الدرس في كتاب الصلاة 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتحدث عن شروط الصلاة وستر العورة، ويشرح الفرق بين الشروط والأركان. يشدد على أهمية الطهارة وستر العورة للرجال والنساء في الصلاة مستشهداً بأحاديث نبوية.
يتناول أحكام ستر العورات في الصلاة وخارجها، ويشير إلى اختلاف الفقهاء حول تغطية المرأة لقدميها في الصلاة، ويبين النهي عن كشف العورات بين الرجال والنساء.
يتناول أحكام استقبال القبلة كشرط لصحة الصلاة وحدود ستر العورة. يبين أن الفخذ عورة يجب سترها في الصلاة ويمكن كشفها خارجها عند الحاجة، ويشير إلى وجوب استقبال القبلة واستدارة المصلين عند الخطأ.
يشرح وجوب استقبال القبلة في صلاة الفريضة وجواز الصلاة النافلة على الراحلة لأي جهة للمسافر، ويبين صحة الصلاة رغم الخطأ في تحديد القبلة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: باب شروط الصلاة. والشروط جمع شرط، وهو لغة العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي علاماتها. واستلاح ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. يعني إذا وجد الشرط وجد المشروط، أو قد وجد المشروط وقد لا وجد. وإذا عدم الشرط عدم المشروط. مثلا: الوضوء شرط، والمشروط الصلاة. إذا انتفى الوضوء انتفت الصلاة. إذا انتفى الوضوء انتفت الصلاة لانتفاء شرطها. وإذا وجد الوضوء قد توجد الصلاة، وقد لا توجد الصلاة. واضح، قد يتوضأ الإنسان لغير قصد الصلاة، من أجل أن يذكر الله، من أجل أن يبقى على طهارة، فلا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته. يعني قد يوجد وقد لا يوجد. وأما إذا انتفى الشرط انتفى المشروط، فشروط الصلاة هي الواجبات والأوامر التي إذا انتفت انتفت الصلاة. إذا لم توجد لم توجد الصلاة، ولم تكن الصلاة شرعية. وشروط الصلاة تكون تحصيلها قبل الصلاة، يكون تحصيلها قبل الصلاة، ثم تستمر في أثناء الصلاة. بخلاف الأركان، الأركان تكون من حقيقة الشيء، تكون في ذات العمل. يعني مثلا: القيام، والركوع، والسجود، والقراءة، قراءة الفاتحة، هذه أركان الصلاة. يعني لا تقوم الصلاة إلا بها، لا تقوم الصلاة إلا بها. أما الشروط فتتحصل قبل الشروع في العبادة، مثل استقبال القبلة، والطهارة، وستر العورة، ودخول الوقت، إلى آخره. هذه يجب تحصيلها قبل الدخول في العبادة. هذا الفرق بين الركن والشرط. ثم يتفقان بعد الشروع في العبادة، فلابد من استمرار الشرط إلى انتهاء الصلاة. والفرق الثاني: أن الشرط يعني ليس من أصل العبادة، بخلاف الركن، فيكون من أصل العبادة. طيب، قال الحديث الرابع والخمسون بعد المائتين، عن علي بن طلق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة» رواه أبو داود، وصححه ابن حبان. هذا الحديث ضعيف، فيه مسلم بن سلام الحنفي، وهو مجهول الحال، لكن معناه صحيح. مسلم بن سلام الحنفي، وهو مجهول الحال، لكن معناه صحيح، من حيث أن المصلي إذا أحدث في الصلاة بفساء أو ضراط، فإنه ينصرف ويتوضأ ويعيد الصلاة. ويدل على ذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». وحديث ابن عمر في الصحيح كذلك: «لا يقبل الله صلاة بغير الطهور، ولا صدقة من غلول». فهذه الأحاديث تدل على شرطية الطهارة للصلاة، وأن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة، لا تصح إلا بالطهارة. فالطهارة من أعظم شروط الصلاة، والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. فمن صلى بلا طهارة متعمدا ذاكرا، وصلاته باطلة، وصلاته باطلة، وهو آثم على ذلك. وبعض أهل العلم إذا صلى بلا طهارة متعمدا، قالوا: هذا يعتبر سخيفا، وصلاته باطلة، لكن جمهور أهل العلم على أنه آثم. قال حديث الخامس والخمسون بعد المائتين، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. «لا يقبل الله صلاة حائض» يعني بالغة، والحائض علامة من علامات بلوغ الأنثى. وقوله: «إلا بخمار»، الخمار ما يغطي الرأس، أعلى الرأس وأعلى الجسد. وهذا فيه دلالة على أن المرأة يجب عليها أن تتستر في الصلاة، وتستر جميع بدنها، كما سيأتي. ومن ذلك: أن تغطي رأسها، أن تغطي رأسها. وبهذا قال عامة أهل العلم: يجب على المرأة أن تغطي رأسها في الصلاة، فلا يبدو منها شيء إلا الوجه والكفين، إلا الوجه والكفين في قول الجمهور. وبعض أهل العلم أجاز كشف القدمين، وهو قول أبي حنيفة، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. سيأتي معنا بحيث أم سلمة، أن الحديث الوارد فيه ضعف، وموقوف على أم سلمة، الذي فيه الأمر بتغطية القدمين، فلا يصح. فلو انكشفت القدمان، أو صدور القدمين من المرأة في أثناء الصلاة، فالصلاة صحيحة، وإن كان الأولى أن تغطي. لكن لو كشفت ليس عليها شيء، فتغطي يعني جميع جسدها إلا الوجه والكفين، وهكذا القدمين إذا ظهرت. وأما إن صلت ورأسها مكشوف، وهي قادرة على ستره، عالمة بالحكم، صلاتها باطلة، هذا باتفاق أهل العلم. قال حديث السادس والخمسون بعد المائتين، عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إن كان الثوب واسعا فالتحف به» يعني في الصلاة. «ولم يكن يصنعه في المكتوبة» رواه مسلم. إذا صلى الإنسان بثوب واحد، ما عنده إلا ثوب واحد، فإن كان واسعا اتزر به، الإزار يغطي ما بين السرة والركبة، والتحف بالباقي، أي: رفع الثوب الباقي ووضعه على منكبه. وإن كان ضيقا اكتفى بالاتزار، يتزر به، يعني يغطي ما بين السرة والركبة، ويكفي هذا إذا ما عنده إلا ثوب واحد. وأما إذا عنده ثوبان، فيجب عليه أن يتزر، وأن يغطي منكبه. فتكون هذه من سترة المصلي، الرجل في الصلاة. ورد بذلك البالغ، البالغ يستر ما بين السرة والركبة، وهكذا أيضا يغطي منكبه. وأما بالنسبة للصغير، من كان دون البلوغ إلى سبع سنين، فهذا عورته القبل والدبر، عورته القبل والدبر. فلو صلى وهو كاشف لفخذيه، فصلاته صحيحة. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه كذلك، هذا بالنسبة للجارية الصغيرة، هي غير بالغة، لو صلت ورأسها مكشوف، فصلاتها صحيحة. «إنه يقول: لا صلاة لحائض إلا بخمار»، هذا المنطوق، المفهوم منه: أن غير الحائض تقبل صلاتها، يعني غير البالغة، لو صلت بغير خمار، وصلاتها صحيحة. قالوا: عن أم سلمة رضي الله عنها كذلك. قال الحديث السابع والخمسون بعد المائتين، وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقيه منه شيء» متفق عليه. هذا يحمل على ما إذا كان الثوب واسعا، يعني يستطيع أن يستر به ما بين السرة والركبة، ويزيد من الثوب، ولا يلتحف به، ويغطي منكبه. وأما إذا كان ضيقا، فكما مر عن جابر، وإن كان ضيقا فاتزر به، يكفي أن يتزر به. وهكذا لو كان عنده ثوبان، فيتزر بأحدهما، ويغطيه، ويرتدي الآخر على منكبه، فيغطي منكبه. فإذا صلى كاشفا عن منكبه، مع القدرة على سترهما، فالصحيح أن صلاته صحيحة، مع الإثم. صلاته صحيحة مع الإثم، لأنه ترك واجبا، وهو ستر المنكبين، مع الاستطاعة والقدرة. قال الحديث الثامن والخمسون بعد المائتين، وعن أم سلمة رضي الله عنها، أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟ قال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» يغطي ظهور قدميها. أخرجه أبو داود، وصحح الأئمة. يعني أنها من قول أم سلمة، ليس مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فأم سلمة هي التي قالت: تصلي المرأة في درع وخمار، وهذا ثابت عنها رضي الله عنها. الدرع ما يغطي الجسد، مثل ما نسميه نحن الثوب، الذي تلبسه المرأة، مثل الروب ونحوه. والخمار ما يغطي الرأس، وأسفل وأعلى الجسد. تقول أم سلمة: أن المرأة تصلي في درع وخمار، فإذا فعلت ذلك، فهذه سترتها في الصلاة. وأما قوله هنا: «وإذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها»، يعني إذا كان لا يغطي ظهور القدمين، فلا تصح الصلاة. لكن علمنا أن هذه اللفظة لا تثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن الحديث موقوف على أم سلمة. ولهذا ذهب الجمهور إلى القول بأنه يجب على المرأة أن تغطي قدميها في الصلاة. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز أن تكشف قدميها، وهذا هو الصحيح، لعدم ثبوت هذا الحديث، وعدم وجود دليل صحيح صريح يدل على المنع من ذلك. لكن لو غطتها، كما ذكرنا، فهو أفضل وأكمل في التستر. قال حديث التاسع والخمسون بعد المائتين، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقالت أم سلمة رضي الله عنها: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخين شبرا». فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: «فيرخينه ذراعا، لا يزدن عليه» رواه الترمذي وصححه. هذا الحديث فيه النهي عن جر الثوب خيلاء، يعني أن يطيل الإنسان ثوبه حتى يلامس الأرض، يجعل ثوبه تحت الكعبين، هذا من كبائر الذنوب. لهذا قال هنا: «لم ينظر الله إليه يوم القيامة». وفي الحديث: «ذر ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». قال: «المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»، وهو في البخاري، عن أبي هريرة في الصحيح: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار». فهذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز للرجل أن يطيل ثوبه إلى أسفل الكعبين، ويزداد ذلك إثما إذا كان على سبيل الخيلاء، يعني على سبيل التكبر والعجب. فلما سمعت ذلك أم سلمة، قالت: يا رسول الله، كيف تصنع النساء بذيولهن؟ يعني في أطراف الثوب، أسفل الثوب، كيف تفعل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرخين شبرا» يعني تزيد، لا بأس أن ترخي المرأة ثوبها. قالت: يا رسول الله، إذن تنكشف أقدامهن. قال: «فيرخين ذراعا، ولا يزدن عليه». هذا فيه أن المرأة ينبغي أن تتستر، ولو خارج الصلاة، عليها أن تستر جسدها، ولو خارج الصلاة. فالمرأة كلها عورة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» يعني كلها عورة، لا يجوز أن تكشف شيئا من جسدها لغير المحارم. فعليها أن تتستر جميع بدنها، ومن ذلك: ستر القدمين إذا خرجت، فإنها تستر قدميها. بخلاف الرجل، الرجل يجب عليه أن يرفع إزاره فوق الكعبين. وكذلك تستر وجهها وكفيها خارج الصلاة، خارج الصلاة تستر جميع بدنها، حتى الوجه والكفين، حتى الوجه والكفين. قال حديث الستون بعد المائتين، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد» رواه مسلم. هذا الحديث فيه الأمر بستر العورات، والنهي عن كشفها. فلا يجوز للرجل أن ينظر إلى عورة الرجل، سواء كان ذلك عند قضاء الحاجة، أو غير ذلك، أو عند مثلا المصافحة، مثلا، أو عند العمل، أو غير ذلك. لا يجوز له أن ينظر إلى عورة أخيه. ولا يجوز للإنسان أن يكشف عورته، ولو كان على سبيل الاستهزاء أو المزاح، هذا لا يجوز. والله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ حفظها حتى من كشفها لغير المذكورين. وكذلك أيضا في قضاء الشهوة إلا فيما أباح الله سبحانه وتعالى. وهكذا المرأة لا تنظر إلى عورة المرأة، ما يجوز المرأة أن تكشف عورتها للمرأة. وعورة المرأة للمرأة هي على الصحيح: جميع بدنها، إلا مواضع الوضوء، جميع بدنها، إلا مواضع الوضوء. فالمرأة يجب عليها أن تستر جميع بدنها عن المرأة، عن أختها المسلمة، إلا مواضع الوضوء: الوجه، والرأس، والعنق، واليدين، والرجلين. هذه لا بأس بكشفها. وأما غير ذلك: الصدر، والظهر، والفخذ، والفخذ الآخر، ذلك يجب عليها أن تسترها. وأما يذكره بعض الفقهاء: أن عورة المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة، ليس بصحيح، ليس بصحيح. ولهذا للأسف تجد النساء اليوم يتساهلن في التكشف فيما بينهن، ويحصل من ذلك من الشر والفساد ما لا تحمد عقباه. وبالنسبة للرجل، في قوله: «لا يفض الرجل إلى عورة الرجل»، فعورة الرجل من السرة إلى الركبة، عورة الرجل من السرة إلى الركبة. وسيأتي معنا الكلام على الفخذ، وأنه إن كان عورة فهي عورة مخففة، لا بأس بكشفها أحيانا للحاجة، إذا أمنت الفتنة. قال: «ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد» يعني لا ينام الرجل مع الرجل في ثوب واحد، في لحاف واحد، فيحصل تلامس الأجساد، والبشرة مع البشرة، لأن هذا مما يثير الشهوات، ويوقع في المنكرات. وهكذا: «لا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد»، لا تنام مع أختها في ثوب واحد، وفي لحاف واحد. قال حديث الحادي والستون بعد المائتين، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ يعني ما نحفظ منها وما نظهره. قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ يعني مختلطين. قال: «إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها». قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: «فالله تبارك وتعالى أحق أن يستحيا منه من الناس» رواه الترمذي، وحسنه، وإسناده ثابت إلى بهز، وهو ثقة عند الجمهور، والحديث صحيح. وهذه السلسلة سلسلة حسنة: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وجده هو معاوية بن حيدة رضي الله عنه. فسأل النبي عليه الصلاة والسلام: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ ما نظهر منها وما نخفي منها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» يعني لك أن تكشف عورتك عند الزوجة، أو عند الإماء من ملك اليمين، لا حرج عليك في ذلك. قال: «إذا كان القوم بعضهم في بعض» يعني مختلطين. قال: «إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها» يعني احرص على ستر عورتك. قال: «فإذا كان أحدنا خاليا» يعني ما عنده أحد، هل له أن يكشف عورته؟ قال: «فالله تبارك وتعالى أحق أن يستحيا منه من الناس» يعني إذا كان الإنسان خاليا، ما عنده أحد، لا يكشف عورته. فإن بغى أن يكون عنده حياء، فالله عز وجل يراه، فيستحي من الله جل وعلا، ويستر عورته. فالحديث فيه الحث على ستر العورة، وعدم كشفها، وإبدائها إلا للزوجات وملك اليمين، لقضاء الوطر والشهوة. قال الحديث: ومعنى هذا أنه لا يكشف عند الناس، لا يكشف عند الناس، أي سبب من الأسباب، إلا ما كان ضرورة: العلاج، أو نحو ذلك. فالضرورة تبيح المحظورات. قال الثاني والستون بعد المائتين، عن أبي موسى رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قاعدا في مكان فيه ماء، يعني بئر. قال: «قد انكشف عن ركبتيه أو ركبته». فلما دخل عثمان غطاها. رواه البخاري. قال حديث الثالث والستون بعد المائتين، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفخذ عورة» رواه الترمذي، وصححه الطحاوي. وقال البخاري: روي عن ابن عباس، وجرهد، ومحمد بن جحش، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الفخذ عورة». قال أنس: وحسر النبي صلى الله عليه وسلم عن فخذه. وحديث أنس أسند، يعني أصح إسنادا. وحديث جرهد أحوط، أحوط يعني العمل به. قال: «حتى يخرج من اختلافهم» يعني جاء في حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم حسر عن فخذه، يعني كشف عن فخذه. وفي حديث جرهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الفخذ عورة». فالبخاري رحمه الله يقول: حديث أنس أصح إسنادا، في كشف النبي صلى الله عليه وسلم لفخذه. وحديث جرهد أحوط، وأبرى للذمة، الذي فيه بيان أن الفخذ عورة. فينبغي سترها. وجمع بعض أهل العلم بين هذه الأحاديث: بأن الفخذ عورة، لكنها عورة مخففة، ليس كالسوأتين: القبل والدبر. فلهذا كشفها النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان للحاجة. فمثل هذا لا بأس، يحتاج الإنسان أن يكشف عن فخذه، مثلا يريد أن يصعد إلى مكان مرتفع، أو مثلا أراد أن يفعل شيئا يحتاج إلى أن يكشف عن ثوبه، لا بأس. فهي عورة مخففة. طيب، وليس حكمها كحكم السوأتين: القبل والدبر. هذا بالنسبة لخارج الصلاة. أما في الصلاة، فلابد من سترها في الصلاة، لا بد من سترها. فمن كشف فخذيه في الصلاة متعمدا، وهو قادر على سترها، وصلاته باطلة. لكن هنا الكلام عليها خارج الصلاة. يعني ستر العورة خارج الصلاة، يختلف عن سترها في الصلاة. طيب، ففي الصلاة لا بد من ستر ما بين السرة والركبة، وتغطية المنكبين. وأما خارج الصلاة، فيكفي ستر ما بين السرة والركبة. وإذا احتاج إلى كشف الفخذ لحاجة، فلا بأس، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه حسر عن فخذيه. وبهذا تجتمع الأدلة. وأما إن لم يكن هناك حاجة، فالذي ينبغي ستر الفخذين. إذا لم يكن هناك حاجة داعية إلى كشف الفخذين، فينبغي عليه أن يسترهما، فهذا يعني الأحوط، وكذلك الأكمل في التستر في هذا الباب. قال حديث الرابع والستون بعد المائتين، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر، فذكر الحديث، فيه: «ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم» الحديث رواه البخاري. وفي رواية لمسلم: «وانحسر الإزار عن فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم». فلفظ مسلم لا حجة فيه على أن الفخذ ليس بعورة. ولفظ البخاري محتمل. نعم، لفظ البخاري: «ثم حسر» يعني هو الذي فعل ذلك، هو الذي حسر وكشف عن فخذه. ولفظ مسلم: «وانحسر الإزار» يعني انحسر من غير فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فرواية مسلم ليس فيها دلالة، ورواية البخاري محتملة لذلك. لكن كما ذكرنا: أن الفخذ يعني عورة، لكنها مخففة. لكن كما سمعتم: في الصلاة لا بد من سترها. قال حديث الخامس والستون بعد المائتين، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم بقوباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة». فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. متفق عليه. هذا الحديث فيه بيان شرطية استقبال القبلة للصلاة. النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في أول الهجرة، بل منذ أول مهاجر، كان يصلي إلى بيت المقدس. واستمر على ذلك بضعة عشر شهرا، حتى أنزل الله جل وعلا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء، ينتظر نزول الوحي بالأمر باستقبال الكعبة. فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهُ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فحينئذ استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة. وكان الناس يصلون إلى بيت المقدس، فأرسل إلى أهل قباء: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه الوحي، وأمر باستقبال القبلة، يعني الكعبة. فاستقبلوها، فاستداروا، وهم كانوا في أثناء الصلاة، كانوا يصلون إلى بيت المقدس. فاستدار الإمام إلى جهة الكعبة، واستدار المأمومون، واستمروا في صلاتهم. وهذا الحديث يدل، كما سمعتم، على وجوب استقبال القبلة. وكذلك أيضا الآية، كما سمعتم: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وفي حديث المسيح في صلاة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر». فاستقبال القبلة في الصلاة شرط من شروط صحة الصلاة، في قول أكثر أهل العلم. وفي هذا الحديث كذلك: أن الإنسان إذا صلى إلى غير القبلة، جهلا بمحل القبلة، أو خطأ، ثم أعلم وفي أثناء الصلاة، فإنه يتوجه إلى جهة القبلة، ويستمر في صلاته. ما لم يكن منه تفريط. أما إذا كان مفرطا في معرفة جهة القبلة، فإنه يخرج من الصلاة، ويستأنفها من جديد. أما إذا حصل على سبيل الخطأ، يعني اجتهد وأخطأ، أو جهل محلها، ولا لم يجد أحد يخبره، وفي أثناء الصلاة جاء من يخبره إلى جهة القبلة، فإنه يتوجه إلى جهة القبلة، ويستمر في صلاته. قال حديث السادس والستون بعد المائتين، عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، فأشكلت علينا القبلة، فصلينا. فلما طلعت الشمس، إذا نحن صلينا إلى غير القبلة. فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أخرجه الترمذي، وضعفه. نعم، ضعفه الترمذي، لأنه في سنده عاصم بن عبيد الله، وهو سيء الحفظ. لكن الحديث له شواهد، فقد جاء من حديث جابر عند الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء. في هذا الحديث: الصحابة رضوان الله عليهم، في ليلة مظلمة، يعني ليس هناك قمر. أشكلت عليهم القبلة، ما عرفوا أين جهة القبلة، فصلوا، يعني تحروا وصلوا. قال: «فلما طلعت الشمس، إذا نحن صلينا إلى غير القبلة». تبين أنهم أخطأوا، ولم يصلوا إلى جهة القبلة. فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ يعني أن صلاتهم صحيحة. إذا أشكل على الإنسان موضع القبلة، ولم يعرف، فيصلي، يتحرى ويعمل بما يغلب على ظنه. فلو أخطأ، فصلاتهم مجزية. ودل هذا الحديث على أن الإنسان إذا أشكلت عليه القبلة، فيبذل جهده في تحري موضع القبلة، ثم يصلي. فإذا أصاب، فالحمد لله. وإذا أخطأ، فهو معذور، فهو معذور. طيب، لكن لو تبين له أنه صلى إلى غير القبلة، وما زال الوقت موجودا، فبعض العلماء يقول: لا يلزم أن يعيد الصلاة. لكن الأحوط: الأحوط أن يعيد، إذا كان الوقت ما زال باقيا، وتبين أنه صلى إلى غير القبلة. فالأحوط أن يعيد الصلاة. وأما إذا خرج وقت الصلاة، فلا يلزمه، أدى الذي عليه. والله جل وعلا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. قال حديث السابع والستون بعد المائتين، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» رواه الترمذي وصححه. نعم، هذا الحديث فيه دلالة على أنه لا يلزم في استقبال القبلة استقبال عين القبلة، استقبال عين القبلة. يعني لو مد خطا مستقيما يصل إلى الكعبة، ما يلزم ذلك. نعم، يلزم هذا في حق من يرى الكعبة، من كان في الحرم، أو حول الحرم، يرى الكعبة، فعليه أن يستقبل عين الكعبة. وأما من لا يرى الكعبة، فيستقبل الجهة، يستقبل الجهة التي فيها الكعبة. فلو أنه صلى إلى جهة الكعبة، لكن ليس إلى عينها، الصلاة صحيحة، الصلاة صحيحة. ويدل على هذا الحديث: «ما بين المشرق والمغرب قبلة». هذا بالنسبة لأهل المدينة، بالنسبة لأهل المدينة، من كانت قبلتهم بين المشرق والمغرب. وهكذا كل بحسبه، يعني كل أهل بلد، ومن كان في موضع من المواضع، فهو يصلي إلى الجهة، إلى جهة القبلة. يصلي إلى الجهة. فلو يعني حرف الشيء يسيرا يمينا أو شمالا، فالصلاة صحيحة، فالصلاة صحيحة. أما إذا كان انحراف كثير، يعني القبلة في هذه الجهة، وهو يصلي في هذه الجهة، هذا انحراف كثير، يعني هذا يضر بصحة الصلاة. أما إذا كان انحراف يسير، القبلة كذا، وهو يصلي كذا أو كذا، هذا شيء يسير، يعفى عنه، لهذا الحديث: «ما بين المشرق والمغرب قبلة». إذن: من يرى الكعبة يستقبل عين الكعبة، ومن لا يرى عين الكعبة يستقبل الجهة. قال حديث ثامن وستون بعد المائتين، عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به» متفق عليه. زاد البخاري: «يؤمئ برأسه، ولم يكن يصنعه في المكتوبة». هذا الحديث فيه: أن استقبال القبلة واجب، بالنسبة لصلاة الفريضة، بالنسبة لصلاة الفريضة. يجب على من أراد أن يصلي الفريضة أن يستقبل القبلة، حتى لو كان راكبا، لو كان راكبا على راحلة، في أثناء السفر، أو في غير السفر، فأراد أن يصلي الفريضة، يخرج ويستقبل القبلة. إلا في حالة الضرورة، إذا ما استطاع، إذا ما استطاع إنسان مسافر بالطائرة، أو بالحافلة، جاء وقت الصلاة، ولم يقف السائق، وسيخرج وقت الصلاة، في هذه الحال يصلي على أي جهة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فإذا كان يستطيع، الواجب أن يخرج ويستقبل القبلة. بالنسبة للنافلة، فلا اشتراط، يجوز يصلي الإنسان النافلة على الراحلة، ويتجه إلى أي جهة، إلى أي جهة من الجهات، ولو إلى غير القبلة، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان يصلي على راحلته حيث توجهت به، على أي جهة توجهت. يعني هذا في صلاة النافلة. ولهذا قال: «ولم يكن يصنعه في المكتوبة» يعني في صلاة الفريضة، ما يصنع ذلك. إذا جاءت الفريضة ينزل ويستقبل القبلة. وإذا صلى النافلة على الراحلة، فإنه يومئ، يعني برأسه، إذا جاء للركوع يخفض رأسه قليلا، والسجود يجعله أخفض من الركوع، فيركع ويسجد إيماء برأسه. قال حديث التاسع والستون بعد المائتين، ولأبي داود من حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث كان وجه ركابه» وإسناده حسن. هذا الحديث فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا إذا أراد أن يصلي على الراحلة في السفر، استقبل براحلته القبلة ابتداء، يستقبل بها القبلة، ثم يكبر، ثم يصلي حيث توجهت. فيكون عندنا هنا حالتان في صلاة الراحلة في السفر: إما أن تستقبل بها القبلة ابتداء، ثم تصلي حيث توجهت. وإما أن تصلي إلى غير القبلة ابتداء، ليس عليك شيء، يجوز هذا وهذا. يجوز هذا وهذا: أن تستقبل بها القبلة ابتداء، ثم تصلي حيث توجهت. أو ابتداء تصلي النافلة على الراحلة حيث توجهت بك. قال حديث السبعون بعد المائتين، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» رواه الترمذي، وعلله بالاضطراب. نعم، هذه العلة، عللها الإمام الترمذي بالاضطراب، قال: «إنه روي مرسلا من غير ذكر أبي سعيد، وروي موصولا بذكر أبي سعيد». ورجح الإمام الترمذي رحمه الله المرسل، وهكذا البيهقي. لكن نبه الشيخ الألباني رحمه الله إلى أن الحديث قد روي موصولا، يعني رواه موصولا الإمام الثوري: شعيب الثوري رحمه الله، من طريقه. وخالفه جمع من الثقات، ورووه موصولا، خالفه جمع من الثقات، ورووه موصولا. ولهذا صحح الشيخ الألباني