الدرس في التعليق على الجواب الكافي 169، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن تفسير ابن القيم لعشق الصور في القرآن مركزًا على قصة قوم لوط، ويبين خطورة هذا العشق. يُوضح أن هذا العشق داء عضال يصعب الخلاص منه ويعتبر المثلية كفرًا بالله.
يُناقش خطورة العشق وآثاره السلبية على الفرد، حيث يمكن أن يؤدي إلى الشرك بالله ويجعله يُقدم رضا معشوقه على رضا الله. يُوضح أن العشق يمكن أن يكون كفرًا إذا وصل إلى حد تقديم محبة المعشوق على محبة الله.
يتناول علاج العشق المحرم ويشير إلى أن معرفة توحيد الله والالتزام بالعبادات والطاعات مع اللجوء إلى الله هو الحل. يؤكد على أهمية الإخلاص لله في صرف هذا الداء عن القلب.
يشرح أن العقل والشرع يهدفان إلى تحصيل المصالح وتقليل المفاسد، ويجب تحديد الراجح بين المصلحة والمفسدة واتباعه. يتطلب قرارًا علميًا وعمليًا لاتخاذ الإجراء المناسب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذكرنا في الدرس الذي مضى كلام ابن القيم في عشق الصور، وذكر أن عشق الصور في القرآن الذي ذكره الله عز وجل في القرآن نوعان، النوع الأول عشق امرأة العزيز لنبي الله يوسف عليه السلام، وذكر تفصيلا في هذا، وذكر أن مع قوة الداعي وزوال المانع إلا أن يوسف نجاه الله عز وجل من هذا. ثم ذكر وجوه عديدة تبين قوة الداعي وزوال المانع، ثم قال رحمه الله تعالى: «وهو الأمر الثاني الذي ذكره الله عز وجل في عشق الصور في القرآن هو عشق اللوطية، أي قوم لوط، وما حكاه الله عز وجل عنه». قال رحمه الله: «الطائفة الثانية الذين حكى الله عنهم العشق هم اللوطية، كما قال تعالى: ﴿وجاء أهل المدينة يستبشرون﴾ قال: ﴿إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون﴾ قالوا: ﴿أولم ننهك عن العالمين﴾ قال: ﴿هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين﴾ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾، أي: فهذه الأمة عشقت، فقوله جل وعلا: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ أي: في عشقهم، كأنه سكروا به، ولأن العشق مثل الجنون، وأيضا مثل الخمر، فلهذا قال الله عز وجل: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾». وقول الله عز وجل هنا على لسان نبي الله لوط: ﴿قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين﴾، المراد أنه، أي: ليس المراد أن الزنا -حاشاه- من ذلك، وإنما أراد الزواج، أن الله عز وجل حل لكم أن تنكحوا النساء وتتزوجوهن، وأما الرجال فلا يجوز، وهذا يدل على أن ما يقولون هذا من المثلية، هذا لا شك أنه مضاد ومحاد لكتاب الله، سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والذي يجيز مثل هذا لا شك أنه كافر بالله، الذي يجيز المثلية -سواء كان بين الرجال أو بين النساء- لا شك أنه كافر؛ لأنه أحل ما حرم الله عز وجل، ولم يختلف فيه، بل قد يكون هذا من ضرورة مما يضطر معرفته من دين الله عز وجل. قال: «فهذه الأمة عشقت، حكاه سبحانه عن طائفتين عشق كل منهما ما حرم عليه من الصور، ولم يبالي بما في عشقه من الضرر». قال: «وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه، وعز عليهم شفاؤه»، أي: هذا العشق الذي وقع فيه قوم لوط ومن تبعهم في هذا. قال: «وهو والله الداء العضال، والسم القتال، الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى خلاصه من إساره، ولشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره». ولهذا تجد أن الشخص الذي يقع في مثل هذا الداء ويعشق الأولاد وغيرها، تجد أن هذا المرض يلازمه حتى وهو كبير، يلازمه حتى وقد شاخ وكبر؛ لأنه داء قد تأصل، فخروجه من القلب لا يخرج بسهولة، بل غالبا يموت الشخص بهذا المرض وهو حامل لهذا المرض الخبيث. قال: «وهو أقسام، تارة يكون كفرا، كمن اتخذ معشوقه ندا يحبه كما يحب الله، فكيف إذا كانت محبة أعظم من محبة الله في قلبه؟». مثل ما قال ذاك: «رضاك يا أسلم خير من رضا الرب الجليل»، أو كذا، أي: يقول أن رضا هذا معشوقه أفضل عنده من رضا الله، وختم بهذه الخاتمة السيئة. قال: «فكيف إذا كانت محبة أعظم من محبة الله في قلبه؟ بل تجد أنه لا يجد في قلبه إلا معشوقه، في كل وقت يتذكره، وهذا من أعظم أو من أخبث العشق». قال: «فهذا عشق لا يغفره الله لصاحبه؛ فإنه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإنما يغفر بالتوبة الماحية من دون ما دون ذلك». ولهذا من خطر العشق أنه يجر إلى الشرك بالله والعياذ بالله، وهذا يدل على الخطر عظيم؛ فقد يستهين الشخص في بداية الأمر بهذا المرض أنه يعشق امرأة أو يعشق طفلا أو ولدا، ثم يستفحل هذا المرض فيه، فتجد أنه يجعل حياته كلها كأنه خلق لهذا الشخص. قال: «وعلامة هذا العشق الشرك الكفري أن يقدم العاشق رضا معشوقه على رضا ربه، وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحظه وحق ربه وطاعته، قدم حق معشوقه على حق ربه وآثر رضاه على رضاه». حتى لو يعلم أنه حرام يفعله لأجل أن معشوقه أراده. قال: «وبذل له أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه إن بذل أردى ما عنده، واستفرغ وسعه في مرضات معشوقه وطاعته والتقرب إليه، وجعل لربه إن أطاعه الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته». فتأمل حال أكثر عشاق الصور، هل تجدها إلا مطابقة لذلك؟ قال: «ثم ضع حالهم في كفة وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، ثم زن ما يرضي الله ورسوله، والغالب أن الذي يكون قلبه فارغ من طاعة الله عز وجل ومن حب الله سبحانه وتعالى ومحبة الخير، فإنه يتمكن في قلبه مثل هذه الأشياء». فيراسل امرأة أو كذا، ويكون بعد ذلك تراسل معها في الغزل وغيره، فيظن أنه ليس هناك في الدنيا إلا هذه المرأة، وأيضا يصرح لها أنه لا يقدر أن يعيش بدونها، لكن لا يتزوجها ولا يطلب منها الزواج، وهذا هو العشق الذي غالبا يكون ضرره أعظم. قال: «وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه، كما قال العاشق الخبيث: يترجفن من فمه رجفات هن أحلى عنده من التوحيد»، أي: يقول أن وصله مع من يحبه ومن يعشقه أفضل من أن يتكلم بالتوحيد، أي: بكلمة التوحيد، وهذا من مما يجدونه من التعلق بقلوبهم في مثل هذه الأمور. قال: «ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك»، معنى ذلك الذي كما قلنا: «قال رضاك أشهى عندي من رحمة الجليل»، أي: رضا هذا المعشوق له عنده أعظم وأفضل من رضا الله جل وعلا. قال: «وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه، بل قد ملك عليه قلبه كله، فصار عبدا محضا من كل وجه لمعشوقه، فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبوديته لمخلوق مثله». والأدهى والأمر أن في بعض بلاد الكفار قد بلغ بهم مثل هذه الأشياء مبلغا عظيما، حتى أنهم لم يجدوا أن الرجل يخدم المرأة أو الرجل يخدم معشوقه -سواء كان رجلا أو امرأة- إلا أن يصير كلبا له، يجعل له سلسلة ويجره معه، كأنه كلبا له، رضوا بهذه الرديلة وهذه المهانة. قال: «فصل: دواء العشق، ودواء هذا الداء القتال أن يعرف أن ما ابتلي به من هذا الداء المضاد للتوحيد، أن هذا العشق الذي قد يؤدي إلى الشرك إنما هو من جهله وغفلة قلبه عن الله». لما فرغ القلب عن الله عز وجل تمكن فيه هذا العشق الحرام. قال: «فعليه أن يعرف توحيد ربه وسنة وآياته أولا، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكر فيه، أن يشغل قلبه بالطاعات، يشغل قلبه بمحبة الله وتعظيمه، ويشغل قلبه بالتفكير في الدار الآخرة، فهذا يذهب ما هو عليه». ويكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى في صرف ذلك عنه. قال: «ولأن هذا الداء كما ذكر الإمام ابن القيم داء خطير، معنى إذا علق بالقلب قل أن يخرج منه إلا أن يشاء الله عز وجل، لكن يفعل ما بوسعه من أن الله عز وجل يصرف عنه هذا المرض». فيكثر اللجأ والتضرع إلى الله، وكلما تقرب إلى الله أكثر، كلما تباعد من هذا المرض وتباعد عنه هذا المرض. قال: «وأن يرجى بقلب إليه، وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله، وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه، حيث قال: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾». قال: «فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء، أي: عن نبي الله يوسف، من العشق والفحشاء من الفعل، بإخلاصه». فإن القلب إذا أخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور؛ فإنه إنما يتمكن من القلب الفارغ. قال: «وليعلم العاقل أن العقل والشرع قد يوجبان تحصيل المصالح وتكميلها، وإعدام المفاسد وتقليلها». فإذا عرض للعاقل أمر يرى فيه المصلحة والمفسدة، وجب عليه أمران: أمر علمي، وأمر عملي. فالعلمي طلب معرفة الراجح من طرفي المصلحة والمفسدة، هذا علمي، أن ينظر أيهما أرجح: هل طرف المصلحة أو المفسدة؟ فإذا تبين له الراجح، وجب عليه اتيان الأصلح له، هذا العملي. قال: «أضرار العشق...» إلى آخره. إن شاء الله تعالى نكمل هذا في درس اللاحق.