التعليق على كتاب الوصية الصغرى 4

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الصغرى 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

اتباع سنن الأمم السابقة: بين الشهوات والشبهات

يشرح المقطع حديث «لتتبعن سنن من كان قبلكم» وآية ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مبيناً أن فساد الدين يقع إما باتباع الشهوات وإما باتباع الشبهات، ويحذر من أربع فئات تضل الناس: صاحب الهوى، وصاحب الدنيا، والعالم الفاجر، والعابد الجاهل، مضرباً المثل بالإمام أحمد في الصبر عن الشهوات ورد البدع.

خطر التنافس في الدنيا واتباع الشهوات كسبب لهلاك الأمم

يبين المقطع أن التنافس في الدنيا وحب النساء من أعظم أسباب هلاك الأمم السابقة، وأن هذه الأمة ستتبع سنن من قبلها حذو القذة بالقذة، موضحاً أن المال زهرة الدنيا قد يكون سبباً للهلاك إذا أُخذ بغير حق أو صُرف في غير مستحقه، بينما يكون نعمة للمعونة إذا أُخذ بحق ووضع في مواضعه.

تحذير من الانهماك في الدنيا واتباع الأهواء والبدع

يحذر النص من جمع المال من غير حله أو الانهماك في المباح على حساب الواجبات، ويشبه الجشع بالماشية التي تأكل حتى تهلك، ويبين أن فتنة الدنيا والنساء أهلكت بني إسرائيل، وأن اتباع الأهواء والبدع يفرق الأمة كداء الكلب، مستدلاً بأحاديث الافتراق إلى ثلاث وسبعين فرقة.

خاتمة الدرس وبشارة الطائفة المنصورة

يختم الشيخ الدرس بذكر حديث عن بقاء طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم مخالفة ولا خذلان حتى يأتي أمر الله، ويعلن استكمال الحديث في الدرس القادم داعياً الله بالتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الوصية الصغرى: «واعلم أن العناية بهذا من أشد ما بالإنسان الحاجة إليه، فإن الإنسان من حين يبلغ خصوصاً في هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة الفترات التي تشبه الجاهلية من بعض الوجوه، فإن الإنسان الذي ينشأ بين أهل علم ودين قد يتلطخ من أمور الجاهلية بعدة أشياء، فكيف بغير هذا؟». وفي الصحيحين - يعني: كيف إذا نشأ في مكان ليس فيه أهل علم ودين، ربما يقصد دينه كاملاً والعياذ بالله - فإذا كان يعيش بين أهل علم ودين قد يتلطخ بأشياء من أمور الجاهلية يرتكبها ويفعلها، والله المستعان. قالوا: في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». هذا الحديث الذي ذكره رحمه الله ليس فيه في الصحيحين «حذو القذة بالقذة»، وإنما هذه الرواية عند الإمام أحمد رحمه الله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم». لفظ الصحيحين: «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». فأنت تعزو الحديث إلى الصحيحين بهذا اللفظ «حذو القذة بالقذة» عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ولعل شيخ الإسلام يكتب من حفظه، يكتب من حفظه رحمه الله تعالى. قال: هذا خبر، تصديقه في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُم كَالَّذِي خَاضُوا﴾. هذا الخبر الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام أن في هذه الأمة من سيتبع سنن من كان قبلنا من اليهود والنصارى، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه. هذا مصداقه في قول الله عز وجل: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُم كَالَّذِي خَاضُوا﴾. بدء الآية ما ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهي قوله جل وعلا: ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنكُمْ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُم كَالَّذِي خَاضُوا﴾. من كان قبلنا آتاهم الله عز وجل أموالاً وآتاهم كذلك بنين، وهم أكثر أموالاً، واستمتعوا بخلاقهم، يعني بما آتاهم الله عز وجل، والمراد به الشهوات. استمتعوا بشهواتهم والعياذ بالله، فحصل في من بعدهم في هذه الأمة أنه فعل كما فعل أولئك: استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، وخاضوا كالذي خاضوا. وسيأتي تفسير هذه الآية. قال: «ولهذا شواهد في الصحاح والحسان». ولهذا - أي: المعنى - شواهد كثيرة من الأحاديث النبوية في الصحيحين وفي غيرها من الأحاديث الصحيحة، ومن الأحاديث كذلك الحسنة. قال شيخ الإسلام في الكلام على هذه الآية من «الاقتضاء» - اقتضاء الصراط المستقيم - وتوسع في شرحها: «وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض في الآية». جمع بين أمرين: الاستمتاع بالخلاق، وبين الخوض. انتبه لهذه المسألة. قال: لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به، أو يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق. وهذا ما سلكه اليهود والنصارى حيث ضلوا وغضب الله عز وجل عليهم. قال: والأول هو البدع ونحوها، والثاني هو فسق الأعمال ونحوها. والأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات. انظر الآن: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُم كَالَّذِي خَاضُوا﴾. في ماذا خاضوا؟ ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ هذا هو الشبهات، هذا هو الشبهات وهي البدع. وأما الأول: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ﴾ فهذه هي الشهوات. فجمعت الآية بين الشبهات وبين الشهوات، وأنه حصل في هذه الأمة ممن اتبع شهوته أو اتبع الشبه، ومنهم من جمع بين الأمرين، من جمع بين اتباع الشبهات واتباع الشهوات، فحصل الفساد في الدين عند هذا المتبع، حصل فساد دينه بسبب إما اتباعه للشهوات، وإما اتباعه للشبهات، وإما للأمرين جميعاً. قالوا: لهذا كان السلف يقولون: «احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه». صاحب الهوى متبع للشبهات. احذروه. وصاحب دنيا أعمته دنيا، صاحب الدنيا متبع للشهوات. منهمك في الدنيا، ما سيحدثك إلا عن الدنيا، لهذا سيضلك ويفسد دينك لأنك ستتبع شهوتك. قالوا: وكانوا يقولون: «احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل». العالم الفاجر هذا الذي صاحب شبهة، والعابد الذي هو جاهل هذا صاحب شهوة. قال: «فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون». فتنتهما - هذان الصنفان - فتنة لكل مفتون. فمن اتبع عالماً فاجراً قاده إلى الشبهات، ومن اتبع عابداً جاهلاً قاده إلى الشهوات، فيفتن هذا ويفتن هذا. قال: فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه، هذا من؟ هذا العالم الفاجر يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه. وهذا العابد الجاهل يشبه الضالين وهم النصارى الذين يعملون بغير علم، الذين يعملون بغير علم. فهذا كلام رصين من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يفسر به هذه الآية. ثم ذكر كيف العلماء الأتقياء، كيف العلماء الأتقياء، ذكر قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. صبروا عن الشهوات، صبروا عن الشهوات، وأيقنوا بما أخبر الله عز وجل فلم ينقادوا للشبهات، لم ينقادوا للشبهات. ولهذا وصف بعضهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فقال رحمه الله - يعني يثني على الإمام أحمد رحمه الله -: «عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه. أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها». أتته البدع فنفاها لأن البدع طريق شبهات نفاها، والدنيا طريق شهوات أباها. ثم قال: «وأما قوله سبحانه: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ﴾ إشارة إلى اتباع الشهوات». إذن الاستمتاع بالخلاق في الآية التي ذكرها شيخ الإسلام معنى ماذا؟ اتباع الشهوات التي كانت في بني إسرائيل. كانوا يتبعون شهواتهم، عصاة، وهو داء العصاة، مرض العاصين. هذا هو اتباع الشهوات، كل عاصٍ يتبع شهوته. وأما قوله: ﴿وَخُضْتُم كَالَّذِي خَاضُوا﴾ في الآية، قال: «إشارة إلى اتباع الشبهات». ﴿تَخُوضُونَ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، ﴿يَتَّبِعُونَ شَهَوَاتِهِمْ﴾ قال: وهو داء المبتدع. مبتدع، ما هو مرضهم؟ المرض الذي عندهم اتباع الشبهات. قال: وأهل الأهواء والخصومات، وكثيراً ما يجتمعان. فقل من تجد في اعتقاده فساداً إلا وهو ظاهر في عمله. قل من تجد صاحب شبهة وعنده فساد في الاعتقاد إلا ويظهر في أعماله، تفسد كذلك أعماله. هذا قاله في «الاقتضاء». إذن عندنا أمران في هذه الآية: الاستمتاع بالخلاق، والاستمتاع بالخلاق، والخوض كالذي خاضوا. والخوض الذي خاضوا يعني في هذه الأمة، والنبي صلى الله عليه وعليه وسلم قد أخبر أن هذه الأمة ستتبع سنن الماضين من اليهود والنصارى ومن فارس والروم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه. جحر الضب صغير، ما يدخله إلا هذا الحيوان الذي هو الضب، ومتعرج ليس مستقيماً، متعرج، من يستطيع يدخل جحر الضب؟ هذا يدل على أن في هذه الأمة من سيمشي مثل مشي اليهود والنصارى ويتبعهم في أخلاقهم وفي معاملاتهم وفي سلوكياتهم وآدابهم وشمائلهم، بل وماذا؟ ودينهم، والعياذ بالله. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذين الأمرين في أحاديثه الكثيرة، أخبر في أحاديثه الكثيرة عن الاستمتاع بالخلاق، وأخبر عن الخوض الذي ستخوضه الأمة تبعاً لليهود والنصارى. أما الأمر الأول وهو الاستمتاع بالخلاق وهو اتباع الشهوات، فيتمثل في أمرين أساسيين تلحقهما كثير من الأمور وتدخل فيهما كثير من الأمور، وهما: التنافس في الدنيا، وكذلك حب النساء. ليس حب النساء الحب الشرعي الذي الرجل يحب زوجته أو أمه وابنته، بمعنى فتنة النساء بأن يفتن في النساء. أما الأمر الأول وهو التنافس في الدنيا، فقد جاء في عدة أحاديث أن التنافس في الدنيا سبب هلاك الأمم الأولى. منها حديث عمر بن عوف في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، وكان أميرها العلاء بن الحضرمي، جاء بمال كثير، فوافوا النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فلما صلى تعرضوا له، ففطن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فتبسم وقال: «لعلكم علمتم أن أبا عبيدة قدم بشيء؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». انظر الآن سبب الهلاك ماذا؟ التنافس في الدنيا. لما تنافس الأولون في الدنيا كان سبب هلاكهم. يؤيد هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما زار البقيع وصلى على أولئك الذين ماتوا صلاة على الميت - بمعنى دعا لهم - في حديث عقبة بن عامر في الصحيحين، كذلك صلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على شهداء أحد صلاة على الميت - بمعنى دعا لهم - ثم ارتقى المنبر عليه الصلاة والسلام، فتوجه إليهم وقال: «أنا فرطكم، وإني لأنظر إلى حوضي الآن». ثم قال: «ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تتنافسوا فيها». وفي رواية: «أخشى أن تتنافسوا فيها فتقتتلوا، فتهلكوا كما هلكوا». إذن الهلاك أيضاً في التنافس في الدنيا. يؤيد هذا أيضاً ما رواه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنها النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة يوماً: «كيف أنتم إذا فتحت لكم فارس والروم؟» كيف أنتم إذا فتحت هذه الخزائن؟ فقالوا... قال عبد الرحمن بن عوف: نكون يا رسول الله كما أمر الله. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون أو تباغضون أو غير ذلك، ثم ترجعون إلى بيوت المهاجرين والأنصار فتحملون على رقابهم». أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الدنيا سبب للهلاك، والمعنى: التنافس فيها والإغراق فيها يكون سبباً لهلاك الشخص، بحيث يضيع الفرائض ويضيع الواجبات ويترك الحقوق، بل ويحسد غيره عليها ويبغض غيره ويقتل غيره على الدنيا. أليس هذا هلاكاً؟ بلى، هذا هلاك عظيم وفساد للدين عند هذا المتنافس على الدنيا. وهذا ما وقع فيه بنو إسرائيل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد على المنبر، وجلس على المنبر، قال: «وجلسنا حوله». فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن مما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا». ما أخاف؟ أي: خاف علينا ماذا؟ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا». فقال رجل: «أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟» هذا خير، زهرة الدنيا المال، أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ فسكت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فقلنا للرجل: «ما شأنك تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك؟» والنبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه... قال: فكان ينزل عليه ثم أفاض عليه الصلاة والسلام، فإذا هو يمسح الرحضاء - يعني يمسح العرق عن جبينه - فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الخير لا يأتي بالشر». وفي رواية: «إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن هذا المال حلو خضر، هذا المال حلو طيب خضر، وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها إذا أكلت استقبلت عين الشمس فاجترت وثلطت وبالت. وإن هذا المال نعم المعونة لصاحبه إذا قال به هكذا وهكذا وهكذا وهكذا». والنبي صلى الله عليه وسلم قال بيده: عن يمينه، وعن شماله، ومن أمامه. وجاءت في بعض الروايات: «إلا من قال به في المسكين وابن السبيل وكذا وكذا»، ذكر أصنافاً من الناس. «وأما الذي يأخذه بغير حقه فهو كالذي يأكل ولا يشبع، يأكل ولا يشبع». في هذا الحديث تمثيل من النبي صلى الله عليه وعلا عليه وسلم لشخصين: منهمك في الدنيا، ومقتصد. منهمك في الدنيا ومقتصد. المال هذا حلو خضر، وهو زهرة الدنيا كما قال الله عز وجل: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. هذا المال إما أن يكون الشخص فيه منهمكاً، وإما أن يكون فيه مقتصداً. من هو المنهمك؟ المنهمك هو الذي يأخذه من غير حله ولا يضعه في مستحقه. يأخذه من غير حله يعني من هنا ومن هنا ومن هنا، من حلال أو من حرام، يجمع المال ولا يضعه في مستحقه، بمعنى: من أوجب الله عز وجل عليه فيه من نفقة كوالديه أو الزوجة والأولاد، ومن أراد الله عز وجل أن يعطى ما يعطي، أبداً يكون شحيحاً بخيلاً. هذا يهلكه كما يهلك من؟ كما يهلك الربيع إذا أنبت تلك البقول الخضراء، فأكلت منها تلك الماشية. الماشية إذا جاءت إلى المراعي وكانت الأرض خصبة، والربيع هو الجدول، الربيع المراد به هي الجدول وما ينبت حوله من البقول، تأتي الماشية وتأكل نهمتها منها بدون حساب، أي بدون مبالاة، تأكل وتأكل وتأكل، فيمتنع منها أمران: يمتنع رجيعها ويمتنع بولها، فإذا امتنع رجيعها وبولها انتفخت بطونها، فكان سبباً في هلاكها. هذا الذي يأكل ولا يشبع، الذي يأخذ الدنيا من كل مكان، ما يقف أبداً عند حد، كهذه الماشية التي ما راعت نفسها، جاءت تأكل، أكلت، أكلت، أكلت، أكلت، أكلت، لأنه طيب، لأن هذه بقول خضراء طيب. وهذه يقول: طيب المال، كلما زاد مليون قال: عاب، نحن نريد واحد ثاني وثالث، ولن يملأ فاه إلا التراب. انظروا إلى المنهمك يهلك نفسه بنفسه. وأما المقتصد، لا. قال: إلا النبي صلى الله عليه وسلم: «آكلة الخضر». استثنى النبي عليه الصلاة والسلام التي تأكل الخضر، آكلة الخضر، هذه معناه: آكلة الأعشاب التي تمشي قليلاً، فلا يكون في النفس منها شهوة، لا يكون في النفس منها شهوة ورغبة قوية، وإنما تأكل شيئاً فشيئاً على قدر الحاجة، تأكل على قدر الحاجة، ما تهلك نفسها فيها. بعد ذلك يكون عليها هذا عسر شديد، عسر عليها، ماذا تفعل؟ تجلس هذه آكلة الخضر مقابل الشمس، استقبلت عين الشمس، فماذا فعلت؟ اجترت، طلعت الذي في المعدة مرة أخرى ومضغته، صفا الحسابات. وهذا مثله الإنسان، هذا يراعي، يراعي من أين دخل المال؟ يجلس بعد ذلك يفكر: هذا اليوم الحمد لله هذا طيب، قليل، الحمد لله مبارك. فكذا المقتصد. فبعد ذلك تجتر قليلاً قليلاً، فإذا اجترت سهل عليها البلع، فسهل كذلك الهضم، ثم سهل الخروج. سهل ماذا الخروج؟ ثلطت بمعنى الرجيع، وبالت. ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام أن من أخذه بحقه ووضعه في حقه: «نعم المال له، ونعم المعونة له». المال هذا نعم المعونة، نعم المال الصالح بيد الرجل الصالح. من أخذه من الحلال وأنفقه في وجوه الخير فإنه يكون نعم المعونة له، له ولغيره. وأما من أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع. هذا مثال للتنافس في الدنيا كيف يهلك. وهكذا جاء في صحيح مسلم، وهكذا أيضاً جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». في هذا أيضاً يبين الفتنتين العظيمتين التي كانت سبب هلاك بني إسرائيل، وهو التنافس في الدنيا والانهماك فيها والانشغال بها حتى يفرط في الواجبات، حتى يفرط في الواجبات. لو كانت الدنيا من المباح، نعم، لو كانت الدنيا من المباح، الانهماك... ما معنى الانهماك؟ معنى الانهماك أن الإنسان ينشغل بها كلياً، فينشأ عن ذلك ترك الحقوق والواجبات التي افترضها الله عز وجل عليه، سواء كان من صلوات أو من زكوات أو من غيرها من واجبات وحقوق أخرى تتعين في هذا المال. هو أخذها من المباح، يؤجر، لكن طوال اليوم منذ الصباح إلى الليل وهو مشغول، لا يفكر في صلاة، لا يفكر في محافظة على جماعة، لا يفكر في إعطاء الفقير والمسكين، فضلاً عن الوالدين أو الإخوة أو الأخوات أو الأبناء أو غيرهم، همه مصلحته. هذا أخذهم الدنيا من مباح وحلال، فماذا نفعته؟ ما يشترط أنه ينهمك في الحرام، فإذا انهمك في الحرام كان أعظم، كان ذلك أعظم، والمال الذي أكله سحت، وكل جسم نبت من سحت فالنار أولى به. وأما الأمر الآخر وهو الخوض، وهو المراد باتباع الشبهات: ﴿خُضْتُم كَالَّذِي خَاضُوا﴾، يعني أن في هذه الأمة من سيبتدع وسيتفرق، لأن البدع تؤدي بأصحابها إلى الخروج عن جماعة المسلمين ويتفرقون في الدين. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وقد بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن في هذه الأمة سيحصل افتراق كما حصل في بني إسرائيل، كما في حديث أبي هريرة الذي في السنن عند الترمذي وأبي داود وابن ماجة، وأيضاً في مسند أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «افترقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة». في رواية: «على إحدى وسبعين». اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وفي حديث معاوية أيضاً جاء عن جماعة من الصحابة هذا الحديث. في حديث معاوية قال عليه الصلاة والسلام: «الجماعة، وإنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه». الكلب هذا مرض، عضة الكلب، الكلب تسبب الجنون، إذا عضك كلب مسعور ماذا يسبب لك؟ يسبب لك الجنون. وهذا أيضاً صاحب الهوى الذي تستحكم فيه البدعة، يصبح مثل هذا الكلب المسعور الذي عضه الكلب المسعور. ما تخرج منه البدعة بسهولة، ما تخرج أبداً، تستحكم في قلبه، فالأهواء مستحكمة في القلوب. قال عليه الصلاة والسلام: «وإنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع عرقاً ولا مفصلاً إلا دخله». مثل هذا المرض، مرض الكلب، له عشرون إبرة. انتبهوا، انتبه: عضك كلب مسعور، له أكثر من عشرين إبرة كبيرة، مثل ذا وهكذا. أيضاً الهوى، احذر أن يدخلك الهوى، فترد الآيات وترد الأحاديث وترد الحق. فإن الهوى إذا استحكم يدخل كل عرق ومفصل، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال: «وإنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وإن شاء الله تعالى نكمل بقية هذا الحديث وهذه الفقرة وهي الخوض، إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.