الدرس في شرح تائية الألبيري 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشبه أبو إسحاق الألبيري الدنيا بعروس بكر طلقها العقلاء طلاقاً بائناً لعدم جدواها، محذراً من الغفلة التي تشبه النوم المعنوي الذي لا ينقطع إلا بالموت. يستشهد بآيات قرآنية وأثر علي بن أبي طالب في ذم الدنيا.
يحذر النص من الغفلة والخداع بالدنيا مؤكداً أن اليقظة يجب أن تسبق حلول الأجل، وينصح أبا بكر بطلب علم الكتاب والسنة ليكون إماماً يقتدى به. يستدل بآيات قرآنية وكلام ابن تيمية أن الإمامة في الدين تنال بالعلم واليقين.
يمنح العلم العالم مكانة إمامة مطاعة لثقته بعلمه المستمد من الكتاب والسنة، ويزيل غشاوة الجهل عن البصيرة فيعرف الحق. كما يهديه الطريق المستقيم ويزينه في المجالس بجمال معنوي يعلو على النسب والشكل الظاهري.
ينقل المتحدث نصيحة الشيخ الوادعي لذوي العاهات والأمراض الظاهرة بطلب العلم، لأن العلم يجمل صاحبه ويجعله محتاجاً إليه الناس رغم نفورهم من عاهته. ويؤكد أن العلم يزين أصحابه ويرفع من قدرهم في المجتمع.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول أبو إسحاق الألبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية، وفي وعظه ونصحه لرفيقه ومن عاتبه، قال له: أراك تحب عرساً ذات خدر أبدت طلاقها الأكياس بتاً. فقوله: أراك تحب عرساً، أي: أراك منشغلاً بهذا الأمر، وهو العرس، يراد به الزوجة. وقوله: ذات خدر، أي: البكر التي لا تزال في خدرها. ولا شك أن الزوجة إذا كانت بكراً كانت أكثر رغبة عند الرجال، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: «ألا تزوجت بكراً تداعبها وتداعبك؟». والمؤلف هنا ذكر الزوجة وأنها بكر من باب التشبيه، فيريد بالزوجة هنا الدنيا والافتتان بها والانشغال بملهياتها، فكأنه يقول له: أراك منشغلاً بهذه الدنيا، مقبلاً عليها، مفتتناً بزخرفها. أراك تحب عرساً ذات خدر، فشبه هذه الدنيا بهذه العروسة البكر التي ينشغل بها الزوج. ثم قال: لو أبدت طلاقها الأكياس بتاً. الأكياس هم الفطناء العقلاء النبهاء، أو لُهنا، فيقول له: هذه الدنيا قد أبدت طلاقها الأكياس. ومعنى "بت طلاقها": الطلاق البائن، هو الطلاق البائن الذي لا رجعة فيه. مثل الزوجة إذا طلقها الطلقة الأولى والثانية، هذا يسمى طلاقاً رجعياً، له أن يراجعها فيه، لكن لو طلقها الثالثة، بمجرد أن يطلقها فقد بانت منه، ولا يجوز له أن ينكحها إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، كما ذكر ربنا ذلك في القرآن. فيقول له: هذه الدنيا التي أنت انشغلت بها، الفطناء العقلاء طلقوها طلاقاً بائناً، ولم ينشغلوا بها، ولم يلتفتوا إليها، لأنها دار ممر لا دار مستقر، ولأنها دار بلاء لا دار جزاء. فهذا معنى قوله: أبت طلاقها الأكياس بت. و"بت" هنا توكيد، أي: يؤكد له ما فعل هؤلاء الأكياس. وجاء أثر عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أخرجه أبو نعيم في الحلية، أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: «يا دنيا غري غيري، إلي تتعرّضي، هيهات هيهات، غري غيري، قد بتّتك ثلاثاً، أي: طلقتك ثلاثاً ثلاثاً، فعمرك قصير، ومجلسك حقير»، إلى آخر ما ذكر من ذم هذه الدنيا. فهكذا العاقل لا تشغله ولا تلهيه هذه الدنيا عن الآخرة، كما قال الله عز وجل: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فمن فتن بالدنيا وانشغل بها، هذا لا عقل له ولا فطنة له، وليس من الأكياس، وليس من الأكياس. ثم قال رحمه الله: «تنام الدهر ويحك في غطيط بها * حتى إذا مت انتبهت». قوله: "تنام"، المراد بالنوم هنا ليس النوم الحسي، وإنما المراد بالنوم هنا النوم المعنوي. فقوله: "تنام"، أي: النوم هنا هو الاستمرار في الغفلة، الاستمرار في الغفلة. ولهذا تسمى الاستقامة بعد الغفلة يقظة، وانتقد بعض العلماء من يقول "صحوة"، لا، إنما الاستقامة بعد الغفلة يقظة. وقد عده ابن القيم في كتابه "مدارج السالكين" من منازل السائرين، أي: اليقظة من منازل السائرين. فالاستقامة والتوبة بعد الغفلة تسمى يقظة، وما قبلها يعد نوماً. فالغافل نائم، الذي يغفل عن ذكر الله، يغفل عن الصلاة، يغفل عن طلب العلم، يغفل عن ذكر الله، يغفل عن الأعمال الصالحة. ولذلك يقول الله عز وجل لنبيه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾، لا تكن من الغافلين. فهو يقول لصاحبه: "تنام الدهر"، أي: تغفل عن الطاعة والأعمال الصالحة. "ويحك في غطيط"، و"ويح" كلمة تستعمل لشيء من التهديد مع التخويف، فيها نوع من الإشفاق، توبيخ مع إشفاق، بخلاف كلمة "ويل" فإنها كلمة تهديد دون إشفاق، كلمة تهديد دون إشفاق. فقوله: "ويحك"، يعني: يهدده ويخوفه مع الإشفاق عليه. "في غطيط"، الغطيط هو صوت النائم المستغرق في النوم، وله عدة أسماء: يقال له غطيط، ويقال له شخير، ويقال له خرير، ويقال له نخير، كل هذه أسماء الصوت الذي يصدر من النائم المستغرق في النوم، المستغرق في النوم. فهو يقول له: أنت مستغرق في غفلتك، تنام الدهر ويحك في غطيط بها، أي: بهذه الدنيا، حتى إذا مت انتبهت. يعني: أنك تبقى على ذنبك، وتبقى على غفلتك، ولا تنتبه إلا حين يفجأك الموت، حين يفجأك الموت، فإذاك لا يفيد الإنسان الندامة، ولا ينفعه كذلك الندم، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، فاق من غفلته، يريد أن يرجع إلى الدنيا، ماذا يعمل؟ ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾. فاليقظة من الغفلة تكون في وقت الإمكان في هذه الدنيا، قبل أن يهجم الأجل على الإنسان. فهو يقول له: يعني ما تنتبه إلا إذا جاءك الموت، انتبه، فإن في هذا الموقف العصيب لا ينفع الندم، لا ينفع الندم. ثم قال له: «وكم ذا أنت فكم ذا أنت مخدوع * وحتى متى لا ترعوي عنها». "وحتى" يعني: يقول له: إلى متى وأنت مخدوع بهذه الدنيا؟ فهي دار الغرور والخداع، تخدع أصحابها وتجرجرهم إليها، فيقول له: إلى متى وأنت مخدوع بهذه الدنيا؟ و"كم" في هذا الموضع يقول لها أهل العربية: خبرية تفيد التكثير، هنا قد تفيد التكثير وقد تفيد التقليل، لكن هنا تفيد التكثير، يعني: كثير منك الخداع بهذه الدنيا، كم أنت مخدوع بهذه الدنيا؟ "متى لا ترعوي"، "ترعوي" يعني: تكف عن هذه الدنيا. "وحتى"، إلى متى ستترك هذه الدنيا والانشغال بها والانكباب عليها؟ ثم نصحه بنصيحة عظيمة جليلة، فقال له: «أبا بكر دعوتك لو أجبت * إلى ما فيه حظك لو عقلت * إلى علم تكون به إماماً مطاعاً إن نهيت وإن أمرت * ويجلو ما بعينك من غشاها * ويهديك الطريق إذا ضللت * وتحمل منه في ناديك تاجاً * ويكسوك الجمال إذا عريت * يناله نفعك ما دمت حياً * ويبقى ذخره لك إن ذهبت * هو العضب المهند ليس ينبو * تصيب به مقاتل من أردت * وكنز لا تخاف عليه لصاً * خفيف الحمل يوجد حيث كنت * يزيد بكثرة الإنفاق منه * وينقص إن به كفا شدت». يقول له: "أبا بكر"، وخاطبه بكنيته، وهذا من التلطف في الخطاب، ومن أدب الناظم رحمه الله، فإنك إذا أردت أن تكرم أحداً وأن تخاطبه خطاباً ليناً جميلاً تناديه بكنيته، كما قال القائل: «أكنيه حين أناديه لأكرمه * ولا ألقبه فالسوأة اللقب». فهنا خاطبه بهذا الخطاب الجميل بكنيته، فقال له: "أبا بكر دعوتك"، أي: دعوة ناصح ومشفق لأمر عظيم وخير عميم. انظر إلى هذا الأدب وإلى رفيع الأخلاق، هذا أبو بكر كما تقدم معنا في الدرس الماضي، وفي مقدمة هذه المنظومة، أنه ذكر عيوب الألبيري وهجم عليه وهجاه، ومع هذا ملتفت الألبيري إلى هذا الذنب، وما جعله أكبر همه، وإنما وعظ هذا العائب ونصحه، وأعطاه من النصائح النفيسة الثمينة. فمن أعظم هذه النصائح التي وجهها له قال له: "أبا بكر دعوتك"، أي: دعوة ناصح ومشفق، "دعوتك لو أجبت"، يعني: هل لا أجبتني إلى هذه الوعظ، إلى هذه النصيحة، وإلى هذه الدعوة؟ فلو أنك أخذت بهذه النصيحة الآتية، كما قال في هذه الأبيات، "إلى ما فيه حظك لو عقلت"، يعني: هذه النصيحة فيها أوفر الحظ والنصيب لك إذا أخذت بها وعملت بها، ولذلك قال له: "لو عقلت"، أي: لو فهمت وأجبتني إلى ما دعوتك إليه، لنلت خيراً عظيماً وحظاً وافراً. فما هو هذا الأمر؟ بينه في البيت الذي بعده، وذكر له من ثماره ومن كذلك فضائله، فقال: «إلى علم تكون به إماماً مطاعاً إن أمرت وإن نهيت». فقوله: "إلى علم"، المراد بالعلم هنا العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة. فقد قال العلماء: إن العلم إذا أطلق توجه هذا الإطلاق إلى علم الكتاب والسنة، فكل ما جاء من لفظ العلم في القرآن أو في السنة فهو متوجه إلى علم الكتاب والسنة. فقول: "إلى علم"، أي: علم الكتاب والسنة، "تكون به إماماً"، يعني: يوصلك للتقدم على غيرك، فتكون بهذا العلم إماماً، ومعنى "إماماً": أي قدوة للناس. وهذا المطلب مطلب ديني شرعي يرغب فيه العقلاء، فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم لنبيه إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، فطمع إبراهيم في هذا المطلب العظيم، فقال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، أي: اجعل كذلك من ذريتي من هو إمام، من هو إمام. فالأمامة في الدين مطلب عظيم، مطلب عظيم لا يطلبه إلا أهل العقول الراجحة وأهل كذلك الإيمان. وهذا أيضاً ما كان من دعاء عباد الرحمن، كما قال الله عز وجل عنهم في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، يُقْتَدَى بِهِمْ، يُقْتَدَى بِهِمْ. نعم. ومن الأسس التي تنال بها الإمامة العلم، لا يمكن لأحد أن يكون إماماً للناس وقدوة لهم إلا بالعلم، ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، يهدون بأمرنا، أي: بالعلم الذي أوحيناه إليهم. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «بالعلم واليقين تنال الإمامة في الدين، بالعلم واليقين تنال الإمامة في الدين». فإذا من اعتنى بالعلم وأخذ العلم، فهذا طريق إلى أن يكون إماماً للناس يقتدى به، يقتدى به. «تكون به إماماً مطاعاً إن أمرت وإن نهيت»، يعني: إن أمرك ونهيك يكون مسموعاً عند الناس، لما يثقون بك مما وهبك الله عز وجل من العلم، فتكون آراءك سديدة وأقوالك موفقة، لماذا؟ لأنها مبنية على علم، مبنية على علم. ولذلك أمرنا الله عز وجل في الملمات وفي الأمور، في النوازل، أن نرجع إلى أهل العلم، لأن أقوالهم منبثقة ومستنبطة من الكتاب والسنة، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وأولو الأمر هم العلماء، هم العلماء. فالعالم يرجع إليه في المسائل الشائكة، في أمور الدين، بل وفي أمور الحلال والحرام ونحو ذلك، فيكون العالم أمره ونهيه مسموعاً ومطاعاً. ثم قال: «ويجلو ما بعينك من غشاها * ويهديك الطريق إذا ضللت». قوله: "ويجلو ما بعينك من غشايا"، هذا يبين له أيضاً فضل العلم. في رواية جاءت في قراءة هذا البيت: "ويجلو ما بعينك من عشاها"، والعشا هو مرض يكون في العين، فيمنع الرؤية خصوصاً في الليل، وهو ما يسمى بالأعشى، ما يسمى بالأعشى. جاء: "من غشاها" و"من عشاها"، من الأعشى. ومعنى البيت: أي أن العلم، العلم يذهب بغطاء الرؤية، الشيء الذي لا تراه، العلم يزيله. فيراد هنا بالرؤية الرؤية المعنوية، الرؤية المعنوية. فبالجهل يتخبط الإنسان في ظلمات الشرك والبدع والمعاصي، وبالعلم تذهب عنه غشاوة الجهل، فيعرف التوحيد، ويعرف السنة، ويعرف الحق، ويعرف الطاعة، ويعرف الطاعة. فالعلم يبصرك وينورك. ولذلك مثل العلماء العالم، أو العلم، أو مثل العالم في الناس، كمثل أناس في صحراء مظلمة، في صحراء مظلمة، ما يدري الناس أين يذهبون، إن مشوا خافوا أن يقعوا في حفر، أو في يعني شجر، أو في كذلك حفر، أو نحو ذلك، فأخذ رجل مصباح، وأخذ يضيء لهم الطريق، ويجنبهم الحفر والمهالك. وهكذا العالم بين الناس، يبصر الناس، ويدلهم على الطريق المستقيم. وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾، إنما يتذكر أولو الألباب. شبه الجاهل بالأعمى، شبه الجاهل بالأعمى الذي لا يرى. وكما قال الله عز وجل: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، كنور يمشي به في الناس، ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾، كان من قبل ميتاً، نعم، لا يتحرك ولا يميز ولا شيء من ذلك، فلما هدي إلى العلم صار حياً وعلى نور من الله سبحانه وتعالى. ثم قال: وقوله هنا "ويجلو"، أن يزيل ما على القلب من الغشاوة، من الغطاء. ثم قال: "ويهديك الطريقة"، أن يدلك على الطريق المستقيم، إلى الجادة. وفي هذه الأبيات ذكر ثلاثة من آثار العلم ومنافعه: الأولى الإمامة، والثانية ذهاب الغشاوة على العين، والثالثة الهداية، والثالثة الهداية. وهذه أمور عظيمة لا ينالها إلا من تعلم العلم. ثم قال له وهو يبين له آثار ومنافع العلم وفوائد العلم: «وتحمل منه في ناديك تاجاً * ويكسوك الجمال إذا عريت». "وتحمل منه في ناديك تاجاً"، أي: من فوائد العلم أنك تحمل في مجالسك تاجاً. وهذا فيه ذكر الأمور التي ينالها العالم، ولكن ليست قصده، ليست هذه الأمور قصد العالم، لو قصدها لخدش ذلك في إخلاصه، أو لخدش ذلك في إخلاصه، ولكن تأتيه رغم أنفه، تأتيه رغم أنفه. وهذا هو واقع أهل العلم، أنظر إلى العلماء تجدهم زين المجالس، وتجدهم لهم هيبة، ولهم كذلك منزلة في قلوب الناس، فإذا جلسوا مجلساً ترك الناس الكلام لهم، لأنهم علماء، لأنهم علماء. وهذا معنى "وتحمل منه في ناديك تاجاً"، يقوم مثل التاج الذي يتزين به اللابس، يلبسه على رأسه فيتزين به، فزين المجالس العلماء، العلماء. "وتحمل منه في ناديك تاجاً ويكسوك الجمال إذا عريت"، أي: يجملك ويحسنك العلم، وإن كنت ذا خلقة ذميمة. ولذلك لو نظرت في تراجم المحدثين لرأيت أن كثيراً منهم من الموالي، المولى يكون عبداً، وربما يكون ذا صورة ليست بحسنة، كما ذكر عن عطاء بن أبي رباح، وعن غيره، وعن الأعمش، والأعمش يقول: «لو كنت بقالاً لقذرني الناس»، يعني: ما يشتري أحد منه، لأن يخرج من عينيه شيء من الوسخ، أو نحو ذلك، ومع هذا يزدحم طلاب العلم على مجالسه، يزدحم، ولربما أحياناً لا يحدثهم، فيجدون في أنفسهم. انظروا إلى عز العلم، إلى عز العلم. "وتحملوا منه ويكسوك الجمال إذا عريت"، مهما كنت ذا نسب وضيع، أو ذا خلقة ليست بحسنة، فإن العلم يجملك، فإن العلم يجملك، وتكون من أجمل من قد حسنت صورته، أو كذلك على نسبه، أو نحو ذلك. وأذكر كلمة لشيخنا الوادعي رحمه الله تعالى، أنه كان يقول: «أنصح أصحاب العاهات بطلب العلم»، أصحاب العاهات يعني: أصحاب الأمراض الظاهرة، مثل مثلاً الأعمى، أو الأعرج، أو الأكسح، أو كذلك الأبرص، أو نحو ذلك، عنده عاهة، وعاهة ربما الناس يعني ينفرون منه بسبب هذه العاهة، فإذا تعلم واحتاج إليه الناس، فإنه يكون كما ذكر هنا جميلاً بالعلم، العلم يجمل أصحابه، العلم يجمل أصحابه. والانتهاء الوقت، إن شاء الله نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.