الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 54، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الهجرة إلى الحبشة كانت مشروعية الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، والحرص على إقامة الدين. المهاجرون ضحوا وبذلوا في سبيل دينهم وتركوا أوطانهم وأموالهم.
النجاشي استقبل المهاجرين وأثنى عليه النبي، والمهاجرون لهم هجرتين وأثنى عليهم النبي. النبي أمر بالصلاة على النجاشي بعد موته.
النجاشي كان يعتقد العقيدة الصحيحة في عيسى، وتأثير الملك قسطنطين في تغيير عقيدة النصارى. من النصارى من يعتقد العقيدة الصحيحة.
الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي وآله وصحبه. الختام تواضع المتحدث واعترافه بعلم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا مع قول الناظم رحمه الله تعالى حين قال: ثلاثة هم وثمانون رجل، ومعهم جماعة حتى كمل وهن عشر وثمان، ثم قد أسلم في السادس حمزة الأسد. وأشرنا إلى ما يتعلق بالهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، مع التنبيه على هذه الكلمة، وهو قوله رحمه الله: ومعهم جماعة حتى كمل أو ومعهم جماعة حي كمل. وأشرنا إلى المراد المقصود على هذا المعنى، وذكرنا من أهم المسائل المتعلقة بالهجرة الثانية إلى أرض الحبشة ما كان يتعلق بالتعرف إلى الفروق بين الهجرتين، وذلك من عدة نواح: الناحية الأولى من حيث العدد، والناحية الثانية من حيث المدة الزمنية، والناحية الثالثة من حيث ردة فعل الكفار. وننتقل هنا، إخواني في الله، ولازلنا في هذا المبحث، لأن هذه من الحوادث المهمة والوقائع القوية التي ظهرت في الفترة الجهرية حين جاهر نبينا بدعوته، وهي الرحلة إلى الحبشة. مما يذكر في هذا المقام الفوائد التي يمكن أن تستفاد، ونذكرها بإيجاز وبشكل سريع. من فوائد الهجرة، إخواني في الله، ما يتعلق بمشروعية الهجرة. والهجرة بمعنى الانتقال أن تنتقل من بلد إلى بلد، وقد جاءت الشريعة بأن الهجرة على نوعين اثنين: الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، أو من بلاد الخوف إلى بلاد الأمان، كما وقع للمهاجرين إلى أرض الحبشة، حيث كانت مكة بلاد خوف، فأمرهم نبينا صلى الله عليه وسلم بالذهاب إلى الحبشة لأنها أرض أمان، وكل ذلك في سبيل إقامة الدين. ما شرعت الهجرة إلا لإقامة الدين، أن المسلمين يستطيعون أن ينتقلوا إلى بقعة يتعبدون الله جل وعلا من غير ضغط ولا إكراه. وهل يشرع كذلك الهجرة من بلاد البدعة إلى بلاد السنة؟ نعم، قيل هذا، قال بهذا جماعة من أهل العلم، كمن يكون في بلد يكثر فيها الرفض والتشيع والسب لأصحاب رسول الله والطعن في القرآن وصاحبه، فما يستطيع أن يؤدي شعائر الله وأن يظهر السنة في هذا المقام. فمن أهل العلم من شرع له الهجرة وأن ينتقل إلى بلاد السنة. وطبعا كما قلنا، وكل مسائل الهجرة تقوم على هذا الوصف، على أنك تذهب إلى بلد تؤدي شعائر الله سبحانه وتعالى. وبهذا تعلم، يا عبد الله، أن الدين هو أعظم ما تملكه في هذا الوجود. فما الفائدة؟ وما الثمرة من أنك تقبع في أرض، وأن تستميت على بلدك بحجة أنها وطن عشت وترعرعت فيها، وأنت، يا عبد الله، تضيع دينك؟ كما نرى في بعض بلاد المسلمين التي دب فيها الاحتلال، وجاء إليهم أعداء الدين، وغيروا وبدلوا في شعائر الله، حتى ظهر الخلل العظيم في هذه البلدة. وكانت فتاوى العلماء بضرورة الهجرة من تلك البلاد، إلا أن أهلها أبوا، بحجة ماذا؟ التراب. ما يغنيك شيء، يا عبد الله، التراب. فهي مكة، وهي من أحب البقاع إلى رسول الله، ومع ذلك تركت، لماذا؟ في سبيل إقامة الدين. إذن، من فوائد الهجرة، إخواني في الله، الحرص على إقامة الدين في أي بقعة. ومن ذلك شرع الهجرة كذلك. مما يذكر من فوائد الهجرة أن من اتقى الله جعل الله له مخرجا، وجعل له من كل هم فرجا. فهؤلاء الصحابة لما ضاقت بهم الأمور، وتكبدوا عناء الهجرة، جعل الله لهم الفرج، ففتحت لهم بلاد الحبشة يتمتعون فيها حيث شاءوا. ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. ما جعل الله جل وعلا هذه المكابدة لأهل الهجرة عندما تركوا الأهل والأوطان والممتلكات والأموال يذهب سدى، بل إن الله عوضهم. وهكذا فليكن، يا عبد الله، نصب عينيك، أنك مهما أدّيت طاعة الله على حساب أن تضيع شيئا من حقك ومن حظك، فاعلم أن الله عنده العوض، وأن الله عنده البدل، سواء كان في الدنيا أو كان في الآخرة. كذلك مما يستفاد من حديث الهجرة أن الصدق من جاه. وقد مر ذلك معنا عندما استدعى النجاشي الصحابة لكي يسألهم حول ما يعتقدونه في عيسى عليه السلام. وكان المسلمون يعلمون أن النصارى تغلو في عيسى، وحتى أنهم تشاوروا كيف سيكون الجواب على هذا السؤال. فما كان معهم إلا الصدق، نأتي بالصدق، نأتي بما علمنا. فكان كذلك، أنهم صرحوا لهم بأن عيسى هو عبد الله ورسوله، ليس بإله وليس برب. فكان في ذلك المنجاة من الله. كذلك من فوائد حديث الهجرة ما كان من فضائل وفضيلة النجاشي هذا الملك العادل، فإن له فضيلة عظيمة، ليس فقط في كونه ملكا لا يظلم أحدا، بل ما كان من سرعة استجابته، ما كان في سرعة استجابته وإقراره لما جاء في كتاب الله جل وعلا. ولهذا جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «مات اليوم رجل صالح، يشيع ويعزي». من تظنون هذا الذي يعزي نبينا أصحابه فيه؟ قال: «مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة». ومن أصحمة النجاشي. وقد مر ذلك معنى أن النجاش هو لقب، وأما اسمه فهو أصحمة على القول الشهير. فالنبي صلى الله عليه وسلم شهد له بالصلاح، وأيضا أمر بأن يصلى عليه. فدل ذلك على فضيلته. كذلك في هذه الهجرة، إخواني في الله، الفضيلة للمهاجرين لمن هاجر إلى الحبشة، فإن لهم الأجر ولهم الفضل بما كان من تضحيتهم، وما كان من بذلهم، بل وما كان في غربتهم. وقد أشرنا في درس سابق ودرس أمس على أن الهجرة إلى الحبشة، المكث فيها استمر سنوات. فلعظيم البذل والعطاء والتضحية كان نصيبهم عظيم الأجر والثواب. ولهذا جاء في الصحيحين من حديث أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها، وهي أحد المهاجرات ممن هاجرن إلى الحبشة. أسماء رضي الله تعالى عنها، إذ أنها قيل لها على مرجعهم من أرض الحبشة: قيل لها «نحن سبقناكم بالهجرة» -يعني بعض الصحابة يرى أن له فضل على أهل الحبشة- بماذا؟ بأننا سبقناكم بالهجرة مع رسول الله، أي إلى المدينة، ذهبنا وناصرنا وأيدنا في الغزوات. فقال بعضهم لأسماء: نحن سبقناكم بالهجرة، فنحن أولى برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، فنحن أحق برسول الله منكم. فلما سمعت أسماء هذا الكلام، جاء في الصحيحين هنا، غضبت غضبا شديدا، وأتت بكلام يدل على ما لقوه من العناء والشدة. وكان من كلامها قالت: «وكنا في أرض البعداء والبغضاء في الحبشة، وكنا... وكنا». ثم أتى لها بهذه العبارات: بأننا أحق برسول الله منكم. فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بخبر هذا الذي سمعته من بعض الصحابة. فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس بأحق بي منكم، لا ما يذكره فلان وفلان أنهم أحق بي، لا». قال نبينا: «ليس بأحق بي منكم، ولهم هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان، ولكم أهل السفينة هجرتان». فالنبي صلى الله عليه وسلم مدحهم وزكى أهل الحبشة، بل ذكر أن الله ضاعف لهم الأجر. فإذا كان من هاجر مع رسول الله إلى المدينة من أهل الهجرة، فلكم أنتم الهجرة مضاعفة. حتى قالت أسماء في تمام حديثها الذي في الصحيحين: أن من كان من المهاجرين من أهل الحبشة يتوافدون عليها، لماذا؟ لأخذ هذا الحديث الذي فيها منقبة لهم، الذي فيها منقبة لهم «أهل السفينة» أي ممن هاجر إلى الحبشة. وكذلك في هذا الحديث، إخواني في الله، فائدة في أن المسلم قد يصل به الحال إلى أن يكون في جوار كافر، كما قلنا هروبا بدينه، كأن يذهب من بلاد الخوف والشدة إلى بلاد الأمن والأمان، فيبقى في جوار كافر. لكن هل معنى ذلك، يا عبد الله، يا من تذهب إلى بلاد الكفر فرارا بدينك لما تدعيه؟ هل معنى ذلك أن تنبطح لدى الكفار بحيث تغير وتبدل أو تميع في دينك؟ الجواب: لا. أنت، يا عبد الله، كما أسلفنا، لم تشرع الهجرة إلا لإقامة الدين فقط. فإذا كانت في الهجرة والانتقال إلى بلاد الكفر ليس فيها إقامة للدين، فلا تشرع لك الهجرة، بل لا يشرع لك حتى السفر. وهذا الباب الذي ابتلينا به في مثل هذه الأزمان، مع كثرة التنقلات، مع وجود بعض الأموال لبعض المسلمين، أنه يرحل هنا ويسافر هنا وينتقل إلى بلاد الكفار، ويرى أنه فيه بحبوحة من أمره. لا، يا عبد الله، ما يجوز لك أن تنتقل إلى بلاد الكفر وأنت تعلم أن دينك هنالك سينقص، وهذا حاصل لا محالة. ما ذهب أحد هنالك إلا ونقص دينه. وكيف لا ينقص وأنت، يا عبد الله، ترى المنكرات عيانا، تراها منظمة مقننة، القوانين تؤيد زيادة الفواحش والرذائل. ولهذا في حديث جعفر بن أبي طالب لما هاجر إلى الحبشة، عند مدخلهم إلى النجاشي، كان على الأبواب كما جاء ذلك في روايات السير عند ابن سعد وعند غيره. لما دخل جعفر ومن كان معه من الصحابة، كان الناس يأمرونهم بالسجود والإنحناء للنجاشي، لأن هكذا كان من دخل ينحني ويسجد للنجاشي. فلما أمر جعفر رضي الله تعالى بالإنحناء والسجود، أبى ذلك. فلما سألهم ملك: لما امتنعتم؟ قالوا: «إننا لا نسجد إلا لله، إننا لا نسجد إلا لله». صراحة كن واضحا، يا عبد الله، في دينك، لا تغير ولا تبدل. ولهذا، إخواني في الله، الذهاب إلى بلاد الكفر إنما لإقامة الدين. فمن رأى في نفسه أن الذهاب إلى بلاد الكفر سينقص دينه، فضلا عن من يذهب دينه بالكلية، كمن يكفر ويكون نصرانيا، ويجعل له علاقات مع اليهود والنصارى، فيغير في التعامل معهم، بل يغير في عقيدته من أجل أن يساومهم، كل هذا، يا عبد الله، لا يجوز. فلا يستدل بعد ذلك مستدل بحديث النجاشي على أن جواز البقاء في جوار الكافر، وأنك تعيش في ظلهم، لا. إنما كان ذلك للحاجة الماسة، وكل ذلك في سبيل إقامة الدين. هذه، إخواني في الله، فوائد أو مسائل سريعة نذكرها في هذا الباب. تأتي هنا مسائل علمية، مسائل علمية، إخواني في الله، تذكر. والفوائد للمسائل العلمية كذلك كثيرة جدا، استدل بها العلماء رحمهم الله من قصة حديث الهجرة إلى بلاد الحبشة. ومما أذكره في هذا المقام، ولا أطيل عليكم من هذه المسائل، إخواني في الله، مسألة النجاشي رحمه الله، عندما استمع لهذه الآيات التي تتلى من سورة مريم، تأثر بها تأثرا عظيما. وعندما أخبره جعفر في المجلس الثاني على أننا نعتقد في عيسى أنه عبد ورسول لله، إذ به تقبل هذا، بل وأوضح أن هذا الذي هو الذي يعتقده، بأن عيسى ما هو إلا عبد بشر، وأن الله أنزل عليه بالوحي كما نعتقده نحن في رسول الله. وهذه العقيدة الصحيحة في أنبياء الله ورسله قاطبة. وفي هذا إشارة، إخواني في الله، إلى أن من النصارى من له عقيدة صحيحة في عيسى. وهذا يرجعنا، إخواني في الله، إلى التسلسل الزمني في عقيدة النصارى. النصارى بعدما وقع لعيسى الذي وقع، عندما وشى اليهود إلى ملكهم بعيسى وأنه يريد أن يطيح بالملك ويشعل ثورة، وكان ذلك الملك وثنيا، سارع إلى إلقاء القبض على عيسى عليه السلام، إلا أن الله نجاه، بل رفعه الله إليه. لكن في اعتقاد النصارى أن عيسى قتل وأنه صلب، هذا الذي يعتقدونه. بقي النصارى بعد ذلك فترة من الزمن، فترة من الزمن، يعتقدون أن عيسى هو عبد لله ورسوله، حتى ذكر في التاريخ أنهم جلسوا أربعة قرون، أربعة قرون منذ ميلاد المسيح عيسى إلى هذا القرن الرابع، وهم على هذه العقيدة، لا يعتقدون في عيسى إلا أنه رسول أوحى الله إليه بدين ورسالة. حتى في القرن الرابع تغيرت الأمور، جاء ذلك الملك ملك قسطنطين، أمر النصارى حينها بأن يذعنوا بعيسى بالألوهية، بأن يذعنوا عيسى بالألوهية. فأمرهم بذلك، وانتشر هذا الأمر. طبعا ليس كل النصارى انصاعوا لهذا الأمر الملكي من هذا الملك الظالم، عندما أمر بتغيير عقيدة النصارى. كانت هناك فرقة تسمى الأريوسية، الأريوسيوسية، أتباع لرجل اسمه أريوس. وكان من العباد، وكان من الزهاد، وكان ممن يعتقد العقيدة الصحيحة: بأن الله واحد فرد صمد، وأن عيسى ما هو إلا بشر. كان هذا رافضا لقضية التثليث: الإبن، أولنا الله، ثالث ثلاثة، إلى غير ذلك. فبقي هذا الرجل على العقيدة الصحيحة، فبقيت الطائفة. لكن هؤلاء استضعفوا، هؤلاء استضعفوا. ولهذا استخفوا بدينهم، لأن الكثرة المتكافرة، وخاصة أن الملوك والحكومات توالت الأجيال على الأمر والفرض باعتقاد ألوهية عيسى. فأصبح هذا المذهب ضعيفا جدا. وكان ممن أخذ هذا المذهب النجاشي. النجاشي كان يعتقد بهذه العقيدة: بأن عيسى ما هو إلا عبد لله وليس بإله. فلما سمع النجاشي بما قاله جعفر، بل بما صرح به جعفر: بأن عيسى هو عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه ألقاها إلى مريم، حين وافق الذي في عقيدته. فماذا كان؟ استجاب مباشرة. استجاب مباشرة لذلك. فهذا، إخواني في الله، ما يبين لك. أما البطارقة غضبوا، لماذا غضبوا؟ لأنهم ليسوا على هذه العقيدة، هم يعتقدون العقيدة التي اشتهرت بألوهية عيسى. لكن النجاشي كان من توفيق الله أن أبقى على هذه العقيدة، وكان متستر بها، مستخف بها. فدل ذلك على أن من النصارى من يعتقد العقيدة الصحيحة. وكان من هؤلاء الفرقة الأريوسية. طيب، نبقى إلى هذا الحد، إخواني في الله. بقيت مسائل علمية، تترك إن شاء الله في دروس قادمة، متعلقة بحديث الهجرة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.