الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 97، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
آمن فتية الكهف بالله وأنكروا شرك قومهم، فقرروا الفرار والاعتزال في الكهف حفاظاً على دينهم متوكّلين على الله. استجاب الله لهم فحفظهم وآواهم وجعل كهفهم ملاذاً آمناً.
تضرع الفتية إلى الله عند الشدة مفوضين أمرهم إليه، مستشهدين بأدعية الأنبياء ك يوسف وموسى، فاستجاب الله لهم وحفظ دينهم وأبدانهم. هيأ الله لهم الكهف ملاذاً محفوظاً من الشمس وجعلهم آيةً وذكرى حسنة.
هيأ الله الغار بموقع استراتيجي لا تصله الشمس وبتهوية متجددة، مما حفظ أبدانهم طوال مكثهم الطويل. تدل هذه الآيات على أن الهداية والتوفيق بيد الله وحده، فمن اتقى الله جعل له نوراً ومن أضله فلا هادي له.
أعلن المحاضر انتهاء الجلسة الحالية مؤكداً استكمال الشرح في الدرس القادم. أشار إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: يقول الشيخ العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه قصص الأنبياء في ذكر سياقه لقصة نبي الله أو لقصة أصحاب الكهف: قال الله عز وجل: ﴿ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾. علمنا فيما سبق أن هؤلاء فتية عرفوا الحق ووقر الإيمان في قلوبهم، فإذا أباحوا بما وفقهم الله إليه من هذا الإيمان أوذوا من قبل ملك هذه البلد لأنهم يعبدون غير الله، وكذلك يتوجهون إلى غير الله، فالله سبحانه وتعالى قص علينا قصتهم فربط على قلوبهم واتخذوا طريقاً به يسلمون من أذى قومهم، وكذلك يثبتون على إيمانهم. فهؤلاء قالوا: ﴿ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ﴾، أي: لما ذكروا ما منّ الله به عليهم من الإيمان والهدى التفتوا إلى ما كان عليه قومهم فقالوا: هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة، أي: من اتخاذ الآلهة من دون الله، فمقتوهم، مقتوا قومهم لا لأشخاصهم ولا لسطوتهم وإنما لعبادتهم غير الله، وبينوا أنهم ليسوا على يقين من أمرهم، يعني: هؤلاء القوم الذين أشركوا بالله ليسوا على يقين من أمرهم، ﴿ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ﴾، بل في غاية الجهل والضلال، فقالوا: ﴿ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ﴾، أي: بحجة وبرهان على ما هم عليه من باطل، وهذا فيه أن العبرة بالدليل والحجة والبرهان، فمتى أتى العامل أو المعتقد بحجة وبرهان قُبل قوله أو عمله، وإلا رد، ولا يستطيعون سبيلاً إلى ذلك، لا يستطيعون أن يأتوا ببرهان، هل هناك برهان وسلطان وعلم على الشرك؟ وإنما ذلك افتراء منهم على الله بذلك، فقالوا: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾، وهذا أعظم الظلم. ثم قرر هؤلاء اعتزال قومهم فقالوا: ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾، أي: قال بعضهم لبعض: إذا حصل لكم اعتزال قومكم في أجسامكم وأديانكم فلم يبق إلا النجا من شرهم. وهذا فيه الاعتزال عند خشية الفتنة، أما إذا كان الاختلاط بالناس ما فيه ضرر لا في الأجساد ولا في الأديان، لا بسجن ولا بضرب ولا بموت وهلاك، ولا كذلك يعني: تغير في الدين والمعتقد، فهنا من يخالط الناس خير ممن لا يخالطه، الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، لكن الأذى هذا ما يصل إلى درجة الضرر الشديد الذي به ربما ما يتحمل الداعية أو صاحب الحق هذا الأذى، لكن المراد الأذى الخفيف الذي لا يسلم منه المحق، لا يسلم منه المحق من استهزاء أو سخرية أو نحو ذلك، فقرروا الاعتزال من شرهم والتسبب بالأسباب المفضية لذلك. فقالوا: لا سبيل لهم إلا إلى قتالهم، ما يستطيعون قتالهم، وهم قلة، فتية، وعرفنا أن فتية جمع قلة وهو أقل من العشرة، وهم قلة لا سبيل لهم إلى قتالهم، ولا بقائهم بين أظهرهم وهم على غير دينهم الحق، فأووا إلى الكهف، قالوا: ما في حل إلا أن نعتزلهم فنذهب إلى الكهف نعبد الله ونمكث هناك إلى أن يفرج الله عز وجل أمرنا، فأووا إلى الكهف ينضموا إليه واختفوا فيه. ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ﴾. انظر تعلقهم بالله عز وجل وحسن ظنهم بالله سبحانه وتعالى، وهكذا كما تقدم من وقع في ضائقة أو في شدة فيعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى ويدعو الله ويلجأ إلى الله، فأصحاب الكهف فيما مضى قالوا: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾، في هذا الموضع قالوا: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ﴾، وهكذا يوسف قال: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾، وهكذا موسى قال كما مر في قصته لما جاءه رجل يسعى: ﴿ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾. نعم، فتوجه إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا كم في القرآن من نظير ذلك، من نظير ذلك. فهؤلاء قالوا هذا القول: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ﴾، قالوا فيما تقدم: أخبر أنهم دعوه بقولهم: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾، فجمعوا بين التبرؤ من حولهم وقوتهم، وهذا غاية في الذل لله عز وجل، وأنه لا حول للعبد ولا قوة إلا بالله، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله، كل هذه أصول ينبغي أن يحرص عليها المؤمن عند الشدائد والمحن والفتن: أن يتبرأ من حوله وقوته، وأن أمره كله لله سبحانه وتعالى، لا حول له ولا قوة، ثم الالتجاء إلى الله لأن يصلح أمره ويفرج همه ويثبت قدمه، هذا أيضاً من الأمور المهمة، والدعاء والثقة بالله أن الله عز وجل سيستجيب له، وأن الله سبحانه وتعالى سيحفظه، هذا أيضاً مما ينبغي أن يحرص عليه المؤمن. قال: لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته، إذن الله عز وجل لثقتهم بربهم حقق لهم هذا الأمر وهذا الدعاء، نعم، فنشر لهم من رحمته وهيأ لهم من أمرهم مرفقاً، فحفظ أديانهم وأبدانهم، حفظ أديانهم بأن عبدوا الله عز وجل واعتزلوا قومهم ولم يرجعوا ولم يفتنوا عن دينهم، وأيضاً في أجسادهم لأنهم انعزلوا عن قومهم فلم يعثر عليهم هؤلاء القوم وهم أحياء، وإنما عثروا عليهم بعد فترة طويلة، وليس الجيل الذي خرجوا في زمنه، بل في أزمان متأخرة كما سيأتي معنا، ﴿ وَنَشَرْنَا لَهُمْ مِنَ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَجَعَلْنَاهُمْ مِنْ آيَاتِنَا عَلَى خَلْقِنَا ﴾. ونشر لهم من الثناء الحسن، لا يزال الناس يذكرونهم إلى يومنا هذا، ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه كان غاية ما يمكن من الصيانة، هذا الكهف هيأه لهم بحيث أنه صار مهيئاً لمكوثهم هذه الفترة الطويلة دون تغير ودون تعف، وهذا من تيسير الله عز وجل لهم ومن تهيئة المحل لهم. لذلك قال: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ﴾، ذلك من آيات الله، ﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴾. أي: حفظهم الله من الشمس، لأن الكهف عبارة عن مغارة في جبل، له باب، له فتحة، فلا شك أن الشمس تدخل من هذه الفتحة إذا وصلت إلى جهة الباب، إلى جهة باب الغار، إلى جهة باب الكهف، فالله سبحانه وتعالى حفظهم من الشمس، فكيف ذلك؟ قال: فيسر لهم غاراً، إذا طلعت الشمس تميل عنه يميناً، يعني: ليس مقابلاً لجهة المشرق، ولا مقابلاً لجهة المغرب، يعني: الباب الآن إذا كان في... الآن من أين المشرق؟ من هذه الجهة، والمغرب من هذه الجهة، يعني: الباب ليس من هذه الجهة، وليس من هذه الجهة، إنما هو من جهة الشمال، من جهة الشمال، فيسر لهم هذا الغار، إذا طلعت الشمس تميل عنه يميناً، هذا معنى: ﴿ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ﴾، تميل عن هذا الباب يميناً، وعند غروبها تميل عنه شمالاً، فلا ينالهم حرها فتفسد أبدانهم بها، يعني: ما تصل إليهم الشمس، ما تصل إليهم الشمس، وهذا من تهيئة الله عز وجل لهم هذا المكان، ومن حفظهم، ومن حفظهم: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ﴾، أي: من الكهف، أي: مكان متسع، يعني: ليس مكاناً ضيقاً بحيث كل واحد يأتي على الآخر، وإنما هو مكان متسع، وذلك ليطرقهم الهوى والنسيم، يعني: إذا كان مكاناً ضيقاً سيكون ضعيف التهوية كما يقال، ضعيف التهوية، وكذلك الأجواء التي تكون بداخله، فكان متسعاً ليطرقهم الهوى والنسيم، ويزول عنهم الوخم والتأذي بالمكان الضيق، يعني: الروائح ونحو ذلك إنما تنبعث من المكان الضيق، من المكان الصغير، أما هذا المكان متسع فلا يكون شيء من ذلك، خصوصاً مع طول المكث كما تقدم معنا. قال: ﴿ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ الدال على قدرته ورحمته بهم، فهيأ لهم من رحمته وحفظهم، وهيأ لهم هذا المكان، وإجابة دعائهم، وهدايتهم، حتى في هذه الأمور، ولهذا قال: ﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾، هداهم الله إلى هذه الطريقة، وإلا لو مكثوا بين قومهم الله أعلم كيف سيكون حالهم، كيف سيكون حالهم، لكن الله عز وجل هداهم إلى هذا الطريق وإلى هذا الأمر الذي به سلمت أجسادهم وسلمت كذلك أديانهم، إلى سبيل... إلى نيل الهداية إلا من الله، ومن كان مع الله هداه الله إلى أقوى الطرق وإلى أيسر السبل، ولذلك ندعو في كل ركعة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾. قال: فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين، ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴾، أي: لا تجد من يتولاه ويدبره على ما فيه صلاحه، يعني: من ابتعد عن الله ولم يعلق قلبه بالله فإن الله عز وجل يضله، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، من ذا الذي يبصره؟ ومن ذا الذي يهديه؟ وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾، نعم يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله، نعم وآمنوا برسوله، ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾، نعم، ﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ﴾. هذا موطن الشاهد: ﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ﴾، فمن حقق الإيمان وحقق التقوى فإن الله عز وجل يهديه ويسر أمره، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾. ومن ضل وابتعد عن الله عز وجل فلن تجد له ولياً مرشداً، من ذا الذي يهديه؟ ومن ذا الذي يوفقه؟ قال: أي: لا تجد من يتولاه ويدبره على ما فيه صلاحه، ولا يرشده إلى الخير والفلاح، لأن الله قد حكم عليه بالضلال، ولا راد لحكمه. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم. ترجمة نانسي قنقر