الدرس في كتاب الصلاة 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف العلماء في حكم صلاة الجماعة بين الوجوب والاستحباب، واستدل كل فريق بأدلة من السنة النبوية. الجمهور يرى أنها مستحبة بينما الظاهرية يرون وجوبها.
يتناول المقطع أحكام صلاة الجماعة في المساجد مثل استحباب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد وتحديد إمام المسجد الراتب، وآراء حول إعادة الصلاة مع جماعة أخرى.
يتناول أحكام الصلاة خلف الإمام مثل متابعة الإمام وعدم التقدم عليه، وأحكام الجهر بالقراءة، وانتظار الإمام الداخل للمسجد، وفضل صلاة المرأة في بيتها.
النبي ﷺ ذكر أن البيت خير للمرأة، لكن لا يمنع خروجها للمسجد إذا رغبت في ذلك. يُفضل للمرأة الصلاة في بيتها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب صلاة الجماعة. قال: تلزم الرجال للصلوات الخمس لا شرط، وله فعلها في بيته. وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد. قال: تلزم الرجال للصلوات الخمس، المراد أنها واجبة، لكن وجوبها ليس وجوب شرط. وجوب الصلاة ليس وجوب شرط، وإنما هو وجوب استحباب أو وجوب معنوي، من تركها أثم. وقالت الظاهرية بوجوب شرطية؛ الظاهرية تقول: إنها واجبة وجوب شرط، معناه: إذا لم يصل الجماعة فصلاته باطلة. والأدلة التي جاءت في هذه المسألة منها ما جاء فيه الفضل، ومنها ما جاء فيه الأمر. وجمهور العلماء كالشافعي، ومالك، وأبي حنيفة يقولون باستحباب صلاة الجماعة. لكن الأدلة دلت على الوجوب. فمن تلك الأدلة التي دلت على الوجوب الحديث الذي في صحيح مسلم؛ لما قال ﷺ لابنه المكتوب: قال له: أتسمع النداء؟ قال: بلى. قال: أجب. فلم يعذره النبي ﷺ لأنه كان في المدينة، فلم يعذره ﷺ، بل قال له: أجب. وأيضا حديث أبي هريرة: «لقد هممت أن أمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أخالف إلى بيوت أناس يتخلفون عن الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم». ولا شك أن مثل هذا الهم يدل على عظمته؛ حتى أهم النبي ﷺ بتحريق بيوتهم، ولم يفعل. جاء في رواية عند أحمد من طريق ابن إسحاق أنه قال: «لولا النساء والصبيان في البيوت لحرقت عليهم بيوتهم». لكن ابن إسحاق لم يصرح بالسماع فيه. وابن إسحاق إذا لم يصرح بالسماع لم يقبل حديثه. واستدل الجمهور على الاستحباب بحديث الفضائل؛ حديث ابن عمر في الصحيحين أنه قال: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». وحديث أبي هريرة: «بخمس وعشرين درجة». قالوا: هذا يدل على الاستحباب؛ لأن النبي ﷺ فاضل بين صلاة المنفرد وصلاة الجماعة. لكن مادام أنه وجد عندنا حديث وجوب، فمثل هذه الفضيلة هنا تحمل على أنه إذا صلى منفردا بعذر، صلى منفردا من العوارض التي تسقط عنه الجماعة، فهذا أيضا يحصل على الفضيلة. خلاصة الأمر أن الأدلة تسعف من قال بالوجوب. وأما حديث قول النبي ﷺ للرجلين في منى لما صلى في مسجد الخيف، فلما صلى وجد الرجلين لم يصليا، فناداهما، فقال: «لستما برجلين مسلمين؟» قالا: بلى يا رسول الله. قال: «لما لم تصليا؟» قالا: قد صلينا في رحالنا. قال النبي ﷺ: «إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم؛ فإنها لكم نافلة». فهذا لا يلزم أنهم صلوا في رحالهم -أي في بيوتهم-، وإنما قد يكون صلوا في مسجد -المسجد الذي عند بيوتهم-، أو أنهم صلوا جماعة في مكانهم؛ فالمقصود هو صلاة الجماعة. قال: وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد. أهل الثغر هم أهل الحدود الذين يكونون في مواجهة للعدو؛ في الأماكن التي يدخل منها الكفار يكون ثغر، هؤلاء الأفضل أن يصلوا في مسجد واحد؛ أفضل من أن يتفرقوا. قالوا: الأفضل لغيرهم في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره. الأفضل لغير أهل الثغر في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره؛ معناه: إذا حضروا أقيمت فيه جماعة، وإذا لم يحضر الناس لم تقام. ثم ما كان أكثر جماعة، ثم المسجد العتيق، وأبعد أولى من أقرب. قال: ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره؛ لأن الحق لإمام الراتب. لا يجوز أن يتقدم إنسان إلا بإذنه؛ كما جاء في صحيح مسلم: «لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه، أو في بيته إلا بإذنه». فلهذا لا يؤم إنسان في مسجد فيه إمام راتب إلا بإذنه؛ أن يأذن له، أو مثلا الإذن أن يكون مثلا الإمام لم يحضر الصلاة، فيقدمه المؤذن مثلا، يعطي إذنا للمؤذن أن يتصرف. قال: من صلى ثم أقيمت الصلاة يعيدها إلا المغرب. إذا صلى الصلاة ثم جاء إلى مسجد آخر وجد الناس يصلون، فإنه يعيدها. هل يعيدها وجوبا أو استحبابا؟ الظاهر أنه استحبابا. وبعضهم يقول -أي من الحنابلة- وجوبا. لكن الصحيح أنها استحبابا؛ لأن النبي ﷺ قال: «إنها لكم نافلة». وأيضا كذلك مسألة استثناء المغرب؛ الصحيح أنه لا يستثنى المغرب مثل غيرها. قالوا: لا تكره إعادة الجماعة في غير مسجد مكة والمدينة. عادة الجماعة في المسجد الواحد تكره عند بعض أهل العلم كالشافعي. ودلل على كراهتها بأنها تفريق معنى من ناحية التعليم؛ أنها تفريق بين المسلمين، وتكاسل أيضا يحصل التكاسل من الناس؛ لأنه إذا رأى أنه يصلي في أي وقت سيتكاسل. قال: وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةِ. فإن كان في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة؛ ليقطعها. والأولى هو قول رواية عن أحمد، وقول الشافعي: أنه لا يتمها؛ يقطع هذه الصلاة، وخاصة إذا كان معناه في الركعة الأولى؛ فإنه يقطعها. قال: من كبر قبل سلام إمامه لحق بالجماعة. وإن لحقه راكعا دخل معه في الركعة، وأجزأته التحريمة. الصحيح أن الجماعة تلحق بإدراك الركعة؛ أن الجماعة تلحق بإدراك الركعة. وأما فضلها؛ فإن كان الشخص بعذر فلا شك أنه يتحصل على أجرها ولو لم يدرك شيئا من الجماعة. وأما إذا كان بدون عذر فهو يذهب عنه ما فاته من الصلاة. قال: لا قراءة على مأموم. وتستحب السر في إسرار إمامه، وسكوته. وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش. ويستفتحوا ويستعيذوا فيما يجهر فيه إمامه. مسألة الجهر مع الإمام؛ معلوم عند الحنابلة أنه لا يجهر بالفاتحة مع وجود الإمام. قال: من ركع وسجد قبل إمامه فعليه أن يرفع لياتي به بعده. فإن لم يفعل عمدا بطلت صلاته. إذا ركع قبل الإمام فإنه في خطر عظيم؛ النبي ﷺ قال: «من ركع قبل إمامه أو قال: يخشى أو يوشك أو يخشى على الرجل الذي يركع قبل إمامه أن يحول الله رأسه رأس حمار». فلهذا ينتبه لهذا؛ لا يقرأ، لا يركع قبل إمامه، كذلك السجود. قال: والركوع ورفع قبل ركوع إمامه عالما عامدا بطلت صلاته. وإن كان جاهلا أو ناسيا بطلت الركعة فقط. الركوع ورفع قبل إمامه عالما عمدا؛ معناه رفع قبل الإمام عامدا، فهذا صلاة باطل. وإن كان جاهلا أو ناسيا بطلت الركعة هذه التي قام فيها قبل الإمام. قالوا: يسن للإمام التخفيف مع الإتمام. وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية من ناحية التخفيف؛ فقد كان النبي ﷺ يصلي صلاة خفيفة مع تمام؛ يعني مع الإتمام، لا يخل بشيء من أركانه وشروطها. قالوا: يستحب انتظار داخل لم يشق على مأموم. يستحب انتظار داخل إذا لم يشق على المأمومين. وعند الشافعية لا يستحب. وعند بعض المالكية قالوا: لا يجوز. حتى جعله بعضهم شركا. وهذا بعيد جدا؛ أدخله في الشرك. وهذا لا شك أنه بعيد؛ كلام بعيد. قالوا: إذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها، وبيتها خير لها؛ لأن صلاة المرأة في بيتها خير لها. وجاء في حديث زيد بن ثابت وغيره. لكن إن صلت فصلاتها صحيحة. وإلا الأفضل أن تصلي في بيتها، ولو كانت في المسجد الحرام. النبي ﷺ ذكر هذا في المدينة وفي المسجد النبوي. لكن هذا أمر عام؛ فالبيت خير لها. لكن لو خرجت لا تمنع؛ لو خرجت لا تمنع.