الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 65، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل زواج النبي صلى الله عليه وسلم بسودة بنت زمعة وعائشة بنت أبي بكر بعد وفاة خديجة، موضحًا الترتيب الزمني للزواج والعقد والدخول عليهما. يُبرز أهمية موافقة الولي على زواج بناته بالأكفاء.
يتناول هذا الفصل قصة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة بنت أبي بكر، واستجابة أبي بكر بعد تردد بسبب اعتباره عائشة كابنة له في الإسلام، ثم إقناع النبي له بأن الأخوة في الإسلام لا تمنع الزواج.
يشرح هذا الفصل ترتيب العقد والدخول على سودة وعائشة، حيث تم العقد على عائشة أولًا ثم على سودة، بينما كان الدخول أولًا على سودة ثم على عائشة بسبب صغر سن عائشة.
يختتم هذا الفصل الدرس بتأجيل بعض المسائل المتعلقة بفضائل زوجات النبي إلى الدرس القادم، ويختم بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى في منظومته: قال: ثم على سودة أمضى عقده في رمضان، ثم كان بعده عقد ابنة الصديق في شوالي، وبعد خمسين وعام تالي. في هذه الأبيات، إخواني في الله، مما يذكره المؤلف رحمه الله تعالى من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، ما كان من أمر زواجه. فأشار إلى هذه المسألة بقوله: ثم على سودة أمضى عقده، أي عقد الزواج في رمضان، ثم كان بعده عقد ابنة الصديق في شوال. بعد موت خديجة رضي الله تعالى عنها بمدة يسيرة، تزوج نبينا عليه الصلاة والسلام بامرأتين اثنتين، ألا وهما سودة بنت زمعة بن قيس القرشية، وعائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما. وهنا مسألة أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى في مسألة الفترة الزمنية في فترة الزواج منهما. فقيل إن بدء الزواج كان بسودة رضي الله تعالى عنها، وكان ذلك في رمضان، ثم كان بعد ذلك الزواج بعائشة، وكان ذلك في شوال، كل ذلك في نفس العام. هذا الترتيب قد أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى بقوله: ثم على سودة أمضى عقده في رمضان، ثم كان بعده عقد ابنة الصديق في شوال، أي جعل سودة أولًا، ثم أتبعها بزواج عائشة رضي الله تعالى عنها. وهذا الذي رتبه المؤلف رحمه الله تعالى هو قول كثير من أهل السير، من أن زواج سودة كان قبل عائشة. وهذا الذي قال به ابن إسحاق، وقال به قتادة، وغير واحد. من أهل العلم من يرى العكس، من أهل العلم من يرى العكس، ويرى أن الزواج إنما تم لعائشة، وأن سودة بعد عائشة من حيث الترتيب. هكذا يكون عائشة أولًا، وبعدها سودة. وهذا قال به جماعة من أهل العلم. والصحيح في هذه المسألة الخلافية، إخواني في الله، ما ذهب إليه جماعة من المحققين، وهذا الذي قام بترجيحه الكثير من الأئمة حول أيهما كان قبل سودة أم عائشة في أمر الزواج وقضية التزويج. فالذي عليه العلماء قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد أولًا بعائشة، ثم عقد بسودة، ودخل على سودة. وأما الدخول على عائشة فتأخر. فمن حيث الزواج والعقد، فعائشة أولًا، وسودة بعدها. ومن حيث الدخول، فسودة أولًا، وعائشة بعدها. بهذا الترتيب، يا عبد الله، سيزول الإشكال، وتعلم ما هو الصواب. وأن كل واحد من الأئمة له وجه من الصواب. فإذا جئت من حيث العقد، نعم، عائشة عقد عليها نبينا أولًا، ثم عقد على سودة. لكن إن جئت من حيث الدخول، فإن النبي دخل على سودة أولًا، ثم دخل على عائشة. وهذا بالاتفاق في قضية الدخول، وهذا أمر متفق عليه، إذ أن النبي، ولو أنه عقد عقد الزواج في سنة العاشرة من البعثة، إلا أن الدخول على عائشة كان في المدينة. وإنما أخر الزواج لأجل العقد والدخول عليها، أعني ذلك لصغر سنها رضي الله تعالى عنها. والدليل، إخواني في الله، مما يستدل به على هذه المسألة، ما جاء في هذا الحديث المطول، والذي فيه بيان في قضية التزويج، تزويج الرسول عليه الصلاة والسلام بسودة وبعائشة. وهذا الحديث بطوله رواه الإمام أحمد في مسنده، وهكذا الطبراني، ورواه الحاكم. وفيه تقول خولة بنت حكيم، وهي امرأة عثمان بن مضعون: قالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟ وهذا بعد موت خديجة رضي الله عنها. قالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا. وفيه إشارة، إخواني في الله، إلى أن لا بأس أن من كان من قرابة الرجل أن يبحث له عن المرأة الصالحة التي تصلح له. قالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا. قال: فمن البكر؟ قالت: ابنة أحب خلق الله عز وجل إليك، عائشة بنت أبي بكر. قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك واتبعتك على ما تقول. لأن سودة رضي الله تعالى عنها كانت ممن أسلمت قديمًا، وهاجرت إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية. وكانت معها زوج، وهو السكران بن عمرو. كانت متزوجة، ثم إن زوجها توفي. قيل: إما أنه مات في الحبشة، أو أنه مات إثر رجوعه في مكة. فأصبحت بلا زوج، وكانت ممن أسلم قديمًا، وهي تعيش في بيت مشرك، في بيت من أهل الشرك، ما زال أهلها على الشرك. فكان أمرها يحتاج إلى من يعينها في أمر دينها. فكان ثيبًا. قالت خولة رضي الله تعالى عنها: قالت: لما قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك واتبعتك على ما تقول. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاذهبي فاذكريهما علي. لا بأس، اذهبي واخبريهم بأني أريد ماذا؟ الخطبة، وأريد الزواج بهما. قالت: فدخلت على بيت أبي بكر، فقلت: يا أم رومان -وأم رومان هي أم عائشة- ماذا أدخل الله عز وجل عليكم من الخير والبركة؟ هذا تمهيد لما تود أن تذكره لهم. قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة. قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، لا أبدا أن يأتي رب الأسرة. قال: فجاء أبو بكر، فقالت: يا أبا بكر، ماذا أدخل الله عز وجل عليكم من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة. أنا مرسولة من قبل رسول الله، وإنه يطلب ماذا؟ يد ابنتك عائشة. فقال: وهل تصلح له؟ هذا إشكال، أبو بكر استشكل هذه المسألة. طيب، ما وجه الإشكال؟ ما وجه الإشكال عند أبي بكر؟ قال: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه. يعني أبو بكر يرى أن ما كان من صحبته برسول الله وصلت إلى حد الإخوة الأشقاء، وأن عائشة تعتبر ابنة أخيه. يعني هل يصح أنه يتزوج من ابنة أخيه؟ وهو أخوه، يعني لشدة ما كان بينهما من الصحبة والعلاقة. فقال رضي الله تعالى عنه: إنما هي ابنة أخيه. قالت: فراجعت، وهذه المرأة -وهي قاد- فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له. ذكرت هذا الإشكال لرسول الله. فماذا قال النبي؟ قال: ارجعي إليه، فقول له: أنا أخوك، وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي. تصلح لي. ومن حيث الأخوة هي قائمة. أنا أخوك، أخبره بهذا. أنا أخوك، وأنت أخي، لكن في الإسلام، هذه أخوة الإسلام. وأن ابنتك تصلح لي، تصلح لي. وهذه الإشارة، إخواني في الله، على أن أحيانًا تجد أن من بعض الفلسفات الموجودة في بعض المجتمعات، تجد أن رجلًا عنده صاحب يصاحبه في ليله ونهاره، ولو ربما من أشد الناس التصاقًا به. فإذا قام أحدهم وطلب من الآخر أن يتقدم لأخته أو يتقدم لبنته، لو ربما أنف، والأخ يخلص له هكذا على علاقة طيبة، فتأتي مشاكل وتفرق فيما بيننا. لا، يا عبد الله، بل إن هذه علاقة، بل تزيد الأواصر قوة ومتانة. كما فعل نبينا عليه الصلاة والسلام مع شدة علاقته مع أبي بكر، ومع ذلك طمعًا في زواج من بنته، زيادة في هذه العلاقة المتينة. لأن من الناس من نراه لو ربما يأنف، قال: لا، ما أرضى، أنت صاحبي وأنت تعز عليه، وهذا الزواج نعرفه نهاياته، الله علم بمشاكله، فهذا يفسد بيننا. لا، يا عبد الله، لا تسيء الظن بهذه العلاقة، فهذه العلاقة ما تزيد الروابط إلا رابطة وشدة. فقال عليه الصلاة والسلام: وإنها تصلح لي. قالت: فراجعت، فراجعت أيتها المرأة عثمان. قال: فراجعت، فذكرت ذلك له، أي أخبرت الصديق بأن ابنتك تصلح، وما هناك مانع. فماذا قال أبو بكر؟ قال: انتظري، وخرج. هنا خرج من بيته، فهنا ما هو السبب في خروج أبي بكر من البيت؟ فهنا خول في جلوسها مع أم عائشة، أم رومان. أخبرت خولة بسبب خروج أبي بكر، وهو أن أبا بكر قد حجز عائشة لرجل آخر. وهذا كان من المعروف عند العرب، يحجزون البنات ولو كانوا صغارًا. فما أراد أبو بكر أن يعقد لبنته وهي محجوزة عند آخر. فقالت أم رومان: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، ذكرها أي أرادها لابنه، كأنه حجزها. قالت: فوالله ما وعد وعدًا قط فأخلفه. أي أن أبا بكر هذا شيمته، إذا وعد وعدًا أقامه. ولما كان الكلام بينه وبين مطعم على أن ابنته لابنه على الوعد الأول، فلما سمع أن رسول الله أراد ابنته، حينها قال: انتظري حتى يتأكد من أمر مطعم، هل هو على عقده على وعده الأول أم غير وبدل؟ فقالت: فوالله ما وعدًا وعدًا قط فأخلفه. فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي، وعنده امرأته أم الفتى. فقالتحية الجاهلية، في بعض الروايات أنها قالت: أنعم صباحًا، أنعم صباحًا. فقال: من هذا؟ فقالت: خولة بنت حكيم. قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله -لأنه ما يقول رسول الله، كافر، لا زال على كفره- قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة. قال: كفء كريم، كفء كريم. ماذا تقول صاحبتك؟ يريد من ابنته، إيش رأيها في هذا الموضوع؟ ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذاك، تريد، وموافقة على الزواج برسول الله. فقال: ادعيها لي. فدعتها، فقالت: أي بنية، هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم. سبحان الله، تأمل يا عبد الله في أمر هذا الرجل، وهو الذي لا زال على الجاهلية، عندما سمع بمقدم نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو كافر به، كافر به، لكن يعلم من خلقه ومن حسن تعامله وعشرة ما يدل على كفاءته. ومع ذلك ارتيابه أن يكون زوجًا لبنته. أين هذا، إخواني في الله، مع بعض أولياء الأمور من أهل الإسلام، من لربما من يأتيه الأكفاء، الواحد تلو الآخر، يريد الخطبة من بناته، يريد الخطبة من بناته، وهم أكفاء، دينًا ونسبًا وحالًا. ومع ذلك ما عند الأب سوى الرد: لا، ما أريد، لا، أنت ما تنفع، أنا لا ما أريدك أنا. وأصبح الأمر مزاجًا، وكأن البنت عنده تحت رحمته، فلا يزال يرد ويرد ويرد، حتى أصبحت البنت في سن العانس التي ما يقبلها أحد إلا من كبر سنه. هذه مسألة، إخواني في الله، والله أذكرها عن واقع ملموس، ولعل بعضكم يعلم بهذا. لربما هناك من البيوت من كدست عفيه العوانس، الثلاث والأربع، لا أقول الواحد والاثنتين، بل الثلاث والأربع. الواحد قد بلغت الأربعين، ومنهن من هو أكبر من ذلك، ومنهن من هو دون ذلك. لا أقول أن أحدًا لم يأتهن، بل قد جاءها الخطاب، الواحد تلو الآخر، لكن المشكلة المعضلة في هذا الأب الطاغي الظالم، قد ظلم نفسه قبل كل شيء، وظلم الأمانة التي حمله الله إياها. وذلك برد أكفاء لبنات، ومن ينبغي أن يزوجهم إياه. وهذا من الظلم العظيم الذي يلاقي به العبد ربه يوم القيامة. فاتق الله، يا عبد الله، يا من أولاك الله مثل هذا العار من بنات وأخوات. فإن جاءك الكفء الكريم فزوجه، يا عبد الله، واحللهم من رقبتك. فقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: من كانت له -أو من كانت عنده- ثلاث أخوات أو ثلاث بنات، أو أختان أو بنتان، فاتق الله فيهن، وأحسن صحبتهن، أدخله الله الجنة. لكن يفهم من هذا الحديث أنك إن لم تتق الله فيهن، ولم تحسن صحبتهن، فالنار أولى لك. فاتق الله، يا عبد الله، وتأمل في هذا الحديث: رجل جاهلي، رجل جاهلي، حتى أن أخاها لما جاء بعد ذلك وعلم أن محمد بن عبد الله خطب أخته، ماذا فعل؟ أخذ يأتي بالتراب على رأسه، ما ارتضى بهذا. هذا قبل إسلامه، ثم لما أسلم كان يتندم على هذا، الحثي على رأسه، ويقول: إني لسفيه، عندما فعلت هذا. لكن الشاهد أنا في بيت مشرك، أبوها وأخوها، ومع ذلك لما جاءهم هذا الكفء الكريم قبلوه. الشاهد من ذلك أن أباها قال لها: يا بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم. قال: ادعيه لي. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجها إياه. فهذا الحديث، إخواني في الله، دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وسودة في وقت واحد. ومن الأكيد المؤكد الذي لا شك فيه ولا ريب أن النبي تزوج عائشة في شوال، تزوج عائشة في شوال، كما جاء ذلك في صحيح مسلم. قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال. إذن، على هذه القصة، فزواج النبي كان أولًا على عائشة في شوال، ثم كان بعد ذلك زواج سودة في نفس الفترة، وفي نفس العام. فكان زواج عائشة أولًا، ثم بعد ذلك زواج سودة. لكن الدخول على من؟ الدخول أولًا كان على سودة، لأن عائشة كانت صغيرة. ولهذا أخر النبي الدخول عليها لما وصل إلى المدينة. فهذا، إخواني في الله، ما يذكر في هذا المقام، في قول المنظومة رحمه الله تعالى، حيث قال: ثم على سودة أمضى عقده في رمضان، ثم كان بعده عقد ابنة الصديق في شوال. هذا كما قلنا على رأي كثير من العلماء، لكن ظاهر الحديث الذي مر بنا، وهو صحيح بإسناده حسن، الحديث يدل على أن الزواج من عائشة كان قبل سودة، هذا من حيث العقد. أما الدخول، فقد كان الدخول على سودة قبل عائشة. وبقيت مسألة، إخواني في الله، متعلقة بفضائل سودة وفضائل عائشة، يترك بإذن الله إلى درس غد. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.