كتاب الصلاة 7

كتاب الصلاة 7

الدرس في كتاب الصلاة 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية الخشوع في الصلاة

الخشوع هو روح الصلاة ولبها، وقد أثنى الله على الخاشعين في صلاتهم. الخشوع يزيد الأجر ويقلل من تأثير الغفلة في الصلاة.

آداب الصلاة وكيفياتها ومكروهاتها

يناقش المقطع بعض آداب الصلاة، مثل تجنب التفكير في أمور الدنيا أثناء الصلاة، والنهي عن مسح الحصى أثناء الصلاة. كما يتحدث عن مكروهات الصلاة مثل البصاق أثناء الصلاة ورفع البصر إلى السماء.

التعامل مع الشيطان أثناء الصلاة

يأتي الشيطان للمصلي فيجعله يتثاءب، فيجب كظم التثاؤب حتى لا يخل بحال المصلي. أمرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يخل بالخشوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -رحمه الله-: باب الحث على الخشوع في الصلاة. هذا الباب في ذكر الأحاديث التي فيها الحث على الخشوع في الصلاة، والخشوع في الصلاة هو لب الصلاة وروحها، وحقيقتها هو الخشوع، وهو حضور القلب في أثناء الصلاة، وتدبر الإنسان لما يقرأ ولما يقول. وقد أثنى الله جل وعلا على الخاشعين في صلاتهم في الثناء العظيم، وقال جل وعلا: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ إلى أن قال: ﴿أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾. وهكذا قال الله جل وعلا: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾، أي الصلاة. ولو حصل للإنسان شيء من الذهول والغفلة وعدم الخشوع، فإن هذا لا تبطل به الصلاة، لكن ينقص به الأجر. فكلما كمل خشوع العبد في صلاته، كلما عظم له الأجر، وكلما نقص الخشوع من صلاته، فإنه ينقص عليه الأجر. قال حديث السادس والتسعون بعد المائتين، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة». رواه مسلم. هذا الحديث فيه ذكر فضل الخشوع في الصلاة، وكذلك الحث عليه. «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه»، إحسان الوضوء بأن يعطي كل عضو حقه من الغسل، «ثم يصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه»، مقبل عليهما بقلبه، أي قلبه حاضر يتدبر ما يقرأ وما يقول وما يفعل، وهكذا أيضا وجهه تجاه القبلة، لا يلتفت يمينا ولا شمالا، ولا يرفع رأسه إلى السماء. قال: «إلا وجبت له الجنة»، إذن الخشوع في الصلاة من أسباب دخول الجنة والفوز بنعيم الجنة. قال حديث السابع والتسعون بعد المائتين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل مختصرا. متفق عليه. ومعناه أن يجعل يده على خاصرته. وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن ذلك فعل اليهود في صلاتهم. نعم، هذا هو الصحيح في معنى النهي عن الاختصار. فبعض أهل العلم قال: المراد بذلك اختصار السور، اختصار السور أن يقرأ آيات من السورة، وهذا ليس بصحيح. وإنما المراد به وضع اليد على الخاصرة، سواء كان هكذا أو هكذا، فهذا كلاهما يدخل في النهي. وذكر عائشة رضي الله عنها العلة في ذلك، وهو أنه من فعل اليهود في صلاتهم، فنهينا عن التشبه بهم. ويكون هذا مما ينافي الخشوع، أن تضع اليدين على الخاصرة، وإنما اليدين توضع على الصدر، فهذا هو الصحيح ما ورد في وضع اليدين في الصلاة. قال حديث 98 بعد المائتين، عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب». متفق عليه. كان من عادة العرب ولازالت هذه العادة في بعض البلاد إلى اليوم، أنهم يتعشون قبل المغرب، يتعشون قبل المغرب. فإذا قدم العشاء وجاء وقت الصلاة المغرب، فهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب». لماذا؟ حتى لا يدخل المرء في الصلاة وهو يفكر في العشاء، فيذهب عنه الخشوع الذي هو لب الصلاة، يبقى في الصلاة يفكر في العشاء، وخاصة إذا كان جائعا، فحينئذ يذهب عنه الخشوع، والمقصود من الصلاة هو الخشوع. فلهذا أذن الشرع أن يبدأ بالعشاء، فيأكل عشاءه ولو قبل الصلاة، ولو قبل الصلاة، فإنه يستمر حتى يقضي حاجته، ثم يدخل إلى الصلاة وهو بكامل ذهنه وحضور قلبه، ويحصل المقصود من الصلاة من الخشوع والتدبر. قال حديث التاسع والتسعون بعد المائتين، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه». رواه الخمسة بإسناد صحيح. وزاد أحمد: «إلا واحدة أو دع». وفي الصحيح عن معيقيب من نحوه بغير تعليل. هذا الحديث الصحيح أنه ضعيف، ففيه أبو الأحوص وهو شيخ من أهل المدينة لا يعرف، هو مجهول. لكن قد يشهد له حديث معيقيب في الصحيحين، من طريق أبي سلمة قال: حدثني معيقيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: «إن كنت فاعلا فواحدة، إن كنت فاعلا فواحدة». وهو بمعنى حديث أبي ذر، لكن ليس فيه ذكر التعليل، أي قوله: «فإن الرحمة تواجهه». فهذا الحديث يكون شاهدا لحديث أبي ذر من حيث المعنى، أنه لا ينبغي العبث بالحصى في أثناء الصلاة. قال حديث الثلاثمائة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». رواه البخاري. هذا الحديث فيه النهي عن الالتفات في الصلاة، الالتفات في الصلاة يعني النظر يمينا أو شمالا، أو ربما يرفع رأسه إلى السماء. هذا الالتفات الذي يحصل للمصلي اختلاس، اختطاف يختطف الشيطان من صلاة المصلي، حتى ينقص عليه الأجر والخشوع. لكن إذا كان لحاجة فلا بأس، كما سيأتي. إذا كان هناك حاجة للالتفات فلا بأس أن يلتفت. قال حديث الثاني بعد الثلاثمئة، وعن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال: ثوب بالصلاة -يعني صلاة الصبح- فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب. رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة. قال أبو داود: وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس، الشعب الوادي. النبي صلى الله عليه وسلم أرسل فارسا إلى الوادي يحرس، فثوب بالصلاة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصاء يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، يصلي ويلتفت ينظر إلى الشعب، ينتظر الحارس عسى أن يأتي. فهذا الحديث دليل على مشروعية الالتفات للحاجة، مشروعية الالتفات في الصلاة للحاجة. قال حديث الثالث بعد الثلاثمية، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه». متفق عليه. وفي رواية للبخاري: «أو تحت قدمه». في هذا الحديث بيان أن المصلي في أثناء صلاته، فهو في مناجاة لربه، أن يناديه ويدعوه ويستغفره ويطلب منه الجنة، ويعوذ به من النار، فهو في إقبال على ربه سبحانه وتعالى، فلا ينبغي أن يفعل شيئا ينافي ذلك، ينافي هذا الإقبال والمناجاة. ومن ذلك البزاق، إذا جاءه بزاق في أثناء الصلاة، قال: «فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه»، لأنه ليس هذا من الأدب، ولا عن يمينه، كما جاء في بعض الروايات: «لأن عن يمينه ملك». ولكن «عن شماله تحت قدمه»، إذا لم يكن عن يمينه أحد. قال حديث الرابع بعد الثلاثمية، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان قرام لعائشة -رضي الله عنها- سترت به جانب بيتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي». رواه البخاري. وفي حديث خامس بعد الثلاثمية، واتفق على حديثها في قصة أنبجانية أبي جهم، وفيه: «فإنها ألهتني عن صلاتي». القرام يعني الستر أو الستار، يعني من القماش الذي يستر به الشيء من النوافذ أو الكوة التي تكون في جدار، تضع فيه الأمتعة. فسترت به جانب بيتها بقرام فيه تصاوير، فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى، فشغلته هذه التصاوير، قال: «أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي». ولعل هذه التصاوير لم تكن من ذوات الأرواح، لأنها لو كانت من ذوات الأرواح، لم يزدها النبي عليه الصلاة والسلام، كما فعل في أحاديث أخرى، لما أبى أن يدخل وقد سترت قراما لها فيه تصاوير، حتى أمر بأن يقطع أو يمزق. قال حديث السادس بعد الثلاثمية، وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم». رواه مسلم. هذا الحديث فيه النهي عن رفع البصر إلى السماء في أثناء الصلاة، وذلك لأن المصلي كما مر معنا يناجي ربه، وهو مقبل على ربه، فلا يلتفت، لأن الالتفات سوء أدب. ولله جل وعلا المثل الأعلى، أنت في الصلاة تناجي ربك وتقبل عليه، ثم تلتفت يمينا أو شمالا، أو ترفع بصرك إلى السماء، هذا من سوء الأدب. وأيضا هذا يكون فيه شيء من العبث والانشغال عما ينبغي أن يكون عليه المصلي في حال الصلاة، من الإقبال على ربه سبحانه وتعالى. وجماهير أهل العلم على أن الالتفات أو النظر إلى السماء مكروه، وذهب جماعة من أهل العلم إلى التحريم، وهو الأقرب لقوله: «أو لا ترجع إليهم»، يعني تخطف أبصارهم، وهذا وعيد شديد يدل على أن هذا الفعل محرم. قال حديث السابع بعد الثلاثمية، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». والحديث في مسلم. «لا صلاة بحضرة طعام»، يعني في أثناء حضور الطعام، «ولا هو يدافعه الأخبثان»، يعني البول والغائط. لا صلاة، هذا النفي يراد به نفي الكمال، أي لا صلاة كاملة. لو صلى بحضرة طعام أو هو يدافعه الأخبثان، ولم يخرج منه شيء، فصلاته صحيحة، لكن ينقص من أجر الصلاة بقدر ما شغل في الصلاة بهذا الأمر. قال حديث الثامن بعد الثلاثمية، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع». رواه مسلم والترمذي. وزاد في رواية: «في الصلاة». وهي عند مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، ولفظه: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل». في هذا الحديث أن الشيطان قد يأتي إلى الإنسان في أثناء الصلاة، فيجعله يتثاءب، التثاؤب يعني انفتاح الفم وخروج شيء من الهواء في أثناء ذلك، فتتغير صورة المصلي، تكون صورته فيها شيء من الاستخباث. ولهذا أمرنا بأن نكظم التثاؤب ما استطعنا، سواء باليد أو بالثوب، حتى لا تظهر هذه الصورة التي هي غير طيبة، فيكون فيها شيء مما يخل بحال المصلي في أثناء الصلاة. صلى الله عليه وسلم، وآله وصحبه أجمعين.