كتاب الصلاة 39

الدرس في كتاب الصلاة 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الجمع بين الصلوات في السفر وأدلته

الجمع بين الصلوات يجوز في السفر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر. ويجوز الجمع تقديمًا وتأخيرًا، والأفضل هو الجمع التأخير إذا استطاع المسافر ذلك.

أسباب جواز الجمع بين الصلاتين وتفاصيلها

يتناول أسباب جواز الجمع بين الصلاتين مثل السفر والمطر والمرض والوحل والريح الشديدة الباردة. يستدل بالأحاديث النبوية وآثار السلف على مشروعية الجمع في هذه الحالات، ويشرح آراء الفقهاء المختلفة حول هذه المسألة.

شروط الجمع بين الصلاتين ومناقشتها

ذكر ثلاثة شروط للجمع بين الصلاتين، ثم بين أن هذه الشروط لا دليل عليها وأنه يجوز التفريق بين الصلاتين إذا كان الوقت متسعًا. يتحدث أيضًا عن شروط جمع الصلاة بسبب المرض أو السفر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشاءين في وقت إحداهما في سفر قصر، ولمرض يلحقه بتركه مشقة. طيب، الآن دخل في مسألة الجمع، انتهى من القصر، دخل في مسألة الجمع، والجمع أوسع من القصر، أحكام الجمع أوسع من أحكام القصر؛ لأن الجمع يجوز حتى في البلد، بخلاف القصر، القصر ما يكون في نفس البلد أو في بلد الشخص. قال: عند كثير من أهل العلم، وهو قول الشافعي: أنه لا يقصر في بلدة فيها بيت أبيه أو بيت أمه أو بيت أحد من إخوانه أو كذا. وعند أحمد: أنه يقصر إذا لم يكن بيته. طيب، قال: يجوز الجمع بين الظهرين -الظهرين أنا المراد به الظهر والعصر أنا تغليبا للظهر- وبين العشاءين -المغرب والعشاء- في وقت إحداهما، وهذا الذي يسمى جمع تقديم وجمع تأخير، فإذا كان في الأولى يسمى جمع تقديم، إذا كان في الثانية يسمى جمع تأخير. وقد جاءت الأدلة بجواز الجمع عن النبي عليه الصلاة والسلام في السفر خاصة، من ذلك جمع النبي عليه الصلاة والسلام في عرفة ومزدلفة، وإنه جمع -جمع تقديم- في عرفة، في نمرة، صلى الظهر والعصر، وأيضا في مزدلفة صلى المغرب والعشاء. وأيضا مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر، أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير في السفر أخر العصر، أخر الظهر فجمعها مع العصر، وأخر المغرب فجمعها مع العشاء». وجاء في الصحيحين أيضا عن أنس، أنه قال: «كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان نازلا فأراد أن يرتحل -نازلا معنى نزل في سفر، نزل في مكان فأراد أن يرتحل- فإن كان قبل الزوال أخر الظهر وجمعها مع العصر، وأخر المغرب فجمعها مع العشاء، وإن كان بعد الزوال» -معنى إذا كان قبل الزوال أخر الظهر فجمعها مع العصر- وإن كان بعد الزوال، جاء في الصحيحين: «صلى الظهر وركب». وجاءت في رواية عند الحاكم وعند الإسماعيلي فيها: «صلى الظهر والعصر». وبعض العلم يقول: أن هذه زيادة شاذة، والذي جاء في الصحيحين أنه «صلى الظهر وركب»، أي لم يصل ولم يجمع جمع تقديم، فلهذا الناس في هذا الباب على خلاف. فالجمهور عندهم يجوز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وهذا يجمع أنه لا تجتمع الظهر إلا مع العصر، والمغرب مع العشاء فقط، ما يجمع الظهر مع المغرب أو الفجر أيضا لا يجمع مع شيء من الصلوات. ومثل الجمع -كما قلنا- أجاز الجمهور الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء جمع تقديم وتأخير، نازلا أو مرتحلا، نازلا أو مرتحلا. وأما الحنفية فقد ضيقوا في هذا الباب، وقالوا: لا يصح الجمع إلا في عرفة ومزدلفة، وهذا فيه إنكار للنصوص التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام. هم يقولون: أن النصوص المتواترة أن المصلي يصلي الصلاة في وقتها، فإذا أراد أن يصلي جمعا لابد أن يأتي بدليل متواتر يقضي على هذا المتواتر، فهذا كلام باطل؛ لأن أهل السنة والعلم من زمن القديم لا يفرقون بين المتواتر وغيره، المهم أنه يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أوجب العلم والعمل معا. فلهذا فحجتهم واهية، قد دلت الأدلة المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الصلوات. وأما مسألة جمع التقديم والتأخير، فصحيح أن أكثر النصوص التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم هي جمع التأخير، لكن قد جاء أيضا جمع التقديم، جمع النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة جمع تقديم، وكذلك أيضا في تبوك. وقد صح في حديث صحيح مسلم من طريق الطفيل عن معاذ بن جبل: «أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في تبوك، أو نزل في تبوك، فكان إذا حضر وقت الظهر خرج فصلى الظهر والعصر ثم دخل، فإذا جاء وقت المغرب صلى المغرب والعشاء ثم دخل». وهذا النص يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي جمع تقديم. وأيضا يدل عليه -كما قلنا- ما جاء في عرفة، وفي حديث أنس -النص يدل على أنه لم يكن يجمع جمع تقديم؛ لأنه قال: «إذا سار بعد الزوال صلى الظهر وركب» -لكن دل على جواز جمع التقديم-. وجاء في حديث عند أحمد والترمذي وأبي داود من حديث معاذ أيضا: أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل الزوال أخر الظهر وجمعها مع العصر، وإذا كان بعد الزوال صلى الظهر والعصر ثم ركب، وهكذا المغرب والعشاء». وهذا الحديث اختلف العلماء في صحته. فذكر الإمام البخاري أنه حديث معلول، وأنه تفرد به قتيبة بن سعيد عن الليث، ولم يروه عن الليث أحد غير قتيبة، وليث رواه عن الزبير، عن الطفيل، عن معاذ. وروى الناس هذا الحديث، لكنه على صياغة أخرى غير هذه الصياغة. والظاهر أن قتيبة وهم -كما قال الإمام البخاري رحمه الله- ولهذا قال: قلت لقتيبة: مع من كتبت هذا الحديث؟ مع من كتبت هذا الحديث عند الليث؟ قال: مع خالد البيلماني أو مع أبي خالد البيلماني. فقال البخاري: وكان خالد هذا يضع الحديث على المشايخ -يعني يضع لهم في كتبهم الحديث- فدل على أن قد يكون وضعه هذا الرجل على قتيبة. والمهم، أن كثيرا من العلم تبع البخاري في ذلك -أن أقصد أهل علم العلل- وإلا فصححه الترمذي وجماعة، صححه هذا الحديث. وأما البخاري فقد أعل هذا الحديث، ووهم في ذلك قتيبة، المسألة لكن -كما قلنا- قد صح، وهذا معنى أقوى دليل في جمع التقديم. لكن قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام جمعا، جمع التقديم في عرفة -كما قلنا- وكذلك في حديث معاذ الآخر الذي في تبوك: «أنه كان نازلا، قال: فكان يخرج فيصلي الظهر والعصر ثم يدخل، ثم يخرج فيصلي المغرب والعشاء ثم يدخل». وهذا ظاهره أنه يخرج وقت الظهر ووقت المغرب، فدل على أن الجمع التقديم أيضا ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولو لم يكن معنا إلا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة يدل ذلك على جواز جمع التقديم؛ لأن بعضهم يقول: ذاك نسك -أنا ليس دليل؛ لأنه نسك ولا يقاس عليه- لكن الصحيح: أنه ليس معنى وإن كان نسكا، لكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين جواز جمع التقديم. ومن هذا نخرج على أن الإنسان الأفضل له أن يجمع جمع تأخير، إن استطاع أن يجمع جمع تأخير، وإن لم يستطع جمع جمع تقديم، فهو رخصة للمسافر، سواء أراد أن يجمع جمع تقديم أو تأخير، لكن الأفضل -كما قلنا- جاء في الأدلة هو جمع تأخير. وإذا احتاج إلى الجمع جمع تقديم قدم، وأيضا كذلك مسألة: هل الجمع مستحب أم ليس بمستحب؟ مستحب، قال: «يجوز الجمع بين الظهرين» ولم يقل: مستحب، «يجوز» معناه: مباح، لك أن تجمع ولك أن لا تجمع. و دلت الأدلة على الاستحباب، ولهذا جاءت رواية عن الإمام أحمد: أنه قال: «يستحب الجمع؛ لأنه رخصة، يستحب الجمع؛ لأنه رخصة». والله عز وجل يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. وأيضا كذلك مسألة: في قول هناك ثالث في هذه المسألة، وهو أنه إذا كان نازلا فلا يستحب، كان نازلا فلا يستحب، وإن كان راكبا -معنا أقصد أنا ماشيا، أنا لست نازلا في مكان، وإنما يسير في سفر- فهنا يستحب له أن يجمع. وهذا يدل عليه فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فمن ذلك ما جاء في الصحيحين -كما قلنا- في حديث عبد الله بن عمر، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير -إذا جد به السير، وأنا أسرع وأستمر في سيره- قال: أخر الظهرة فجمعها مع العصر، وأخر المغرب فجمعها مع العشاء». يدل على استحباب الجمع. وأما إن كان نازلا فالأفضل له أن لا يجمع، إذا كان نازلا في مكان، الأفضل أن لا يجمع، وهذا يدل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم في منى، ثم نزل منى في اليوم الثامن من ذي الحجة، في الحجة، فإنه صلى الظهر ركعتين في وقتها، وصلى العصر في وقتها ركعتين، وصلى المغرب ثلاثا، وصلى العشاء ركعتين في وقتها، وصلى الفجر في وقتها، حتى طلعت الشمس، ثم تحرك إلى نمرة. فهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى كل صلاة في وقتها في منى، وهذا القول أصوب، ولهذا ذكر الشيخ الإسلام إجماع العلماء على أنه يستحب للنازل -وإن كان مسافرا- أن لا يجمع بين الصلاتين، ذكر إجماعا على أن النازل لا يجمع بين صلاتين، وإنما الأفضل له أن يصلي كل صلاة في وقتها. هذا باب الاستحباب، وإلا الرخصة موجودة، الرخصة موجودة، لكن الأفضل أن يصلي كل صلاة في وقتها، متى إذا كان نازلا -معنا مثلا مسافر يريد عدن، فذهب إلى عدن وجلس في عدن يريد يجلس في عدن أيام ثلاثة أيام- وهو الآن يسمى نازلا، فهذا يصلي كل صلاة في وقتها. إذا كان مسافرا معنا ماشيا، هذا يصلي يجمع بين الصلوات. قال: في سفر قصر، وهذا عند الحنابلة، المشهور عند الحنابلة: يميزون أن هناك في سفر تقصر فيه الصلاة، وفي سفر لا تقصر فيه الصلاة، ويفرقون معنا بالمسافة، إذا كانت المسافة بريدا -أربع برد- معنا -كما قلنا- أربع وثمانين كيلو أو خمس وثمانين كيلو، فيكون فيها القصر، وإذا كان أقل لا يقصر ولا يجمع، ويسمى سفرا، وهذا لا دليل عليه. لأن الأدلة جاءت: أن السفر يجمع فيه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر جمع، كذلك القصر، إذا «ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة»، فدل على أن الإنسان إذا خرج مسافرا، خرج يسمى مسافرا ويقصر، فليس هناك سفر يسمى سفر قصر، بل كل السفر من أنشأ سفرا فهو يقصر الصلاة. قالوا: لمرض يلحقه بتركه مشقة، أنه إذا كان مريضا ويلحقه بالصلاة في وقت كل صلاة في وقتها مشقة، فهنا يجوز عند الشافعي وأحمد: يجوز أنه يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، يترخص في الجمع للمريض. والدليل حديث ابن عباس، حديث ابن عباس في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم «جمع بين المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر في المدينة من غير خوف ولا سفر، من غير خوف ولا سفر». وفي رواية مسلم: «ولا مطر». فدل هذا الحديث على جواز الجمع. ولهذا قيل لابن عباس: ما أراد رسول الله؟ قال: «أراد أن لا يحرج أمته»، أراد أن لا يحرج أمته، فإذا وجد الإنسان المشقة في أن يصلي كل صلاة في وقتها، لا بأس أنه يجمع بين الصلاتين. قالوا: بين العشاءين لمطر يبل الثياب، ولوحل وريح شديدة باردة. يقولوا: بين العشاءين -أي يجمع بين العشاءين المغرب والعشاء- لمطر يبل الثياب. أما إن كان مثل الطين أو النتش اليسير الذي لا يبل الثياب، فهذا ليس فيه جمع، وإنما الجمع إذا كان سيتعذب من المطر، شيء يتعدى من المطر. وهل هناك دليل على أنه يجمع الصلاة في المطر؟ نعم، حديث ابن عباس: «من غير خوف ولا مطر»، قال: لا، على أن المطر عذر من أعذار الجمع، عذر من أعذار الجمع. وأيضا كذلك جاء عن السلف أيضا، عن عروة وعن عمر بن عبد العزيز وغيرهما: أنهم كانوا يجمعونه في المطر. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الجمع في المطر مشروع أيضا من ناحية أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص للرجل أن يصلي في بيته إذا كان في مطر، فالجمع بين الصلاتين أولى؛ أنه إذا كان مثلا إنسان يصلي المغرب، فجاءت مطر وقت المغرب، فالعان إذا خرج إلى بيته ما سيرجع -ما سيرجع العشاء لأجل المطر- لكن لو صلى وجمع بين الصلاتين سيدرك الصلاة في جماعة. فقال شيخ الإسلام: فأولى للرجل أن يدرك الصلاة في جماعة في المسجد أفضل من أن يصليها في بيته، فلهذا فالجمع يستحب في هذا المقام. لكن هنا الحنابلة والمالكية كذلك يخصونه بالعشائين -بالمغرب والعشاء- قال: لأن المشقة تكون شديدة، والصحيح: أنه لا فرق، والصحيح: أنه لا فرق بين العشائين والظهرين؛ لأن المشقة -المطر موجود- صحيح أنها في الليل تكون أكثر، لكن المشقة موجودة سواء كان في العشائين أو في الظهرين. فلهذا لم تفرق النصوص أيضا في مسألة الآذان في قوله: «صلوا في رحالكم» -سواء كان في الليل أو في النهار- فإنه يستحب للمؤذن أن يقول هذه العبارة. قالوا: لوحل أيضا -لوحل أيضا يمنع، قد يمنع الصلاة- فلهذا يجمع إذا كثر الوحل في الطرق، الوحل -هذا الطين الذي يكون مع الماء ويعمل مثل الخليط بين الماء- ويكون طينا فيه أو تغرق الرجل الإنسان، هذا يسمى وحلا، ويسمى ضحطا -مثل ما قال ابن عباس: «حتى لا أخرجكم في الضحط»، الضحط معناه الوحل-. أمر المنادي ينادي: «الصلاة في الرحال»، قال: «حتى لا أخرجكم في الضحل»، مع أنه ما في مطر، قالوا: كيف تؤذن أو تقول هذا وليس هناك مطر؟ قال: «حتى لا أخرجكم في الضحل» أو «في الضحط». قال: «ولي وحل وريح شديدة وباردة» -ريح شديدة وباردة ليست معهودة- ليست معهودة عند الناس، شديدة وباردة ما يستطيع الإنسان يخرج -مثل مثل ايش من الريح؟ ما ضربته- لا الريح ايش معناه؟ في الواقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم- وباردة ها وباردة، لا لا معناه: ريح شديدة وباردة. جاءت في الشتاء متى؟ في ايش من غزوة؟ في الأحزاب، اه في الأحزاب، وهي ريح الصبا، نصرت بالصبا، وهلكت عاد بالدبور، فهذه كانت ريح شديدة وباردة، حتى قال حذيفة: ما يستطيع الإنسان أن يقوم، شدة وبرودة، هذه يعني لو كانت حارة ممكن الناس يمشون فيها أو عادية، لكنها باردة شديدة تقعد ما يستطيع الإنسان حتى يتحرك فيها. ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ينظر خبر القوم؟» ما استطاع أن يقوم أحد، ليس أنهم جبناء لا، لكن كل واحد ظن أنه لا يستطيع أن يوفي هذا الأمر؛ لأن الوقت لأن الريح شديدة وباردة ما يستطيع أن يمشي فيها الإنسان، فلهذا لم يستطع أن يقوم أحد، حتى قال: «قم يا حذيفة». قال: فقمت، فدعا لي النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «فكأني أمشي في حمام» -أنا في مكان حار معنا الريح باردة وشديدة، لكنه كأنه يمشي في حمام-. فلهذا فإذا كانت هناك ريح باردة وشديدة يرخص للشخص أنه يجمع، يرخص للجماعة أنهم يجمعون، ثم يذهبون إلى بيوتنا. وهذا أيضا يدل على ما جاء في حديث نعيم بن همار: «أنه كانت تلك الليلة ريح شديدة وباردة، قال: حتى تغطيت بغطاء» أو معنا، قال: «حتى تغطيت»، قال: «فأذن المؤذن»، قال: «كنت فكرت لو أنه يقول: صلوا في رحالكم»، فقال في آخر الأذان: «صلوا في رحالكم»، أنا أمره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: «صلوا في رحالكم»؛ لأنه كانت ريح باردة وشديدة، فدل على جواز هذا الأمر: أن الإنسان يجمع كذلك. قالوا: لو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط -أنا يقول: ولو صلى في بيته يجوز له أن يجمع، أنا يجمع أهل بيته ويصلي بهم ويجمع به- يصلي بهم في هذا المكان -معنا يجمع أهله ويصلي به- أنا كان يقول: لباس أو في مسجد طريقه تحت ساباط، ساباط -هذا مثل السقف الذي يكون بين الطرقات، بين الشوارع- بعض الناس مثلا بين الشوارع يجعل سقفا بينه وبين صاحبه. كان قديما البيوت القديمة تجد يعملون جسرا، هذا الجسر يصل لهذا البيت بهذا البيت، حين يكون إخوة أو يكون لهم مثلا جيران واصلتهم قوية، فيجعلون مكانا كذا يسقفونه، وفي السقف هناك يعملون ممرا بين هذا البيت وهذا البيت -معنا يربطون البيت بالبيت بهذا الممر- فهذا يسمى ساباط، وهي كلمة ظاهر أنها فارسية، سباطات -سباط سباطات أو ساباط- معنا مفرد، سباطات جمع. تحت ساباط -معنا تحت سباط- حتى لو كان مثلا طريقه إلى المسجد تحت سباط، له أن يصلي في بيته جمعا، وله أيضا أن يجمع في المسجد ثم يذهب إلى بيته؛ لأن الرخصة عامة. قالوا: الأفضل فعل الأرفق به من تأخير وتقديم -أنا جمع، وكان جمع تقديم وتأخير- لكن كما قلنا التفصيل أفضل، التفصيل أفضل -أي شيء التفصيل؟- كورونا أي شيء التفصيل؟ هذا في النازل، هذا في النزول، مسألة النزول. لكن هنا الأفضل -قلنا- التأخير، الأفضل التأخير، إلا إذا احتاج للتقديم؛ لأن التقديم -كما قلنا- دلته قليلة، وبعضهم يقول: أنه لم يثبت التقديم إلا في عرفة، حتى بعض العلماء كشيخنا مقبل -ما كان يرى التقديم- لكن الصحيح: أنه ثابت. قال: فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند إحرامها، ولا يفرق بينهما إلا بقدر إقامة ووضوء خفيف، ويبطل براتبة بينهما، وأن يكون العذر موجودا عند افتتاحهما، وسلام الأولى. الآن ذكر ثلاثة شروط، ذكر ثلاثة شروط للنافذة -لأقصد الجمع-. الشرط الأول: اشترط نية الجمع عند إحرامها -اشترط نية الجمع عند إحرامها- معنا لابد أن ينوي قبل أن يحرم من الأولى ينوي قبل أن يحرم الأولى، معناه: إذا كان جمع جمع تقديم ينوي من الأولى. كيف ينوي من الأولى؟ لابد أنه ينوي أنه سيصلي -سيجمع بين الصلاتين- سيجمع بين الصلاتين، فهذا ينوي من الأولى، وهذا النية أيضا يقول بها الشافعي. والصحيح: أن هذه النية لا دليل عليها، ولهذا جاءت روايات عن أحمد اختارها بعض أصحابه -كالخطاب، أبو الخطاب صاحب التتميد محفوظ الكلادوني أو الكلاداني- هذا أبو الخطاب اختار: أنه لا يشترط النية، وهو لا دليل عليه أصلا. يعني أشياء يقول لك: إذا كان مثلا ستصلي جمعا لابد أن تنوي في الأولى، وإلا كان الجمع باطلا -يعني لو مثلا نويت مثلا بعد أن صليت، أنا صليت الظهر ثم قلت: ليش ما أجمع العصر معها؟ أنت مسافر قلت: سأجمع العصر معه- هنا الآن عندهم يكون هذا الجمع باطلا غير صحيح؛ لأنه يشترطون نية الجمع للأولى. فشيخ الإسلام يقول: أن هذا اشتراط هذه النية غير صحيح، ولا دليل عليه، بل يجمع إن أراد مثلا يجمع اتهم من صلاة الظهر، ثم أراد أن يجمع فهو له رخصة في الجمع، فيجمع بينهما. هذا الشرط الأول الذي ذكره. والشرط الثاني: أنه لا يفرق بينهما إلا بقدر إقامة ووضوء خفيف، ويبطل براتبة بينهما -وهذه شروط لا دليل عليها- هذا صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه فرق بينهما، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فرق بين الصلاتين اللتين جمع بينهما. لكن فعلا النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على أنه لا يجوز التفريق؛ لأن الآن الإنسان عنده الوقت كله -أن الوقت الصلاة كله موجود- مثلا صلاة الظهر من زوال الشمس إلى اصفرار ظل الشيء -أن يكون ظل الشيء مثله- فهذا الوقت كله وقت الظهر، فله أن يجمع في هذا الوقت كله. فلا دليل على أنه لابد أن يجمع كلاهما معا، الوقت عنده متسع، ولم يأت دليل على الإلزام، فلهذا يجوز للإنسان مثلا أن يصلي صلاة الظهر وهم شافع، ثم يصلي صلاة العصر آخر الظهر -آخر الظهر مثلا- بعض الناس الآن تجدهم مثلا يصلون صلاة الظهر وهم مسافرون، ويذهبون ويتغدون ويتعشون وكذا، فيرى الناس أنهم متأخرون لذلك، فيقول: ليش ما صليت العصر؟ بعد ذلك فإن شاء الله هذا جائز. وقد أجازه أيضا جماعة من الحنابلة، وهو قال شيخ الإسلام رحمه الله وبينا أنه أن هذا القول هو صحيح، ولا دليل على الموالاة، لا دليل على اشتراط الموالاة، لكن الأفضل -لا شك- الأفضل -لا شك- أنه يوالي بينهما مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وأما إبطاله براتبة، فهذا ليس صحيحا. قالوا: أن يكون العذر موجودا عند افتتاحها وسلام الأولى -أن يكون العذر موجودا عند افتتاحها وسلام الأولى- عند افتتاح الأولى -الأولى عن افتتاح الجمع- وسلام الأولى، مثلا إذا كان مطرا أو مرضا -مثلا المرض هذا ألم به فأراد أن يجمع فجمع، نوى الجمع أو جمع بين الصلاتين أو صلى الأولى ثم لما سلم لما سلم رأى نفسه أن المرض هذا قد ذهب- فهل يكمل الجمع؟ العلماء مثلا جاءه ألم في بطنه -ألم شديد حتى ما استطاع أن يذهب إلى الحمام- فرأى أنه إذا كان هذا الألم فيه أنه سيجمع، وكان معه وضوء، فقال: صلى الصلاة الأولى وهي الظهر مثلا، فلما سلم وجد أن الوجع ذهب، وهنا هل يجمع؟ لا ما يجمع؛ لماذا؟ لأن العذر قد ذهب، العذر قد ذهب، ولو نوى الجمع؛ لأن عذره المرض، والمرض هذا قد ذهب. انتهى المرض، أو إنسان مثلا أراد أن يجمع، نوى الجمع، لكن جاء إلى بلد، وصل إلى البلد قبل أن يجمع، وهنا لا يجمع، خلاص يصلي الظهر في وقتها والعصر في وقتها. قالوا: إن جمع في وقت الثاني اشترط نية الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق عن فعلها، واستمرار العذر إلى دخول وقت الثاني. هذا الآن في جمع التأخير، في جمع التأخير: أنه إذا أراد أن يجمع جمع التأخير لابد أن ينوي من الأولى أنه سيجمع، وهذا لا خلاف فيه -هذه النية لا خلاف فيه- معنا في اشتراطها؛ لأنه لو لم يشترط هذه النية -معنا سيكون سيفرط في الصلاة ويضيع الصلاة ويقضيها بدون عذر- لأنه لو قلنا مثلا: أنه لا يشترط نية هنا، ممكن الإنسان يترك الصلاة ويقول: خلاص إذا جاء وقت الأخرى يقول: خلاص سيجمعها، هذا ما يجوز. أنا كيف يترك الصلاة بدون عذر؟ فبعض العلم عنده الصلاة تكون باطلة -مثل مذهب شيخ الإسلام وغيره- أن الصلاة باطلة تعتبر إذا كان أخرجها عن وقتها، فلهذا فنية جمع التأخير هنا لابد، لابد أن ينوي جمع التأخير من الأولى، فينوي أنه سيؤخر الظهر إلى العصر، ينوي أنه سيؤخر المغرب إلى العشاء. وهو مثلا يترك الصلاة تمر عليه، ثم يقول: خلاص سأجمعها، بعد أن مر الوقت، لا هذا ما يجوز. قالوا: استمرار العذر إلى دخول الوقت الثاني، أيضا استمرار العذر يكون موجود -معنا مثلا لو ذهب العذر نوى أنه يؤخر الصلاة مثلا لسفر، يقول: خلاص سأؤخر الظهر وأوصل لها مع العصر، وهو لم يحسب المسافة إلا وهو وصل إلى بلده قبل أن ينتهي وقت الظهر، وصل إلى بلده قبل أن ينتهي وقت الظهر، فهنا خلاص انتهى العذر، كيف يفعل؟ يصلي الظهر يصلي الظهر ويصلي العصر في وقتها، فهذا معنى استمرار العذر إلى دخول الوقت الثاني.