كتاب الصلاة 5

كتاب الصلاة 5

الدرس في كتاب الصلاة 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم الكلام في الصلاة وأثره على صحتها

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلام أثناء الصلاة، وأمر بالسكوت والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن. إذا كان الكلام عامدا بطلت الصلاة، بينما تصح إذا كان عن جهل أو نسيان.

أحكام الكلام والبكاء والتفاعل في الصلاة

استدل الفقهاء بقصة ذي اليدين وحديث التسبيح للرجال والتصفيق للنساء على أحكام الكلام في الصلاة. كما استدل ببكاء النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الصلاة على جواز البكاء.

الحركة أثناء الصلاة وأحكامها الفقهية

يشرح المقطع كيفية التعامل مع الحركة أثناء الصلاة، مبينا مشروعية حمل الأطفال وجواز قتل الحيات والعقارب إذا كانت هناك ضرورة، ويصنف أنواع الحركة إلى أقسام مختلفة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف: الحديث الرابع والسبعون بعد المائتين. عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه أذى أو قذرا فليمسحهما وليصل فيهما». أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة. قال: الحديث الخامس والسبعون بعد المائتين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب». أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان. قال: الحديث السبعون بعد المائتين. وعن أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم». متفق عليه. هذه الأحاديث الثلاثة وهي صحيحة: حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة، وحديث أنس، فيها أولا مشروعية الصلاة في النعال، وأن الصلاة في النعال مما يستحب لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. في حديث أنس سئل: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم». وكذلك أيضا لقوله عليه الصلاة والسلام: «فليمسحه وليصل فيهما»، فهو يدل على مشروعية الصلاة في النعال. وأما المساجد اليوم التي تفرش بالبسط الثمينة، فلا ينبغي الصلاة عليها بالنعال كما ذكر علماؤنا؛ لما في ذلك من تلويث هذه البسط وإتلافها. وأما إذا كانت المساجد مفروشة بالحصى أو ببسط قديمة، وعلم الناس هذه السنة وأحبوا أن يعملوها وليس هناك ما يترتب على ذلك من مفسدة أعظم، فلا بأس أن يصلى بالنعال في هذا المسجد. وإذا لم يتيسر ذلك، فلا يحرص المسلم على أن يصلي في نعليه في البيت أو في الصحراء أو نحو ذلك من المواضع. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث أن من آداب الصلاة في النعال أنه ينبغي لمن أراد أن يصلي فيهما أن ينظر فيهما قبل الصلاة؛ لأن الإنسان يمشي فيهما وربما يطأ شيء من النجاسات بقدميه. فإذا أراد أن يصلي فيهما يتأكد ينظر هل فيهما شيء من الأذى أو القذر أو النجاسة، فإن وجد شيئا من ذلك فإنه يطهرهما بالتراب. وهذه المسألة الثالثة وهو أن النعال تطهر بمسحها على الأرض. «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب»، يعني يطهرها بالتراب، يمسح الخفين بالتراب حتى يزول ما علق فيها من هذه النجاسة ويطهر بذلك. فإذا تطهرت صلى فيهما. قال: الحديث السابع والسبعون بعد المائتين. وعن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن». رواه مسلم. قال: الحديث الثامن والسبعون بعد المائتين. عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: «إن كنا لنتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته -يعني داخل الصلاة- حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، قال: فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام». متفق عليه. في هذين الحديثين بيان حرمة الكلام في الصلاة، وأنه لا يجوز للمسلم أن يتكلم في داخل الصلاة. فأخبر زيد بن أرقم رضي الله عنه أنهم كانوا يتكلمون في داخل الصلاة، يكلم الواحد منهم صاحبه حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، قال: فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام -يعني داخل الصلاة-. وفي حديث معاوية بن الحكم أخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس مما يتحدث به الناس بعضهم مع بعض، «إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» -يعني إنما يكون في الصلاة ذكر الله جل وعلا بالتسبيح والتكبير وقراءة القرآن-. وهذا الحديث له قصة، وأن معاوية بن الحكم دخل في الصلاة، فعطس رجل من القوم فقال: «الحمد لله»، فشمته معاوية، قال: «يرحمك الله»، قال: فرماني القوم بأبصارهم -يعني منكرين عليه-، قال: فقلت: «واثكل أميه»، وداخل الصلاة، قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يسكتونني، لكني سكت. فلما فرغ من الصلاة، قال: «بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام، ما زجرني ولا انتهرني، وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» إلى آخره. فتبين من هذا أنه لا يجوز الكلام داخل الصلاة، واتفق أهل العلم على أن من تكلم في الصلاة بكلام ليس من مصلحة الصلاة عامدا ذاكرا فصلاته باطلة. ومن تكلم في الصلاة بكلام لا يتعلق بمصلحة الصلاة ذاكرا عالما فصلاته باطلة. وأما إذا كان جاهلا أو ناسيا فصلاته صحيحة. إذا تكلم في الصلاة عامدا لكن عن جهل أن الكلام في الصلاة لا يجوز، أو نسي أنه في الصلاة، قال له فلان: «هو في الصلاة يا فلان؟ قال: نعم»، غفل ونسي أنه في الصلاة، الصلاة صحيحة، يستمر. والدليل قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، هذا الدليل العام. وهكذا أيضا قوله سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. والدليل الخاص هذا الحديث، حديث معاوية بن الحكم، تكلم في الصلاة عامدا لأنه كان جاهلا بالحكم، فلم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بإعادة الصلاة، فمعنى هذا أن صلاته صحيحة، فهو معذور بجهله. وهكذا يلحق بالجاهل الناس. أما إذا تكلم في الصلاة عامدا لكن هذا الكلام في مصلحة الصلاة، فهذه المسألة فيها خلاف. فمن أهل العلم من يقول: صلاته صحيحة، ولا بأس أن يتكلم المأموم في الصلاة لمصلحة الصلاة. مثل لو سهى الإمام وما علم موضع السهو، قيل: لو قال: «سبحان الله»، قام، قالوا: «سبحان الله»، جلس، «سبحان الله»، ركع، ما أدري أين سهى؟ قالوا: هنا، لا بأس أن يقول له: «يا إمام، تركت كذا وكذا»، أو «نسيت كذا وكذا»، وهذا الكلام لمصلحة الصلاة، ويستمر في صلاته. قالوا: الدليل قصة ذي اليدين في الصحيحين، لما سلم النبي صلى الله عليه وسلم من ركعتين وخرج من خرج من الناس، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم وشبك بين أصابعه، فقال له ذو اليدين: «يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لم أنسى ولم تقصر -يعني على ظني-، فقالوا: بلى يا رسول الله، صليت ركعتين»، فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم»، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأتى بركعتين. قالوا: هنا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلم ذو اليدين، وهذا الكلام في مصلحة الصلاة، واستمروا أكملوا الصلاة ولم يبطلوها ويستأنفوها من جديد. هكذا استدلوا. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الكلام في الصلاة عمدا لا يجوز ولو كان لمصلحة الصلاة؛ لعموم الأدلة في النهي عن الكلام في الصلاة، حديث زيد بن أرقم، وحديث معاوية. وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لما كانوا يسلمون عليه ويرد عليهم السلام، فلما سلموا عليه بعد ذلك لم يرد عليهم السلام، وقال: «إن الله قد أحدث شيئا، فلا تكلموا في الصلاة»، كما قال عليه الصلاة والسلام. فعموم هذه الأدلة يعني يشمل الكلام عمدا سواء كان لمصلحة الصلاة أو لغير مصلحة الصلاة، وهذا هو الصحيح. أما قصة ذي اليدين فليس فيها دليل على مشروعية الكلام عمدا لمصلحة الصلاة؛ لأنهم تكلموا بعد أن خرجوا من الصلاة، هم قد سلموا وخرجوا من الصلاة، لكن أرادوا يتأكدون من النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا صلى ركعتين؟ هل قصرت الرباعية إلى ركعتين؟ أم حصل سهو ونسيان من النبي عليه الصلاة والسلام؟ فلهذا قالوا له: «أقصرت الصلاة أم نسيت؟» فتكلموا على أن الصلاة قد انتهت، ليس في داخل الصلاة. فليس في القصة دليل على مشروعية الكلام في الصلاة، لمصلحة الصلاة. إذن هذا هو الصحيح. إذا لو حصل مثل ما ذكرنا: سهى الإمام وما درينا موضع السجود أو موضع السهو، فهنا لا بأس أن يكلمه أحد المأمومين: «أنك تركت كذا وكذا»، وهذا ليتكلم تبطل صلاته، تبطل صلاته، فهو يبطل صلاته؛ لأجل أن تسلم صلاة جميع المصلين، ثم يستأنف الصلاة من جديد، هذا هو الفعل الصحيح مثل هذه الحالة. قال: الحديث التاسع والسبعون بعد المائتين. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء». متفق عليه. زاد مسلم: «في الصلاة». هذا الحديث فيه أن مما يشرع من الكلام في الصلاة التسبيح من الرجال مع الإمام إذا سهى الإمام، فينبه بالتسبيح، يقال له: «سبحان الله»، يقال له: «سبحان الله»، حتى ينتبه أنه ترك الأمر الفلاني. يعني مثلا لو أنه قام أراد أن يقوم من الركعة الثانية إلى الثالثة مباشرة ولا يجلس للتشهد، فيقال له: «سبحان الله» حتى ينتبه ويرجع. وكذا في أي سهو يحصل له فينبه بالتسبيح. وأما النساء فينبهن بالتصفيق، التصفيق: ضرب اليد في اليد أو باطن اليد في باطن اليد الأخرى. فالتصفيق للنساء والتسبيح للرجال؛ لماذا جعل التصفيق للنساء؟ لأجل أن صوت المرأة فتنة، ليس عورة ولكن فتنة، لو تكلمت قد يفتتن بها الرجال، خاصة إذا كن نساء يصلين مع الرجال في خلف الرجال، وأردن أن ينبهن الإمام إلى شيء، فيكون ذلك بالتصفيق وليس بالتسبيح. أما الرجال فبالتسبيح. قال: الحديث الثامن بعد المائتين. عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء». أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان. نعم، في هذا الحديث يخبر مطرف بن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز -يعني صوت- كأزيز المرجل، المرجل: القدر إذا وضع على النار وغلأ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويبكي ويصدر منه الصوت كصوت المرجل إذا غلى به أو غلى بما -يعني- داخله من شدة الحرارة. فهكذا كان عليه الصلاة والسلام. وأراد المصنف الاستدلال بذلك على أنه لا بأس لو بكى المصلي في صلاته وخرج منه صوت في أثناء البكاء، أن هذا لا يضر بصلاته. ومثل أيضا النحيب، لو نحب -يعني- اشتد عليه البكاء أيضا هذا لا يضر، وخاصة إذا حصل من غير تعمد، هاج يشتد البكاء على المصلي وربما يريد أن يكتمه، وكذا فلا يستطيع، فيخرج منه صوت قوي في أثناء البكاء، فمثل هذا يعذر ولا يضر بصلاته. قال: الحديث الحادي والثمانون بعد المائتين. وعن علي رضي الله عنه قال: «كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلا، فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنحت». رواه النسائي وابن ماجه، والحديث ضعيف من طريق عبد الله بن نجي الراوي في هذا السند عن علي لم يسمع من علي، فهو منقطع. اسمه عبد الله بن نجي. نعم، ابن نجي عن علي ولم يسمع منه. ويريد الاستدلال بهذا الحديث على أن التنحنحة لا تبطل الصلاة، أن التنحنحة لا تبطل الصلاة. يعني قول المصلي: «هسم»، نحنحة، مثل هذا ما تبطل إذا احتاج إلى التنبيه بذلك، فهذا إن شاء الله لا يضر بالصلاة. قال: الحديث الثاني والثمانون بعد المائتين. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «قلت لبلال: كيف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: قال: هكذا، وبسط كفه». أخرجه أبو داود والترمذي وصححه. نعم، في هذا الحديث ابن عمر رضي الله عنهما سأل بلال بن رباح: «كيف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه -هكذا- هكذا بسط الكف، قال: يقول هكذا، وبسط كفه أو هكذا»، هذا رد السلام في الصلاة بالإشارة، مثل هذا لا بأس به، مشروع. يعني إذا سلم عليك أحد وأنت في الصلاة، فترد عليه بالإشارة، نعم. أما رد السلام باللسان فهذا لا يجوز، ولك أن ترد عليه بعد أن تنتهي من الصلاة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود لما سلم عليه، وكانوا قبل ذلك يسلمون عليه في الصلاة فيرد عليهم السلام، فلما رجعوا من الحبشة فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام حتى فرغ من الصلاة، أشار إليهم. فلما فرغ من الصلاة رد عليهم السلام، ثم بين لهم أن الله عز وجل قد نهى أو حرّم ذلك. قال: الحديث الثالث والثمانون بعد المائتين. عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها». متفق عليه. ولمسلم: «وهو يأم الناس في المسجد». في هذا الحديث بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع وحسن الخلق والرأفة والرحمة عليه الصلاة والسلام، فكان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب -ابنته- رضي الله تعالى عنها، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها -أي إذا قام إلى الركعة حملها-، وإذا سجد وضعها في الأرض، وكان يفعل ذلك أكثر من مرة، يفعل ذلك أكثر من مرة. فهذا الحديث يدل على ما سمعتم من حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضا ما ينبغي أن يكون في التعامل مع الصغير من الرحمة والشفقة. كذلك أيضا فيه جواز مثل هذا الفعل، أن الإنسان يحمل الصبي في أثناء الصلاة، وقد يحتاج لذلك إذا كان الصبي مثلا يبكي، ربما يصلي الإمام إلى المسجد مع ولده، فإذا كبر في الصلاة بكى الولد، ما يجعله يبكي يحمله حتى يسكت. وهكذا الأم إذا جاءت مع ابنتها أو ولدها وبكى وهي في الصلاة تحمله، لا بأس بذلك حتى يطمئن ويسكت، ولو تكرر ذلك -يعني حمله إذا سجدت ووضعته إذا قامت حملته- مرة أخرى لا بأس. هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا الحديث يدل على مشروعية ذلك. وكذلك أيضا فيه في هذا الحديث رد على من قال: بأن من تحرك ثلاث حركات فإن صلاته تبطل، هذا لا دليل عليه. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يحملها وإذا سجد وضعها أكثر من ثلاث مرات، ومع ذلك ما أبطل صلاته عليه الصلاة والسلام. ففيه مشروعية الحركة في الصلاة إذا كانت يسيرة. والحركة في الصلاة كما قال أهل العلم على أقسام: القسم الأول: إذا كانت الحركة كثيرة متوالية، فهذه تبطل الصلاة إذا كانت لغير ضرورة، الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورة هذه تبطل الصلاة. مثل إنسان يمشي يريد مثلا سترة سترة بعيدة، فيمشي من محله إلى هناك خمس ست سبع خطوات عشر، هذا يعتبر حركة كثيرة متوالية لغير ضرورة، نعم. القسم الثاني: الحركة الكثيرة غير المتوالية، فهذه لا تبطل الصلاة. مثل أن يمشي خطوة أو خطوتين ثم يقف، ثم يمشي خطوتين ثم يقف، هذه حركة كثيرة لكن غير متوالية، هذه لا تبطل بها الصلاة. القسم الثالث: الحركة اليسيرة للحاجة، هذه لا بأس بها. الحركة اليسيرة للحاجة، مثلا هو في أثناء الصلاة شعر بشيء يحتاج إلى أن يحكه في قدمه أو في يده، فلا بأس أن يحك هذا الموضع، فهذه حركة يسيرة لحاجة. والحركة اليسيرة لغير حاجة هذه مكروهة، هذا قسم رابع. الحركة اليسيرة لغير حاجة هذه مكروهة. مثل من يتحرك ليصلح عمامته أو يصلح ساعته أو شيء من ذلك من حركات التي ليس لها حاجة، فهذه مكروهة. هناك قسم خامس، وهي الحركة الكثيرة المتوالية للضرورة، فهذه لا تبطل بها الصلاة، وهي المرادة في الحديث الذي بعد هذا الحديث في قتل الأسودين كما سيأتي. قال: الحديث الرابع والثمانون بعد المائتين. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب». أخرجه الأربعة وصححه ابن حبان، والحديث صحيح. الأسودين هذا من باب التغليب، كالعمرين: أبي بكر وعمر، والقمرين: الشمس والقمر، وهكذا الأسودين. وقد يكون -يعني- قد تكون الحية غير سوداء لون آخر، وهكذا العقرب قد يكون أسود قد يكون أحمر، فهذا من باب التغليب. فهذا الحديث يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الأسودين في الصلاة، أي إذا رآهما المصلي فلا بأس أن يقتلهما وهو داخل في الصلاة. ومعلوم أن قتل الحية أو العقرب يحتاج إلى حركة كثيرة، تذهب يمين تذهب شمال وتتابعها حتى تقتلها، فهذه حركة كثيرة متوالية للضرورة، هذه لا بأس بها، لا تبطل بها الصلاة ما لم يلتفت عن جهة القبلة. أتى الآن الحية أو العقرب أمامك، لا بأس أن تقتلها وتستمر في الصلاة، لكن لو ذهبت إلى مكان آخر والتفت إليها وابتعدت عن جهة القبلة، فهنا تخرج من الصلاة، هنا تبطل الصلاة، ثم تستأنفها من جديد. فقوله: «اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب»، هذا إذا لم يختل شرط من شروط الصلاة، ومن ذلك استقبال القبلة. وهذا الحديث قال به عامة أهل العلم، كما قال الإمام الخطاب في «معالم السنن»: قال: «ورخص عامة أهل العلم في قتل الأسودين في الصلاة إلا إبراهيم النخعي». إلا إبراهيم النخعي قال: «والسنة أولى أن تتبع». وهذه عبارة -يعني- جميلة طيبة من الإمام الخطاب رحمه الله في وجوب اتباع السنة وإن خالفها من خالفها. وكذا أهل السنة بحمد الله دائما هم يدورون مع الدليل حيث دار، ولا يبالون بآراء الرجال، وإذا خالفت آراء الرجال الدليل أخذوا بالدليل ورموا بآراء الرجال عرض الحائط. قال: ورخص عامة أهل العلم في قتل الأسودين في الصلاة إلا إبراهيم النخعي. والسنة أولى ما تتبع. نعم، طيب الله هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.