الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 63، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية الدعوة إلى الله مستشهدًا برحلة النبي إلى الطائف، ويبين أنها وظيفة الأمة المحمدية. الدعوة إلى الله أمر متاح للجميع.
الدعوة إلى الله وسام شرف للأمة، وتتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قام بها رجال ونساء من الصحابة مثل أم سليم وأبي طلحة.
الدعوة تحتاج إلى بذل الجهد والتضحية والصبر والإخلاص لله. الإخلاص والصبر مفتاح النجاح وقد وردت الإشارة إلى أهمية الصبر في القرآن وفي وصايا الصالحين.
يواجه الداعون تحديات في دعوتهم وقد ينتقلون من مكان إلى آخر. الدعوة إلى الله مقام طويل وصعب وعدد الداعين قليل مقارنة بالمصلين والصائمين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، في درس أمس كان الحديث عن حادثة سفر النبي عليه الصلاة والسلام إلى الطائف، وذكرنا أن هذه الفقرة والمسألة من المسائل التي لم ينوه عليها المؤلف رحمه الله تعالى في منظومته. وذكرنا ما كان من حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من اختيار هذه البلدة، زد على ذلك ما لقاه صلوات ربي وسلامه عليه من العنت ومن الرد والإعراض من كبراء القوم، ناهيك عن غمارهم وأحداثهم. بل تناقل أهل السير كيف أن السفهاء والصبيان لو ربما تواطأوا على أذية رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف، حيث إنه ما جلس فيها إلا أيامًا معدودة يدعو فيها إلى الله جل في علاه، حتى خرج منها مهمومًا عندما لم يجد منهم استجابة. وإن مما يذكر، إخواني في الله، في خاتمة هذه الحادثة أن نستحضر بعض الفوائد والمسائل التي ينبغي أن تذكر في هذا الموطن، منها ما يتعلق بأهمية الدعوة إلى الله جل في علاه. فها هو نبينا عليه الصلاة والسلام ينتقل من بلدة إلى أخرى يدعو الناس إلى دين الله، يدعوهم إلى الإسلام. وهذه الوظيفة، إخواني في الله، هي وظيفة الأنبياء والرسل، يا أيها النبي إن أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله وسراجًا منيرًا. فالرسل والأنبياء أرسلهم ربنا جل وعلا دعاة إلى أقوامهم. وهل الأمر ينحصر فيهم؟ الجواب: لا، بل نحن كذلك الأمة المحمدية ينبغي أن يكون لنا القصب، قصب السبق في هذا المضمار، في الدعوة إلى الله جل في علاه، كل في مضماره وكل في ميدانه. فألا تظن، يا عبد الله، أن الدعوة إلى الله جل في علاه عبارة عن وظيفة أو عبارة عن منصب تحتاج إلى من يخولك أو تحتاج إلى من يرسمك حتى يوظفك كداعية. الأمر ليس كذلك، يا عبد الله، بل إن الدعوة إلى الله أمر متاح ومجال مفتوح لكل أحد، للصغير والكبير والذكر والأنثى. وكم ذكرنا في دروس خلت ما يتعلق بالكائنات من حيوانات وحشرات، بل من معشر الجان، من انتصب داعية إلى الله يدعو قومه إلى ما فيه الفلاح والرشاد. وهكذا أنت، يا عبد الله، لك أن تكون داعية. فالدعوة إلى الله يعد وسام شرف لهذه الأمة المحمدية، ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾، وإن من الدعوة إلى الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبهذا كانت الخيرية لهذه الأمة المحمدية. كل يدعو، ذاك في بيته، ذاك في مدرسته، ذاك في معمله، ذاك في مصنعه، ذاك في شركته، ذاك في بره، وذاك في بحره. ولا يقتصر الأمر على معشر الرجال، بل حتى النساء. وانظروا إلى أم سليم رضي الله تعالى عنها عندما تقدم إليها أبو طلحة وكان حينها مشركًا وأراد خطبتها، فقالت أم سليم وهي مستغلة لهذا الباب، وهو باب من الأبواب الاجتماعية، إن صح التعبير، قالت: يا أبا طلحة، إن مثلك لا يرد، لا يرد، لكني امرأة مسلمة وأنت مشرك، فإن تسلم يكون هذا مهري منك، ما أحتاج منك إلى مهر، يكفيني إسلامه. فأسلم وحسن إسلامه، وكان من خيار الصحابة رضي الله تعالى عنه، بماذا؟ بهذا الأسلوب الدعوي. ما الذي قام به؟ امرأة قامت به. ولهذا، إخواني في الله، فينبغي أن نعلم أن فضيلة هذه الأمة يكون في الدعوة إلى الله جل في علاه. ولنا المثل في نبينا عليه الصلاة والسلام، كيف أنه دعا هنا ويدعو هنا، وكذلك في هذا الحديث وفي قصة الطائف، إخواني في الله، في بيان على أن الداعية حين يدعو عليه أن يبذل ما يستطيع على بذله. لا تظن، يا عبد الله، إذا دخلت إلى باب الدعوة تجد أن باب الدعوة أنه باب سهل يسر، كما يقول بعض الناس: أنا والله الحمد لله سأدعو إلى الله، إذن سأجد الأمور ميسرة. لا، يا عبد الله، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل في هذا المضمار الضيق والشدة والحرج ابتلاء حتى يتصفى من الصادق من الكاذب في دعواه، ومن المحب لله ولرسوله ولدينه. فانظروا إلى نبينا عليه الصلاة والسلام كيف بذل الكثير في سبيل الدعوة. ها هو يمشي من مكة إلى الطائف مشيًا، قدرت هذه المسافة بمئة كيلو، يمشيها مشيًا، ثم ما كان من مشقة من الطائف إلى قرن الثعالب، قريبًا من هذه المسافة، كل ذلك مشيًا قضاها نبينا عليه الصلاة والسلام. قال علماء: عندما نظر إلى التاريخ الهجري وكان ذلك في شوال في سنة العاشرة، قالوا: كان ذلك في أيام حر، في أيام صيف، كل ذلك في سبيل الدعوة. فالإنسان، إخواني في الله، إذا دخل في مضمار الدعوة عليه أن يعلم أن الأمر ليس بالأريحية، وأن الدعوة تحتاج منك إلى أن تبذل قصارى جهدك، من التعب، من السهر، من قضاء الأوقات، لو ربما تنشغل عن أهلك، تنشغل عن عيالك، لو ربما تنقطع عن الناس، تذهب يمنى، تذهب يسرة، كل ذلك في سبيل الله. وربك عز وجل ما يضيع عمل المحسنين أبدًا، بل إن هذا إذا رأى الله جل وعلا منك هذا الفعل، فإنك، يا عبد الله، حينها من خيار عباد الله، ومن أحسن قول ممن دعا إلى الله. ما هناك أحد أحسن منك، أنت لا تدعو إلى حزبك، ولا تدعو إلى شخصك، ولا تدعو إلى حظ من حظوظ نفسك، وإنما تدعو إلى الله تبارك وتعالى جل في علا. فإذا وجد الله منك الإخلاص حينها أعانك الله عز وجل. ولهذا، إخواني في الله، فلينبغي أن نعلم أن الناس ينبغي أولًا أن يتفانوا في هذا الباب. كل يعلم أن قيام الدعوة إلى الله جل وعلا ليس مركونًا، وليس مخصوصًا أو مرسومًا على طائفة من الناس، بل الكل يدعو. ثم في دعواك، يا عبد الله، عليك أن تعلم أن هذا المجال يحتاج إلى تضحية، لربما بذلت من مالك، بذلت من وقتك، من عمرك، لربما بذلت الشيء الكثير من التعب، كل ذلك في سبيل، يا عبد الله، أنك تتفانى في إظهار حبك لهذا الدين العظيم الذي حباك الله رب العالمين. كذلك في هذا الحديث، إخواني في الله، في قصة الطائف، بيان على أن الإنسان عليه أن يصبر، لا تيأس. فمن دخل إلى مضمار الدعوة عليه أن يصبر، يا أيها المدثر قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر. بدأت بالدعوة، يا أيها المدثر قم فأنذر، ختمت بالصبر، إشارة إلى أن من قام على هذا المقام يحتاج إلى أن يتسلح بالصبر. وأي صبر ستتسلح، يا عبد الله؟ بالصبر. ولهذا كان في وصية لقمان لابنه: ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك﴾، ختمها بالصبر، لأن من انتصب داعيًا، سواء كان في أهله، حتى في محيط بيته، لو ربما، يا عبد الله، ستجد أنك تحتاج إلى صبر، صبر في الاستمرار. ولهذا القليل، القليل من يمكث في مضمار الدعوة. القليل من خلق الله، لو ربما تجد في باب العبادة والطاعة تجد من كثرة المصلين، تجد من كثرة الصائمين، تجد من كثرة الذاكرين لله جل وعلا، فعلًا، لكن تجد القلة في من يقوم للدعوة إلى الله، لأنه مقام طويل، ستجد القلة في من يقوم للدعوة إلى الله، لأنه مقام طويل، ستدعو وستدعو وستواجه هذا وتواجه ذاك، لربما قمت بالدعوة أمام الملأ، في الجمع، في المحاضرات، في الكلمات، في الدروس، تنتقل من قرية إلى أخرى، من مدينة إلى أخرى، ولا يزال هذا إلى متى؟ إلى أن تفارق الدنيا. **يتبع**