان، وجاءت رواية أن معه عليًا كذلك، وهي صحيحة أيضًا. وبعضهم حكم عليها بشذوذ؛ لأن أكثر الروايات التي جاءت أن معه عمر وعثمان وأبو بكر. وقد يكون حصل هذا مرة أخرى، والله أعلم. لكن الذي في الحديث أو الذي يدل عليه القصة أنه حدث مرة، وقد يكون حدث مرة أخرى ومعه أكثر من هؤلاء. فقال: «وتأحد، ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان». وهذا الارتجاف قد يكون من ثقل من كان عليه ارتج وارتجف؛ لعظمة من كان عليه، وهو نبي الله، والصديق، وعمر، وعثمان رضي الله تعالى عنهم. وقد يكون ارتجف لأمر ما، فضربه النبي صلى الله عليه وسلم برجله. وهذا فيه تكليم الجماد ومخاطبة الجماد، أحيانًا قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك أحيانًا؛ لأن الله عز وجل قد قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. فالجماد يسبح الله، وكذلك أيضًا قد يفهمه الله عز وجل الكلام، وقد أيضًا حتى يصدر منه صوتًا وكلامًا. فلهذا جاء في صحيح مسلم في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لا أعرف حجرًا بمكة ما مررت عليه إلا وسلم عليَّ، ما مررت عليه إلا وسلم علي». وكان بعض الصحابة يأكل والطعام يسبح، وكذلك أيضًا كان بعض السلف إذا دخل بيته سبحت بعض الأواني، كما حصل ذلك للمطرف بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وغيرها من هذه الأمور التي يجعل الله عز وجل الكلام من الجماد. وأيضًا كذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكلم بعض الجماد مثل هذا مثل أحد. قد جاء في صحيح مسلم أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أحد، فقال: «هذا أحد جبل يحبنا ونحبه». قال: «هذا أحد جبل يحبنا ونحبه». فدل على أن الجماد له أيضًا إرادة، وله محبة، وغيرها من هذه الأمور. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لأحد: «أثبت أحد»، معنى أثبت يا أحد، إنه يناديه: «أثبت يا أحد، إنما عليك نبي وصديق وشهيدان». وأيضًا فيه فضيلة عمر، وأيضًا الإخبار أنه سيموت شهيدًا، وكذلك عثمان؛ فإنه مات شهيدًا. وإذا كان مات شهيدًا فمعنى من ثار عليه يكون ثورتهم هذه باطلة. وأيضًا هم أعداء الله، هم أعداء الله، فلهذا صار شهيدًا. وهذا يدل على بطلان ما قاله بعض أهل التشيع، وسيد قطب، وغيرهم من مدحي والثناء على هذه الثورة التي كانت على عثمان؛ أنا أثنوا عليها، وأنها إنما حصلت لما كان في قلوبهم من غيرة على الإسلام، وهذا كذب. وإنما كان داهمهم إلى هذه الثورة هو النفاق، داهمهم إلى هذه الثورة هو النفاق الذي في قلوبهم، ليس الإيمان والغيرة، وإنما كان نفاقًا في قلوبهم. وهذا بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء عند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عثمان، إن أرادك المنافقون أن تخلع قميصًا قميصك الله إياه فلا تخلعه». إن أرادك المنافقون أن تخلع قميصًا -والمراد بالقميص الخلافة- فهم أرادوا أن عثمان يتخلى عن الخلافة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: «يا عثمان، إن أرادك المنافقون -النبي صلى الله عليه وسلم سماهم منافقين- إن أرادك المنافقون أن تخلع قميصًا قميصك الله إياه فلا تخلعه». فدل على أن عثمان رضي الله عنه كان على الحق. وأخرج الإمام أحمد أيضًا من حديث جماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاهم أن الحق مع عثمان، حتى جاء في حديث بعضهم أنه كان يقول له: «ألا نكتبك يبدأ حواله». وهو عبد الله بن حوالة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا نكتبك يبدأ حواله؟» قال: «ما أدري ما أختار الله لي ورسوله». صلى الله عليه وآله وسلم، معنى ما أدري من الذي يختار لي رسول الله، هل أكتب أو لا؟ قال: «ثم رأيت في الورقة أبو بكر وعمر، فقال اكتب يا رسول الله». أنا لما رأى أبو بكر وعمر، رأى أن الكتاب هذا في خير، فقال: «اكتب يا رسول الله». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت الفتنة فعليك بهذا الرجل». وقد مر عثمان ملثمًا، قال: «فوضعت يدي على كتفه، ثم أدرته وقلت: هذا». قال: «هذا». وهذا من أصرح الأحاديث أن عثمان كان على الحق رضي الله عنه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: «بشره بالجنة على بلوى تصيبه». فقال عثمان رضي الله عنه: «الله المستعان». طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، الله تعالى.