كتاب الصيام 12

الدرس في كتاب الصيام 12، ألقاها

فضل صيام الأيام المباركة

يتناول فضل صيام شهر المحرم وعشر ذي الحجة، مستنداً إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء. يشير إلى استحباب الصيام في هذه الأوقات وفضلها عند الله تعالى.

صيام الست من شوال وأيام عرفة وعاشوراء

يشرح استحباب صيام الست من شوال لمن صام رمضان، ويصح صيامها متفرقة أو متتابعة. كما يبين فضل صيام يوم عاشوراء وعرفة وتكفيرها للذنوب.

حكم صيام يوم عرفة للحاج

يتناول حكم صيام يوم عرفة للحاج، حيث ذهب بعض العلماء إلى استحباب الفطر لتقوية الحاج على الذكر والدعاء، مستندين إلى فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في ذكره في صيام التطوع: قال وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم. وهذا كما ورد من قول النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم». فمن أفضل الصيام بعد رمضان، أي من الصيام المطلق، شهر الله المحرم. وشهر الله المحرم هو أحد الأشهر الحرم، أحد الأشهر الحرم الأربعة، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، والرابع رجب. فيستحب الصيام في هذا الشهر، في شهر محرم. ولأجل استحبابه، ومما يبين كذلك فضله، أن الإمام ابن القيم رحمه الله توقف في تفضيل عمرة رمضان على عمرة الأشهر الحرم، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام، مع ترغيبه في العمرة في رمضان، وجعلها كحجة معه، كانت عمرته كلها في ذي القعدة، وليس منها شيء في رمضان. وهذا يدل على فضيلة هذه الأشهر، أي الأشهر الحرم. قال: «وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة». ويشير بذلك إلى استحباب الصيام في عشر ذي الحجة، كما ورد ذلك في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ما في البخاري، في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء». والمراد بأيام العشر على جهة التغليب، وإلا فعشر ذي الحجة لا تدخل في الصيام، وإنما يصام اليوم الأول إلى اليوم التاسع. وهذا الحديث يدل على استحباب الصيام من جهة العموم الذي في لفظه: «ما من أيام العمل الصالح فيها»، فالعمل الصالح عام، يدخل فيه الصلاة والصيام والصدقة، وكذلك أيضا الدعاء، والذكر، إلى آخر ذلك من أنواع العمل الصالح، ومنها الصيام، بل الصيام من أفضل الأعمال الصالحة. وما ورد أن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صام العشر قط». فكونها رضي الله تعالى عنها تخبر بذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام ما صام العشر، لا يدل هذا على عدم استحباب صيام العشر. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن أفضل الصيام صيام داود، ومع ذلك ما صامه. وكذلك أيضا رغب عليه الصلاة والسلام في عمرة رمضان، وقال: «عمرة في رمضان كحجة معي»، ومع ذلك ما اعتمر في رمضان. هل هذا يدل على أنه لا يستحب العمرة في رمضان؟ الجواب: لا. وربما ترك النبي عليه الصلاة والسلام ذلك لشيء أنفع وأصلح. فربما ما صام العشر لكونه منشغلا بقضاء حاجات الأمة، وهذا لا شك أن نفعه متعدي، ونفعه أعظم، فلذلك ترك الصيام في هذه العشر. أو ربما ترك صيامها خشية أن تفرض على الأمة، كما ترك عليه الصلاة والسلام قيام الليل، صلى في الناس في رمضان ثلاثة ليال، ثم ترك، فلما سئل عن ذلك أخبر بأنه خشية أن تفرض عليهم. فربما كان هذا السبب في تركه للصيام. ومع ذلك فقد أخبر بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أنه صام العشر، كما جاء في بعض السنن من حديث ميمونة. وهنا عندنا الآن من يثبت الصيام، ومن ينفيه. والقاعدة أن المثبت مقدم على النافي، لأن معه زيادة علم. وربما أن عائشة رضي الله عنها نسيت، مع كبر السن، فإنها عاشت خمسين سنة بعد النبي عليه الصلاة والسلام. فالمهم أن صيام العشر مستحب، صيام العشر من ذي الحجة من الصيام المستحب. قال: «ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله». وهذا كذلك إشارة إلى ما ورد في حديث أبي أيوب في الصحيح، في قوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر». هذا فيه استحباب صيام ست من شوال، أي بعد صيام رمضان، يستحب للمسلم أن يصوم ستة أيام من شوال. وهذه الأيام من شوال، سواء كانت متابعة لرمضان بعدها مباشرة، أو كانت في أي أيام الشهر، أي أيام الشهر من شوال، فإنه يصدق على الصائم الذي يصوم ستا من شوال، إذا صامها في أولها، أو في أوسطها، أو في آخرها، أو صامها متتابعة، أو متفرقة، يصدق عليه أنه صام ستا من شوال. وهذا الأجر الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «فكأنما صام الدهر»، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام رمضان ثلاثين يوما بمنزلة عشرة أشهر، وستة أيام من شوال بمنزلة شهرين، فذاك بمنزلة السنة. وتشبيه النبي عليه الصلاة والسلام بصيام ستة من شوال بعد رمضان بصيام الدهر، مع أن صيام الدهر مذموم، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام الدهر، وقال: «لا صام من صام الأبد». فكيف يشبه هذا الصيام الممدوح، وهو صيام الست من شوال بعد رمضان، بصيام الدهر؟ فالجواب: أن المشابهة هنا ليست من جميع الوجوه، وإنما من بعض الوجوه، وذلك بأنه كأنما صام السنة كلها. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال»، هنا مسألة يذكرها أهل العلم، وهو من كان عليه قضاء من رمضان، هل يصوم الست من شوال قبل القضاء، أو أنه يقضي أولا ما عليه من صيام رمضان، ثم يصوم الست من شوال؟ فمن أهل العلم من قال له أن يصوم قبل القضاء، قالوا: لأن القضاء وقته موسع. عائشة رضي الله عنها تقول: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهل يظن بعائشة أنها تترك صوم هذه النوافل من صيام الست، وصيام عرفة، وصيام عاشوراء؟ قالوا: إذن لابد أنها كانت تصوم، فيدل هذا على جواز تقديم صيام الست على القضاء، وبهذا استدل من قال بجواز ذلك. وبعض أهل العلم ذهب إلى أنه لا يصام الست قبل القضاء، بل لابد من تقديم القضاء، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان ثم أتبعه». ومن عليه قضاء من رمضان، فإنه لا يصدق في حقه أنه أتبع رمضان بصيام شوال، لأنه ما زال عليه أيام لم يصمها من رمضان. فلهذا ينبغي أولا أن يقدم القضاء، فيقضي ما عليه من رمضان، ثم يصوم الست. وهذا القول هو الأصح، أنه يقضي ما عليه من رمضان، ثم يصوم الست من شوال. هذا في حق من أراد أن يصوم الست من شوال. أما كمسألة عامة، هل يجوز للمسلم أن يصوم صوم نفل وعليه قضاء من رمضان؟ الجواب: أنه يجوز. إنسان عليه قضاء من رمضان، فأراد أن يصوم مثلاً يوم عرفة، أو يوم عاشوراء، فيجوز له ذلك. لكن في هذه المسألة بعينها، وهي صيام الست من شوال، فلابد أولا من تقديم القضاء، حتى يصدق عليه أنه صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال، فيكتب له هذا الأجر والثواب. قال: «وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة، وصيام يوم عرفة كفارة سنتين». ولا يستحب لمن بعرفة أن يصومه. أيضا من الصيام المستحب صيام يوم عاشوراء، وهو العاشر من محرم. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون هذا اليوم، سأل عن ذلك، قالوا: إنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى، فنحن نصومه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أولى بموسى منكم»، فصامه عليه الصلاة والسلام، وأمر بصيامه. فكان صيامه في أول الأمر واجبا، وذلك في السنة الأولى من الهجرة. ثم لما فرض رمضان، نسخ صيام يوم عاشوراء، وبقي صيامه مستحبا. سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»، كما في صحيح الإمام مسلم. وسئل عن صيام يوم عرفة، فقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والباقية». فصوم يوم عاشوراء، وهو العاشر من محرم، يكفر سنة، يعني يكفر فضله وأجره، أن يكفر ذنوب سنة. ويوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، صيامه يكفر ذنوب سنتين، سنة ماضية، والسنة الباقية. وهذا لا شك أنه أجر عظيم، أنك تصوم يوما لله جل وعلا، فيكفر الله عز وجل عنك ذنوب سنة، أو ذنوب سنتين. والمراد بهذه الذنوب هي صغائر الذنوب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر». هذه الأعمال والطاعات تكفر ما بينها من صغائر الذنوب، إذا اجتنب المسلم كبائر الذنوب. والله جل وعلا يقول: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، فاجتناب الكبائر سبب لتغفير وتكفير الصغائر، سبب لتكفير الصغائر. وأيضا هذه الأعمال من الصيام والصلاة ونحوها سبب لتكفير صغائر الذنوب. أما الكبائر، فلابد فيها من توبة، لا بد أن يتوب منها المسلم، وأن يندم على فعلها، ويعزم ألا يعود عليها، ويقلع عنها، لا بد من توبة نصوح. طيب إذا كان ليس عند المسلم كبائر، أو عنده شيء من الكبائر، لكن الصغائر قد اجتنبها، أو كفرت بكثرة الأعمال التي عنده من طاعات، من الصيام والصلاة، وصدقة ونحوها، هل تخفف عنه شيء من الكبائر؟ قال بذلك بعض أهل العلم: قال إذا كفرت عنه الصغائر بكثرة الأعمال والطاعات، فإنه يرجى أن تخفف عنه شيئا من الكبائر. فالمهم أن الصيام هذين اليومين من الصيام المستحب، صوم يوم عاشوراء العاشر من محرم، وصوم يوم عرفة وهو التاسع من ذي الحجة، فيستحب صيامهما. قال: «ولا يستحب لمن بعرفة أن يصومه»، أي لا يستحب لمن كان بعرفة ممن كان محرما حاجا وهو بعرفة، لا يستحب له أن يصوم يوم عرفة، فهو يستحب لغير من كان بعرفة. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وهو واقف بعرفة أفطر، أفطر عليه الصلاة والسلام، وشرب قدحا من لبن، وأرى الناس ذلك حتى يقتدوا به. وذلك أن المحرم في ذلك الوقت يحتاج إلى التضرع إلى الله جل وعلا بالدعاء والذكر، وأن يكون على نشاط وهمة، فلو صام لضعف وكسل عن القيام بمثل هذا الأمر. فلذلك يستحب في حقه أن يكون مفطرا حتى يتقوى على الطاعة والعبادة في ذلك اليوم. وورد ذلك في الصحيحين، كما سمعنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قدحا من لبن وهو واقف بعرفة. وورد النهي في ذلك، كما في السنن، أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة. لكن هذا الحديث به ضعف، وبه استدل من قال من أهل العلم بتحريم صيام يوم عرفة بعرفة. لكن الحديث ضعيف. ولذلك اختلف أهل العلم في صيام يوم عرفة بعرفة. فمن السلف من ذهب إلى استحبابه، كابن عمر رضي الله عنهما، وكثير من السلف. ومنهم من ذهب إلى استحباب الفطر فيه، وهذا هو الأصح، يعني الأولى والأفضل في حق المحرم والحاج في ذلك اليوم أن يفطر، ولا نقول يجب أو يحرم عليه الصيام، لكن نقول الأفضل أن يفطر كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، حتى يتقوى على الذكر والدعاء في ذلك اليوم العظيم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على