كتاب الصلاة 18

كتاب الصلاة 18

الدرس في كتاب الصلاة 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل قيام الليل والحث عليه

حديث النبي صلى الله عليه وسلم يبين فضل صلاة الليل وأهميتها، ويحث على المحافظة عليها. كان النبي عليه الصلاة والسلام يحث أهله ونساءه على أداء هذه العبادة.

كيفية أداء قيام الليل

قيام الليل يبدأ بركعتين خفيفتين، ويستحب أن يوقظ الإنسان زوجته للصلاة. يجوز أن يكون الوتر بواحدة أو ثلاث أو خمس ركعات، ويجوز صلاة التراويح والقيام جماعة أو فرادى.

صلاة التراويح وتاريخها

النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح في المسجد في رمضان، ثم لم يخرج خشية أن تفرض عليهم. صلاة التراويح والقيام سنة مستحبة، وليست فرضًا، وعادها عمر رضي الله عنه في خلافته.

تفصيل صلاة النبي في الليل

كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ثلاث عشرة ركعة في الليل، وتفصيلها على عدة أوجه. يستحب صلاة الليل بهذه الكيفية كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، حديث علي، الحديث السادس والأربعون بعد المئة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبعهم بإحسان، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين، رواه الترمذي وحسنه. نعم، هذا الحديث حسن، وهذا الحديث به أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي قبل العصر أربع ركعات، وقوله: يفصل بينهن بالتسليم إلى آخره، حمله أكثر أهل العلم على أن المراد بذلك التشهد، أي: يفصل بين الركعتين بتشهد، لكن من غير تسليم، ثم يسلم تسليما واحدا، يصلي أربع ركعات بتشهدين وبتسليم واحد. فقوله: يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين، يعني: في التشهد، ثم يقوم فيأتي بالركعتين، ثم يتشهد، ثم يسلم. هذا يدل على أن صلاة النهار يجوز أن تصلى بأربع ركعات بتشهدين وبتسليم واحد، ويجوز أن تصلى بركعتين كصلاة الليل. فهذا الحديث يحمل على الجواز، يحمل على الجواز، جواز أن تصلى صلاة النهار أربع ركعات بتشهدين وتسليم واحد، ويجوز كما سيأتي أن تصلى كصلاة الليل مثنى مثنى. طيب، قال المصنف: أبو داود، الحديث التاسع والأربعون بعد المئة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى، متفق عليه، وللخمسة، وصححه النحبان بلفظ: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. وقال النسائي: هذا خطأ، يعني: ذكر النهار في الحديث خطأ، والصواب: صلاة الليل، من غير ذكر النهار. وأشار إلى ذلك أيضا إمام الترمذي، رحمه الله، قال: وروى الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكروا فيه صلاة النهار، لم يذكروا فيه صلاة النهار. فهذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن صلاة الليل مثنى مثنى، يعني: ركعتين ركعتين، يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين ثم يسلم، وهكذا، فإذا خشي الصبح، يؤتر بركعة واحدة. وفي لفظ النحبان: صلاة الليل والنهار، وعلمنا أن ذكر النهار خطأ. وهنا اختلف أهل العلم في حكم صلاة النهار، هل تصلى صلاة الليل مثنى مثنى، أو أنها تصلى أربعا كما في حديث علي المذكور قبل قليل؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى أن صلاة النهار تصلى أربعا بتشهدين وتسليم واحد، بتشهدين وتسليم واحد، وإلى هذا ذهب إسحاق والمبارك والثوري. وذهب الشافعي وأحمد إلى أن تصلى كصلاة الليل، وهذا قول جمهور أهل العلم، أن صلاة النهار تصلى كصلاة الليل مثنى مثنى. فمثلا إذا أراد أن يصلي السنة القبلية للظهر أربع ركعات، فله أن يصليها ركعتين ركعتين، وهكذا أيضا إذا صلى قبل العصر أربعا، يصلي ركعتين ركعتين كصلاة الليل، مع جواز أن يصليها أربعا بتسليم واحد، أن يصليها أربعا بتسليم واحد وتشهدين كما في حديث علي. فحديث علي كما ذكرنا يحمل على الجواز، وصلاة النهار تصلى كصلاة الليل. قال الحديث الخمسون بعد المئة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، أخرجه مسلم. نعم، في هذا الحديث يبين النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الصلاة بعد الفريضة، يعني: أفضل النوافل، نوافل الصلاة بعد الفريضة، هي صلاة الليل. وصلاة الليل من أفضل نوافل الصلاة، ولهذا أثنى الله سبحانه وتعالى على أصحابها الثناء العظيم، قال الله جل وعلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ،﴾ إلى آخر الآيات. وقال جل وعلا في وصف عباده الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾. وأخبر جل وعلا عن أصحاب الجنة أن من أعمالهم قيام الليل، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. نعم، فهذه العبادة، عبادة عظيمة، هي من أفضل نوافل الصلاة بعد الفريضة، هي صلاة الليل. قال الحديث الحادي والخمسون بعد الأربعمئة، وعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، يفطر يوما، متفق عليه. هذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أوصى عبد الله بن عمر، وقد بلغه أنه يصوم النهار ويقوم الليل، فارشده إلى الاقتصاد في باب العبادة، الصلاة والصيام، وبين له أن أفضل وأعدل الصيام والقيام صيام داود عليه السلام، فإنه كان يصوم يوما، يفطر يوما، ولا يضعفه ذلك عن بقية الواجبات. وهذا في بعض الروايات قال: ولا يفر إذا لاقى، أي: إذا لاقى العدو. وأرشده كذلك إلى أن يصلي صلاة داود، فإنه كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، يعني: ينام أولا نصف الليل، ثم يقوم الثلث المتبقي، ثم ينام السدس. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا أفضل الصلاة، أحب الصلاة إلى الله، أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، أن فيها اعتدالا، وإعطاء للنفس حقها من الراحة، فينام نصف الليل، ويقوم نشيطا في الثلث، ثم يأخذ قسطا من الراحة بعد قيام الليل، حتى ينشط للقيام للصبح. فكان هذا من أحب الصلاة إلى الله سبحانه وتعالى. وفيه أيضا استحباب قيام الليل، لأنه من أفضل الصلوات كما مر معنا. قال حديث الثاني والخمسون بعد المئة، وعنه رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل، فترك قيام الليل، متفق عليه. نعم، النبي صلى الله عليه وسلم يحث عبد الله بن عمر، أنه لا يترك قيام الليل، بل يحرص على المحافظة عليه. يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل، أي: لا تكون مثله، بل احرص على قيام الليل، وأن تستمر على ذلك. ولما قاله النبي عليه الصلاة والسلام هذا، ما ترك عبد الله بن عمر رضي الله عنه قيام الليل. فالنبي صلى الله عليه وسلم مراد بهذا أن يحثه على الاستمرار في قيام الليل، والمحافظة عليه. وكذا ينبغي أن يحرص المسلم، وطالب العلم، قدر المستطاع على قيام الليل، وإن كان شيئا يسيرا، وإن قام شيئا يسيرا، ولو يصلي ركعتين مع الوتر، ويستمر على ذلك، فهذا خير عظيم، يكون له نصيب من قيام الليل. قال الحديث الثالث والخمسون بعد المئة، وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال: سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتنة؟ أو: ماذا أنزل الليلة من الفتنة؟ ماذا أنزل من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟ يا رب، كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة، رواه البخاري. نعم، الشاهد بهذا الحديث، قوله عليه الصلاة والسلام: من يوقظ صواحب الحجرات؟ يعني: زوجاته، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يحث أهله ونساءه على قيام الليل، على قيام الليل. من يوقظ صواحب الحجرات؟ في بعض الروايات: كي يصلين، كي يصلين. فأراد عليه الصلاة والسلام حثهن وترغيبهن في قيام الليل. وهذا فيه يعني الحث والترغيب للمسلم على قيام الليل، وكذلك أيضا أن يحث أهله، أن يحث أهله على قيام الليل، ويرغبهم في ذلك. نعم، وقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام بالرحمة، كما جاء في السنن: رحم الله امرأة قامت من الليل، فصلت، فأيقظت زوجها، فإن أبى نضح في وجهها الماء. ورحم الله امرأة قامت من الليل، فصلت، فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء. دعا بالرحمة لمن قام الليل من الزوجين. نعم، وكذلك ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. وأثنى الله عز وجل على إسماعيل بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. فأمر الأهل بالصلاة، وقيام الليل، أمر مطلوب، ومما يؤجر عليه الإنسان. قال حديث الرابع والخمسون بعد المئة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قام أحدكم من الليل، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، رواه مسلم. هذا الحديث في استحباب افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين، استحباب افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين، يعني: إذا قام يصلي، يصلي ركعتين خفيفتين، تذهب عنه أثر النوم، وتدفع تسلط الشيطان، ثم بعد ذلك يصلي، ويكون عنده نشاط. وهذا كما جاء في حديث أبي هريرة، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يعقد على قافية أحدكم ثلاث عقد، وهو نائم، فإذا استيقظ، فذكر الله، انحلت عقدة، فإذا توضأ، انحلت عقدة، فإذا صلى ركعتين، انحلت عقدة، فأصبح نشيطا طيبا النفس، وإلا أصبح خبيث النفس، كسلان. فكونه يقوم، ويتوضأ، ويصلي ركعتين، هنا تنحل العقد الثلاث التي يجعلها الشيطان على رأس النائم، فيذهب عنه الكسل، ويشعر بالنشاط. فحينئذ يصلي وهو على أكمل هيئة، وأحسن حال. نعم، وهاتان الركعتان، يعني: ما تحسن من صلاة الليل، من ركعة التي يصليها، يعني: مثل النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصلي إحدى عشرة ركعة، وحيانا يفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين، فتكون ثلاث عشرة، مع الركعتين الخفيفتين. هذه مثل مثلا لو أراد أن يصلي في رمضان قيام الليل، هو يجد أن يصلي إحدى عشرة ركعة، يفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين، ولا يحسبها، ثم يصلي إحدى عشرة ركعة مع الوتر. قال حديث الخامس والخمسون بعد المئة، طبعا هذا حديث صحيح، برواية عائشة، من قول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا قام أحدكم، وجاء في حديث عائشة من فعله عليه الصلاة والسلام أنه إذا قام بصلاة الليل، يفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين. قال حديث الخامس والخمسون بعد المئة، وعن زرارة بن أبي أوفى أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوف الليل، فقالت: كان يصلي العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله، فيركع ركعتين، ثم يأوي إلى فراشه، وينام، رواه أبو داود. وفي سماع زرارة من عائشة نظر. نعم، زرارة بن أبي أوفى لم يسمع من عائشة، لكن ذكر الحافظ في التهذيب أن الواسطة بينهما هو سعد بن هشام، وهو ثقة. وعلى هذا، فالحديث صحيح، ولهذا صححه الشيخ الألباني، رحمه الله، دون قوله: أربع ركعات، دون قوله: أربع ركعات، أنه يصلي العشاء، ثم يرجع إلى أهله، فيركع أربع ركعات. المحفوظ أنه يركع ركعتين، كما جاء في حديث عائشة عند الإمام أحمد، وأيضا في صحيح الإمام مسلم. فالحديث صحيح دون قوله: أربع ركعات، والمحفوظ ركعتين. قال الحديث السادس والخمسون بعد المئة، وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الوتر حق على كل مسلم، من أحب أن يؤتر بخمس، فليفعل، ومن أحب أن يؤتر بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يؤتر بواحدة، فليفعل. ورواه النسائي، ورجح وقفه، وصححه النحبان، رجح وقفه، يعني: على أبي أيوب من قوله. وهكذا أيضا الإمام أبو حاتم في العلل، سأله ابنه عبد الرحمن عن هذا الحديث، وأخبرنا رواية موصولة، ورواية مرسلة، فقال: الصواب أنه من قول أبي أيوب، أي: موقوفا عليه. نعم، وقوله: الوتر حق، الصواب أيضا أنه موقوف على أبي أيوب، وفيه بريدة، ولا يصح أيضا. وصيغة: الوتر حق، معنى أن الوتر الصواب أنه مستحب، وليس بواجب. وأما هذا الحديث الصواب فيه الوقف على أبي أيوب، وقوله: من أحب أن يؤتر بخمس فليفعل إلى آخره، معنى صحيح، معنى صحيح، حيث أنه يجوز للمسلم أن يؤتر بثلاثة، أو يؤتر بخمسة، أو يؤتر بواحدة، وكل هذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى، ويشرع مثل ذلك. قال حديث السابع والخمسون بعد المئة، وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الوتر حق، فمن لم يؤتر فليس منا، أخرجه أبو داود بسند لي، وصححه الحاكم. نعم، فيه عبيد الله بن عبد الله العتكي، وهو ضعيف. قال حديث الثامن والخمسون بعد المئة، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه الترمذي وحسنه، والحاكم صححه. نعم، الحديث صحيح، حديث بريدة هذا ضعيف، واستدل به الحنفية على وجوب الوتر، واستدل به على وجوب الوتر. وجمهور علماء على أن الوتر مستحب، وليس بواجب، ويدل عليه حديث علي المذكور بعده: ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالوتر مستحب، وهو سنة مؤكدة، يعني: يحث النبي عليه الصلاة والسلام عليه، مع مواظبته عليه عليه الصلاة والسلام. وقال الإمام أحمد: يعني: يسقط شهادة من لا يوتر، من لا يوتر، مع أن الوتر مستحب، لكن هذا حمله العلماء على أنه إذا تركه الإنسان، يعني: زهدا، وعدم رغبة في شيء رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وحث عليه، ليس إذا تركه تكاسلا. فعلى كل، يحرص المسلم على المحافظة على الوتر. قال حديث التاسع والخمسون بعد المئة، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في شهر رمضان، ثم انتظروه من القابلة، فلم يخرج، وقال: إني خشيت أن يكتب عليكم الوتر، رواه ابن حبان. قال حديث الستون بعد المئة، وأن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد، وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح، قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان، متفق عليه. النبي عليه الصلاة والسلام صلى ذات ليلة في المسجد في رمضان، فصلى بصلاته ناس، يعني: اقتدوا به، وصلوا معه، ثم في الليلة التي بعدها كثر الناس، زادوا، ثم في الثالثة أو الرابعة اجتمع الناس للصلاة، فلم يخرج النبي عليه الصلاة والسلام. ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم صنيعهم، أخبرهم أنه علم باجتماعهم، ولم يمنعهم من الخروج إليهم إلا خشية أن تفرض عليهم، يعني: صلاة الليل، خشية إن خرج واستمر معهم أن تفرض عليهم صلاة الليل، فيكون في ذلك مشقة عليهم. فترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خشية أن تفرض عليهم، ثم عادها عمر رضي الله عنه في خلافته، لأن في خلافة أبي بكر شغل الناس بقتال أهل الردة، وفي خلافة عمر عاد الناس صلاة الليل، وصلاة القيام والتراويح، وجمعهم على إمام واحد، ثم قال: نعمة البدعة هذه. فقول هنا: خشية أن تفرض عليكم، دل هذا على أن صلاة الليل والوتر ليست بفرض، ليست بفرض، بل هي مستحبة. وكذلك أيضا دل هذا الحديث على استحباب صلاة القيام والتراويح جماعة، فإن النبي صلى بأصحابه الليلة الأولى والثانية. وكذلك أيضا حث على صلاة التراويح في جماعة، فقال: من صلى مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة. وقال: من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه. وأما في غير رمضان، فيجوز أحيانا أن تصلى صلاة الليل جماعة، ولا يداوم على ذلك. ويدل على الجواز أحيانا صلاة ابن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم لما بات عند خالته ميمونة في الصحيحين، فقام يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم. وصلاة حذيفة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا صلاة ابن مسعود مع النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك صلاة الليل. فهذه الأحاديث تدل على مشروعية صلاة الليل جماعة أحيانا. قال حديث الحادي والستون بعد المئة، وعن خارجة بن حذافة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، رواه أبو داود، وصححه الحاكم. هذا الحديث ضعيف، فيه راويان ضعيفان، ضعفه البخاري، ومن قبله ابن حبان. لكن قال الشيخ الألباني، رحمه الله: صح الحديث دون قوله: هي خير لكم من حمر النعم، هذا إنما ثبت في ركعتي الفجر كما مر معنا. وأما قوله: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، هذا ثابت. إذن، هذه القطعة من الحديث تدل على أن وقت الوتر من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، يطلع الفجر، انتهى وقت الوتر. فما بعد صلاة العشاء إلى قبل الفجر، فهذا كله وقت للوتر. وعلى هذا، فلو أن الإنسان قدم صلاة العشاء، كأن يجمع بين صلاة المغرب والعشاء، فصل العشاء في وقت المغرب جمع تقديم، فهل له أن يوتر بعد أن يصلي العشاء؟ الجواب: نعم، له أن يوتر، لأن وقت العشاء قد دخل في حقه، وهذا قول جمهور أهل العلم. قال حديث الثاني والستون بعد المئة، وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوتروا يا أهل القرآن، فإن الله وتر يحب الوتر، رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة. هو قطعة تابعة لحديث علي المذكور برقم 458: أوتروا يا أهل القرآن، فإن الله وتر يحب الوتر. وهذا الأمر للاستحباب، هذا الوتر للاستحباب، أو هذا الأمر بالوتر للاستحباب. وخص أهل القرآن لأنهم هم الأولى، أولى من ينبغي أن يعتني بالوتر، لما يحملون من القرآن، ينبغي أن يقوموا به، وأن يصلوا به ما يتيسر. وقوله: فإن الله وتر يحب الوتر، أي: أن الله واحد، هو المتفرد جل وعلا في الألوهية والربوبية، وفي الأسماء والصفات. فالله واحد، وتر، يحب الوتر. فالله يحب هذه العبادة، فيحرص المسلم على المحافظة عليها. قال الحديث الثالث والستون بعد المئة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره، على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، قالت عائشة: قلت: يا رسول الله، تنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة، إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي، متفق عليه. نعم، في هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب في قيام الليل، سواء في رمضان، وفي غير رمضان، على إحدى عشرة ركعة، يعني: ما كان يزيد في صلاة الليل على إحدى عشرة ركعة. فيصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا، وقوله: يصلي أربعا، يحتمل أن مرادها أن يصلي أربعا يفصل بينهن بتسليم، ويحتمل أنه يصليها بتسليم واحد، يحتمل هذا، يحتمل هذا. ثم يصلي ثلاثا، أي: يوتر بثلاث بعد الثمان، فتكون إحدى عشرة ركعة. ثم قالت: يا رسول الله، تنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة، إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي، يعني: هذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، أن تنام عيناه، ولا ينام قلبه، يعني: يغمض عينيه، وتنام، لكن قلبه مستيقظ، قلبه مستيقظ. إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي. فالشاهد بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الليل إحدى عشرة ركعة، فدل هذا على استحباب صلاة الليل بإحدى عشرة ركعة، لفعله عليه الصلاة والسلام. وهل معنى هذا أنه لا يجوز الزيادة على إحدى عشرة ركعة؟ لا، لعموم حديث ابن عمر: صلاة الليل مثنى مثنى، هذا يدل على الجواز، لكن من حيث الأفضل والأكمل، هو الاتصار على إحدى عشرة ركعة. قال حديث الرابع والستون بعد المئة، وعنها رضي الله عنها قالت: كان يصلي من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة، متفق عليه. يعني: هنا أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عشر ركعات، ويوتر بسجدة، يعني: بركعة، المراد بالسجدة الركعة المتضمنة للسجود، فتكون إحدى عشرة ركعة. ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة، يعني: تحسبها مع قيام الليل، فيكون المجموع ثلاث عشرة ركعة. وكأن تريد بهذا أن من ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثلاث عشرة ركعة، فهذا على حساب ركعتي الفجر، أو أنه يحمل ذلك على الركعتين الخفيفتين الذي كان يصليهما أحيانا قبل أو في استفتاحه لصلاة الليل، فيكون المجموع ثلاث عشرة ركعة. قال حديث الخامس والستون بعد المئة، وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها، رواه مسلم. نعم، هذا الحديث كما سمعتم، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، وهذا يحمل إما على إرادة ركعتي الفجر كما في رواية قبلها، أو على ركعتي استفتاح صلاة الليل الخفيفتين، فيكون المجموع ثلاث عشرة ركعة. وقولها: يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها، يدعو على استحباب أن يوتر بخمس ركعات متتابعة ومتواصلة، لا يجلس إلا في آخرها، في الركعة الخامسة. فهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام. قال الحديث السادس والستون بعد المئة، وعن أبي سلمة قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح، رواه مسلم. في هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ثم فصلت هذه الثلاث عشرة ركعة، فقالت: يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، يعني: بركعة، فيكون مجموع تسع، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فيكون مجموع إحدى عشرة ركعة، ثم يصلي ركعتي الصبح، يكون المجموع ثلاث عشرة ركعة. ففيه أيضا استحباب هذه الكيفية في صلاة الليل، أن يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، تصلي ركعتين وأنت جالس. ثم الركعتين بعد النداء والإقامة من صلاة الصبح. طيب، نقف هنا، إن شاء الله، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.