التعليق على الجواب الكافي 166

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 166، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

آثار المحبة وأحكامها العامة

المحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام تختلف باختلاف نوعها، فالمحبة النافعة تجلب الخير وتجعل توابعها نافعة، بينما المحبة الضارة تجلب الضرر وتجعل توابعها ضارة. المحبة النافعة تكون لله عز وجل وتزيد صاحبها قربًا من الله.

أثر محبة الله على المحاب الضارة

محبة الله تملأ القلب وتزيل الفراغ الذي قد تملؤه المحاب الضارة، وتقلل من تأثير الإيمان السلبي. المحاب الضارة تحدث بسبب الجهل أو الاعتقاد الفاسد أو الهوى المذموم وتنازع محبة الله في القلب.

التأمل في عواقب إضاعة المحبة

يُنبه إلى أهمية التأمل في مصير من ضيع المحبة ويحذر من عواقب إضاعة هذه البضاعة الثمينة يوم العرض والوزن، مشيرًا إلى خطورة تضييع المحبة النافعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل آثار المحبة. آثار المحبة والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام، سواء كانت محمودة أو مذمومة، نافعة أو ضارة، من الوجد والذوق والحلاوة والشوق والأنس والاتصال بالمحبوب والقرب منه والانفصال عنه والبعد منه والصد والهجران والفرح والسرور والبكاء والحزن وغير ذلك من أحكامها ولوازمها. أولًا، المحبة لها آثار ولا شك، وسواء كانت هذه المحبة محمودة أو مذمومة فلها آثار، وسواء كانت هذه المحبة نافعة أو ضارة. ثم ذكر آثار هذه المحبة من الوجد والذوق والحلاوة والشوق والأنس والاتصال، كل هذه يجدها الإنسان في هذه المحبة. والوجد والذوق هي أفعال نفسية يجدها المحب اتجاه من يحبه، وهذه الألفاظ غالبًا غير موجودة في محبة الله عز وجل، وإنما يطلقها بعض أهل التصوف. أما الحلاوة والذوق عن الوجد لم تأت في الأحاديث، أما الذوق والحلاوة والشوق والأنس فهذه جاءت في الأحاديث. والأنس أيضًا جاء في كلام السلف. قالوا: المحبة المحبوبة أو المحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب صاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته، وهذه المحبة هي عنوان السعادة. والضارة هي التي تجلب صاحبها ما يضره في دنياه وآخرته، وهي عنوان الشقاوة. وتقدم أن محبة الله عز وجل هي أعظم المحبة وأنفعها للعبد، وهي سعادة الدنيا. وكلما زادت محبة العبد لربه جل وعلا وتعظيمه، زاد الإيمان في قلبه، وكذلك زاد الشوق إلى لقاء الله جل وعلا. وتقدم أن في حديث عمار، لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد بن معاوية وذكر دعاء طويلًا، وذكر فيه «واسألك الشوق إلى لقائك ولذة النظر إلى وجهك من غير فتنة مضلة ولا ضراء مضلة ولا فتنة مضلة». فقوله عليه الصلاة والسلام «والشوق إلى لقائه»، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك الإمام ابن القيم وغيرهما أن أعظم لذة في الدنيا هي الشوق إلى لقاء الله، أن العبد اشتاق إلى لقاء ربه جل وعلا، وأعظم لذة في الآخرة هي النظر إلى وجه الله جل وعلا. قالوا: معلوم أن الحي العاقل لا يختار محبة ما يضره ويشقيه، وإنما يصدر ذلك عن جهل وظلم. فإن النفس قد تهوى ما يضرها ولا ينفعها، وذلك ظلم من الإنسان لنفسه. وإذا أحبت النفس شيئًا يضرها كالعشق وغيره، فإنه غالبًا يتمكن في قلب الشخص. لكن الذي تمكن قلبه من محبة الله عز وجل والإيمان، فإنه يدفعه بشتى الطرق. وأما من كان قلبه خاليًا من محبة الله عز وجل، فتتمكن في قلبه هذه المحاب الضارة من العشق وغيره. فلهذا، كما قال الشعراء: «فصادفت قلبًا خاليًا فتمكنت». إذا كان القلب خاليًا من محبة الله عز وجل، ليس فيه إلا القليل من المحبة، فإن ذلك الفراغ يستغل بالباطل. وأما إن امتلأ القلب بمحبة الله وتعظيمه، فلا تجد هذه المحاب الضارة شيئًا من الفراغ في قلب المؤمن. وهذا الكلام وإن كان مثلًا ذهنيًا، لكنه واقع في الإنسان. يقع فيه في سيره إلى الله، ويجد هذا الإنسان في سيره إلى الله تدافع المحاب. فكلما دخلت عليه محبة من هذه المحاب، سواء كانت محبة ضارة أو نافعة، فإن كانت نافعة انتفع بها مع محبة الله عز وجل، وإن كانت محبة ضارة فهي تنازعه في محبة الله جل وعلا وتقلل الإيمان. فلهذا تجد أن من ينهمك مثلًا في عشق الصور، ومعنى عشق الصور من النساء وغيرها، فغالبًا يصرف عن الله وتقل محبة الله عز وجل في قلبه. قال: «فإن النفس قد تهوى ما يضرها ولا ينفعها، وذلك ظلم من الإنسان لنفسه». إما أن تكون جاهلة بحال محبوبها، بأن تهوى الشيء وتحبه غير عالم بما في محبته من المضرة، وهذا حال من اتبع هواه بغير علم. وأما عالمة بما في محبته من الضرر، لكن تؤثر هواها على علمها، وقد تترك محبتها لأمرين: اعتقاد فاسد وهوى مدموم. فيحب شيئًا لأجل اعتقاد فاسد فيعظمه، وهذا الذي يحصل لكثير من عباد القبور، فيهوى هؤلاء الأموات أو ما يسمونهم بأولياء، حتى تكون محبتهم أعظم في قلبهم من محبة الله. ولهذا، إذا قيل له: احلف بهذا الذي تعظمه الولي، فلا يستطيع أن يحلف، لكن لو قيل له: احلف بالله، لحلف عدد أيمان عظيمة. وهذا لتمكن محبة هذا الشيء لاعتقاد الفاسد فيه. قال: «وهوى مدموم، وهذا حال من اتبع الظن وما تهوى الأنفس». فلا تقع المحبة الفاسدة إلا من جهل أو اعتقاد فاسد أو هوى غالب أو ما تركب من ذلك. قال: «فأعان بعضه بعضًا، فتنفق شبهة وشهوة، شبهة يشتبه بها الحق بالباطل وتزين له أمر المحبوب، وشهوة تدعو إلى وصوله، فيتساعد جيش الشبهة والشهوة على جيش العقل والإيمان، والغالبة للأقواهما». أن كلما قوي جيش العقل والإيمان غلب جيش الشهوة والشبهة، وكلما غلب جيش الشبهة والشهوة فإنه يقل جيش العقل والإيمان. قال: إذا عرف هذا، فتوابع كل نوع من أنواع المحبة له حكم متبوعه. فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد وتوابعها كلها نافعة له. كلها توابع محبة الله عز وجل، وهي أعظم محبة التي يكون فيها سعادة العبد، توابعها كلها نافعة. فإن بكى نفعه، وإن حزن نفعه، ولهذا كان بعض السلف يظل طول وقته وهو حزين. قال سفيان رحمه الله: «قد فتت حزناه». فقالت له رابعة: «وإن كنت تقول وحزناه». وهذا من شدة خلوتها أحيانًا تختلط عليها الأمور. أن هؤلاء العابدات أو العباد كثرت اختلاؤهم وخلوتهم في العبادة أحيانًا يخلط عليهم الأمور. قال: وإن فرح نفعه، وإن انبسط نفعه، وإن انقبض نفعه. أن كل هذه الحالات تنفعه إذا كانت في الله وفي محبة الله عز وجل أو في محبة شرعية، فهو يتقلب في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوة. والمحبة الضارة المذمومة توابعها وآثارها كلها ضارة لصاحبها، مبعدة له عن ربه كيفما تقلب في آثارها ونزل في منازلها، فهو في قسوة وبعد. قال: وهذا شأن كل فعل يتولد عن طاعة أو معصية، فكل ما يتولد من الطاعة فهو زيادة لصاحبه وقرب، لأن الطاعة تولد الطاعة، وكل ما يتولد عن المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد. قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: فأخبر سبحانه في الآية الأولى أن المتولد عن طاعتهم وأفعالهم يكتب لهم به عمل صالح، وأخبر في الثانية أن أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتب لهم أنفسها. والفرق بينهما أن الأول ليس من فعلهم، وإنما تولد عنه، فكتب له عمل صالح. الضمأ والجوع وكذلك التعب، هذا كله يكتب له في أجره إذا كان في سبيل الله. والآية الثانية تبين أن العمل الصالح هذا أيضًا يكتب لهم ويجازون بأحسن ما كانوا يعملون. قال: فكتب لهم به عمل صالح، والثاني نفسه أفعال، فكتب لهم. فليتأمل قتيل المحبة هذا الفصل حق التأمل، ليعلم ما له وما عليه، سيعلم يوم العرض أي بضاعة أضاع، وعند الوزن ما كان حصلا.