الدرس في التعليق على دليل السالك إلى ألفية ابن مالك 168، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع القاعدة النحوية التي تنص على أن المصدر إذا أضيف إلى مفعوله يُرفع الفاعل بعده، مع التمثيل من القرآن الكريم والحديث النبوي وتوضيح إعراب كل كلمة.
يوضح المقطع جواز جر التابع للمفعول به مراعاة للفظ المجرور، وجواز نصبه مراعاة لمحله المنصوب، مع пример "عجبت من أكل الطعام الحار/الحارَ" واستشهاد شعري.
يشرح المقطع كيفية إعراب "الليانة" معطوفة على "الإفلاس" مع مراعاة المحل المنصوب، مبيناً تأثير إضافة المصدر إلى مفعوله أو فاعله على رفع أو نصب ما بعده.
يؤكد المقطع أن الجر لمراعاة اللفظ ليس واجباً، بل يجوز مراعاة المحل المرفوع أو المنصوب، وكلا الوجهين صحيح في النحو العربي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال: الضرب الثاني: أن يكون المصدر مضافًا إلى مفعوله، فيؤتى بعده بالفاعل مرفوعًا إن وجد، فيكون المفعول مجرورًا في اللفظ منصوبًا في المحل. نحو: ﴿مِنْ سُوءِ التَّرْبِيَةِ عِصْيَانُ الْآبَاءِ بَنِيهِمْ﴾، فالعصيان وقع من الأبناء. صح، كأنه قال: من سوء التربية أن يعصي الأبناء آباءهم. طيب، فالمصدر "عصيان" هنا أضيف إلى مفعوله؛ لأن الآباء في الأصل مفعول، ليس فاعلًا. ولذلك "بنو" رُفع لأنه هو الفاعل. قال: "فاعصيان" مبتدأ مؤخر؛ لأن الخبر الجار والمجرور المقدم، وهو مضاف إلى مفعوله "الآباء"، و"بنوهم" فاعل المصدر. ومنه عند النحاة قوله صلى الله عليه وسلم: «بُني الإسلام على خمس»، ومن هذه الخمس: «وحج البيت من استطاع إليه سبيلا». فحج هنا مصدر مضاف إلى مفعوله "البيت"، وأصل الكلام: حج الحاج البيت. مثلا: حج الحاج البيت، فالبيت هنا في الأصل هو مفعول به. فالمصدر هنا أضيف إلى مفعوله. قال: فحج مصدر مضاف لمفعوله "البيت"، و"من استطاع" فاعل المصدر. يعني: الموصولة هذه هي الفاعل، هي فاعل المصدر. "قوم" مبنية على السكون في محل رفع فاعل، مبنية على السكون في محل رفع ماذا؟ فاعل. قال: فإذا جاء تابع للمفعول به من نعت أو عطف أو غيرهما، جاز فيه الجر مراعاة للفظ المفعول به المتبوع؛ لأنه مجرور، وجاز فيه النصب مراعاة لمحله. نحو: عجبت من أكل الطعام الحار، ويجوز أن تقول: الحارَ زيدًا. فـ"الحار" مراعاة للفظ؛ لأن الموصوف وهو الطعام مجرور لفظًا. ويجوز "الحارَ" بالنصب باعتبار أنه تابع لمحل الطعام؛ فإن محل الطعام هنا النصب لأنه مفعول به. قال: بنصب كلمة "الحار" وجرها، ومن مراعاة المحل قوله: «قد كنت داينت بها حسانة مخافة الإفلاس والليانة». ومعنى البيت: قد كنت أخذت هذه الأمة من حسان. قد كنت داينت بها حسانة، أي: أخذت منه هذه الأمة بدلًا عن دين لي عنده، وهذا معنى "داينت". داينت فأخذتها منه مقابل هذا الدين، لمخافتي أن يفلس أو يماطلني، أو يماطلني؛ لأن الليانة هو المطل والتسويف. يعني: الآن عندي مثلا مئتا ألف، ها أنا مثلا أطالب زيدًا من الناس بمئتي ألف، فهو يماطلني، يسوف: بكرة، بعد بكرة. جئت وحصلت عنده جارية، قلت: لا، خلاص، هاتي هذه الجارية مقابل الدين الذي عندك؛ لأنني خفت أنه يفلس. والإفلاس هو يعني الافتقار، يكون فقيرًا، الفقر يكون مفلسًا، ما عنده مال، من فين يعطيني المال بعدين؟ ما سأجد منه ولا شيء. واضح؟ فهذا معنى البيت. فأشاهد منه ماذا؟ مخافة الإفلاس والليانة. فـ"مخافة" مصدر أضيف إلى مفعوله: خاف محمد الإفلاس والليانة. والواو حرف عطف، و"الليانة" معطوف على الإفلاس. فهنا راعى المحل؛ لأنه نصب. قال: "الليانة"، ما قال "اللياني"، قال "الليانة". فهنا راعى ماذا؟ راعى المحل؛ لأن محل الإفلاس النصب. محل الإفلاس ماذا؟ النصب. قال: فأضاف المصدر "مخافة" إلى مفعول وهو "الإفلاس"، ثم أتى بعطف النسق وهو "الليان" منصوبا نظرا للمحل. قال: وهذا معنى قوله: "وبعد جره الذي أضيف له"، أي: وبعد إضافة المصدر إلى ما أضيف له من فاعل أو مفعول وجره لهذا المضاف إليه، كمل عمل بالنصب أو بالرفع. وبعد جره يعني: لما يكون مضافًا الذي أضيف له، كمل بنصب أو برفع عمله. فإذا أضيف إلى مفعوله فيرفع ما بعده لكونه فاعلًا، وإذا أضيف إلى فاعله ينصب ما بعده لكونه مفعولًا. نعم، هذا معنى قال: "وبعد إضافة المصدر إلى ما أضيف له من فاعل أو مفعول وجره لهذا المضاف إليه كمل عمله بالنصب أو بالرفع على نحو ما تقدم". ثم ذكر أنه إذا جاء تابع للمضاف، قال: "وجر ما يتبع ما جر"، يعني: جره على المحل، على اللفظ. جره على اللفظ. ومن راعى في الإتباع المحل فحسن. يعني: لك أن تجعله تابعًا للفظ أو تابعًا للمحل. قال: ثم ذكر أنه إذا جاء تابع للمضاف إليه المجرور، فاجرر هذا التابع مراعيًا لفظ المجرور، سواء كان مرفوعًا محلا لأنه فاعل، أو منصوبا محلا لأنه مفعول به. ثم بيّن أن الجر لمراعاة اللفظ ليس لازما، فمن يراعي المحل المرفوع والمنصوب فعمله حسن. فيجوز هذا وهذا: مراعاة اللفظ، ومراعاة المحل. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.