الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 52، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تحدث الناظم عن عودة المهاجرين إلى الحبشة بعد سماعهم بأخبار إسلام أشراف مكة، ثم عودتهم مرة أخرى بعد اتضاح كذب تلك الأخبار. كان السبب وراء عودتهم الأولى هو فرحهم بإسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب.
يتناول المقطع قصة سجود قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءته لسورة النجم، ويشرح سبب سجودهم بناءً على رواية تسمى بقصة الغرانيق. يذكر المقطع أيضًا آراء العلماء حول صحة هذه القصة.
تناول المقطع آراء العلماء حول قصة الغرانيق وصحتها، حيث ذهب بعضهم إلى أنها لم تثبت، بينما أثبتوا سجود الكفار مع رسول الله بسبب قوة وفصاحة القرآن. يرى العلماء أن سجودهم لم يكن إسلامًا بل تأثرًا ببلاغة القرآن.
المقطع يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام تواضع المتحدث واعترافه بعلم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازل مع قول المؤلف رحمه الله تعالى في منظومته: «وأربع من النساء واثنا عشر من الرجال صحب كل قد هجر إلى بلاد الحبش في خامس عام وفيه عادوا ثم عادوا لا ملام». مضى معنا ما يتعلق بمسألة الهجرة الأولى إلى بلاد الحبشة، وما يتعلق بالسبب للهجرة من مكة، ثم ما يتعلق بسبب اختيار الحبشة من بين سائر البلدان، ثم تحدثنا عن قضية التحرك من حيث الفترة الزمنية، وكم كانت العدة من عدة الرجال والنساء حين خرجوا. قد مضى ذلك معنا، وهنا نقف عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وفيه عادوا ثم عادوا لا ملام». ما معنى هذا البيت؟ قول من ناظم رحمه الله تعالى: «وفيه عادوا» أي أن هؤلاء المهاجرين الذين هاجروا إلى أرض الحبشة عادوا. عادوا من أين؟ عادوا من حبشة وأرادوا مكة، أي العودة إلى ديارهم. هذا في قوله: «وفيه عادوا». وكان هذا العود في نفس العام، في العام الخامس من بعثته عليه الصلاة والسلام. وتحديدًا قال المؤرخون أن هؤلاء المهاجرين الذين هاجروا إلى أرض الحبشة كان تحركهم في رجب، شعبان، رمضان، وفي شوال عادوا. عادوا وأرادوا العودة إلى مكة. بقي مسألة وهي: ما الذي أداهم إلى العودة والرجوع؟ ما هو السبب؟ السبب في ذلك أنهم لما كانوا في أرض الهجرة في أرض الحبشة جاءتهم الأخبار والأنباء التي تدل على تغير الأحوال وعلى تحسن الأوضاع وعلى رفع الأذى والبلاء على أهل الإسلام. فحينها فرحوا بهذه الأنباء والأخبار، فأرادوا العودة، بل عادوا. فلما عادوا على تلكم الأخبار، حتى أنهم دخلوا مكة أو قل قاربوا الدخول إلى مكة، اتضح لهم الأمر، وأن هذا لم يصح ولم يثبت منه شيء، وأن الأوضاع هي هي كانت ولا زالت من شدة الأذى والبلاء على أهل الإسلام. فماذا كان منهم؟ ما كان منهم إلا أن عادوا مرة أخرى إلى الحبشة. ولهذا قال الناظم رحمه الله: «وفيه عادوا ثم عادوا لا ملام»، أي لا لوم عليهم ولا اللوم في رجوعهم؛ لأنهم إنما جاءوا على أخبار فاتضحت أن هذه الأخبار إشاعات وإذاعات. قال العلماء: الذي بلغ أهل الحبشة من الأخبار والأنباء أولًا أن هناك أشراف وأعيان من رؤوس أهل مكة دخلوا في الإسلام. ومن رأس من أسلم من هؤلاء في هذه الفترة حمزة بن عبد المطلب، وهكذا ذكر إسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فظن أولئك المهاجرون أن بإسلام هذين الرجلين ستتغير الكفة، وأن الأذى سيقل. هذا مما بلغهم. الأمر الثاني بما يذكره العلماء مما بلغ أهل الحبشة من المهاجرين من الأخبار: ما بلغهم من أن قريشًا أسلمت، وأن قريشًا دخلت في الإسلام. وهذا هو الخبر المهم الذي فشى عندهم، وعلى إثره نزلوا. هل قريشًا أسلمت؟ جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وهو في مكة، فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون. هذا صحيح. وجاء في رواية البخاري في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة النجم سجد، فسجد كل من خلفه، إلا رجلًا من أهل قريش أخذ حفنة من تراب بكفه ووضعها على جبهته وقال: يكفيني هذا. قال ابن مسعود: ويشير إلى هذا الرجل أنه قد مات كافرًا. ومن كان أمية بن خلف. الشاهد أن هذه القصة الواقعة وقعت، وأن أهل قريش خروا سجدًا. هذا الخرور وصل عند المهاجرين بأن أهل قريش أسلمت، وأنها أذعنت للإسلام؛ لأن هذا الأمر سينتشر بين القرى والجاليات ويصل إلى بلاد الحبشة. فسمع المسلمون بهذا الخبر، فاستنتجوا على إسلام قريش، فرجعت ونزلت. إلا أن الأمر اتضح على خلاف ذلك. ما الذي اتضح؟ اتضح أن هذا السجود هو ثابت لا شك، قريش سجدت مع رسول الله، لكن لم يكن سجودهم للإسلام وإنما لأمر طارئ. فالحاصل أن الأخبار وصلت مغلوطة إلى أهل الحبشة، فعلم أن قريش رجعت إلى ما كانت عليه، فحينها عادوا. نأتي الآن إلى مسألة: لماذا سجدت قريش مع رسول الله عندما قرأ سورة النجم؟ هما أرادوا الإسلام إذن؟ لماذا سجدوا؟ هنا إخواني في الله أقوال العلماء على أمرين اثنين. نبدأ بالقول الأول وننظر ما فيه. القول الأول: قالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة النجم وبلغ عند قول الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ هنا ألقى الشيطان: ﴿وَتِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَىٰ * وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَىٰ﴾. هذه الكلمات المتسوسة هي من كلمات الشيطان. ماذا فيها؟ فيها التزكية للأصنام. نبينا قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ وألقى الشيطان وصفًا لها: ﴿وَتِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَىٰ * وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَىٰ﴾. الغرانيق هي الأصنام، وسميت بالغرانيق تشبيهًا لها بالطيور البيضاء العالية في الارتفاع. تزكية أي كأن النبي أصبح يزكي الأصنام فيقول: ﴿وَتِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَىٰ * وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَىٰ﴾. أليست هذه عقيدة الوثنيين والجاهليين؟ بل ما يعتقده الكفار قريش في الأصنام أن لها شفاعة. فلما سمعت قريش بأن هذا من قراءة رسول الله، علموا أن النبي معهم وأنه يدعو إلى عبادة الله وإلى شفاعة الأصنام. فلما سجد نبينا سجدوا معه. لماذا؟ لما سمعوه من هذه الكلمات: ﴿وَتِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَىٰ * وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَىٰ﴾. هذه القصة قال علماء: هي السبب في أن الكفار سجدوا رضًا بما سمعوه من رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا الذي يسميها العلماء بقصة الغرانيق. ما حال هذه القصة؟ جمع من أهل العلم على تحسينها، وأنها نعم ثبتت. وممن ذهب إلى هذا القول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وذكر أن لها روايات كثيرة، وإن كانت مرسلة إلا أن بعضها يشد بعض، وأنها تدل على أنها قد حصلت في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وتبعه على ذلك جماعة من العلماء كالسيوطي رحمه الله تعالى في الدر المنثور، وهكذا القسطلاني في المواهب، وهكذا الزرقاني في شرح المواهب. هؤلاء على صحة هذه القصة، لكنهم نبهوا على تنبيه مهم: كيف الشيطان ألقى هذه الكلمات؟ قالوا: إما أن الشيطان هو بنفسه قلد صوت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما يسمى بالمحاكاة. حاكى وقلد صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي ذكر نفس اللحن الذي يقرأ به نبينا الآيات، فقرأها، فسمعه من كان قريبًا منه من كفار قريش. هؤلاء سمعوا كلامًا هو لم يصدر من رسول الله. التأويل الثاني: أن الشيطان إنما أتى بهذه الكلمات في مسامع الكفار، لم يقلها نبينا، وإنما الشيطان دندن بها وقرقر بها في آذان الكفار في مجلسهم: ﴿وَتِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَىٰ * وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَىٰ﴾. ظنوها أن من رسول الله، وما نطق بها نبينا عليه الصلاة والسلام. المذهب الثاني في قصة الغرانيق: من ردها وأنكرها جملة وتفصيلًا، وأن هذا ما صار، وأن هذا ما ثبت. وما وصل أن الشيطان يدلس على القرآن، وما وصل أن الشيطان يلبس على الكفار في مثل هذه الكلمات، وما قرقرها في أذن أوليائه. أن هذا ما صار أصلًا. لماذا ما صار؟ لأن رواياتها مكذوبة، هذا ما صح لا في السيرة النبوية ولا في كتب التواريخ ولا في كتب التفاسير. ولأن الطرق التي جاءت بها هذه القصة معلولة. قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: كذب بحث موضوع. وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: لم يصح شيء من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه. وقال إمام كثير رحمه الله تعالى: كلها مرسلات منقطعات. وقد ألف العلامة الألباني رحمه الله رحمة واسعة كتابًا ورسالة بعنوان «نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق». ومن عنوانه تعلم أنه ذهب إلى بطلان هذه القصة. خلاصة هذا المبحث: أن من يذكر هذه القصة من أن الشيطان ألقى سواء كان تقليدًا أو كان تقريعًا في مسامع الكفار: ﴿وَتِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَىٰ * وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَىٰ﴾ لم يثبت بوجه من الوجوه. وهذا هو القول الثاني، وهو الصحيح. نرجع إلى أصل المسألة: هل الكفار سجدوا؟ نعم سجدوا. الكفار سجدوا، وهذا ثابت في الصحيح لا شك. بل كما قلنا أن أهل الحبشة رجعوا من حبشة لما سمعوا أن كفار قريش سجدوا مع رسول الله. إذن يبقى السؤال: لماذا سجدوا؟ هل سجدوا إسلامًا كما ظن المهاجرون من الحبشة؟ لا، ما سجدوا إسلامًا. قال العلماء: الصحيح في هذه المسألة أن الكفار سجدوا مع رسول الله لما سمعوه من قوة وفصاحة وبيان وبلاغة القرآن. القرآن قوي جدًا، العرب فصحاء، عندهم قوة في الفصاحة. ما هناك أحد يداني العرب في الفصاحة. كان الشاعر الأعرابي بإمكانه بأبيات شعرية أن يرفع قرية بكاملها. قرية يرفعها بأبيات شعرية، وبعضهم لربما ينسف قرية ويحط من قدرها بين القبائل بأبيات شعرية. قوة فصاحة الواحد كان يأتي بالمعلقات. ولهذا كان من حكمة الله أن جعل معجزة الرسول أو قل آية الرسول من جنس ما كان من تمكنهم، وهي فصاحة القرآن. تحدى الله بها العرب وهم الفصحاء، فكان القرآن قمة في البلاغة. ومن قرأ سورة النجم يجد في ذلك القوة: ﴿أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾. سجدوا من غير شعور، ما وجدوا أنفسهم إلا سجدًا لله لقوة ما أخذ القرآن بقلوبهم. هذا الذي وقع، وهذا الذي صار. ثم لما انتهوا من السجود علموا كيف هذا صار، علموا أن هذا من قوة القرآن. فرجعوا إلى ما كانوا عليه. فأسأل المولى جل في علاه أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.