أخلاق العلماء للإمام الآجري 13

أخلاق العلماء للإمام الآجري 13

الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 13، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الجدل والمراء

يشرح الشيخ مفهوم الجدل المذموم والممدوح، ويوضح أن المراء كله مذموم. يقدم نصائح حول كيفية التعامل مع الإشكالات العلمية.

أدب النقاش العلمي بين العلماء

يناقش أهمية أدب النقاش العلمي بين العلماء، ويبين أن النقاش اللطيف يتيح الفرصة لتبادل الآراء. يذكر مثالًا على نقاش علمي هادئ يؤدي إلى تصحيح الآراء.

آداب المناظرة والمناقشة العلمية الصحيحة

يشدد على أهمية اتباع المنهج الشرعي في المناظرة لتجنب الفرقة والتنافر. يُوصى بالتركيز على الوصول إلى الحق وعدم الانغماس في الجدال العقيم.

التعامل مع النقاش العقيم

ينصح بإغلاق النقاش العقيم لأنه يؤدي إلى الشحناء والعداوة. يُفضل إنهاء مثل هذه النقاشات حفاظًا على العلاقات.

التفريغ النصي الكامل

يُصرّح إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى في كتاب أخلاق العلماء: قال: وعن أبيه مامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». قال: فالمؤمن العالم العاقل يخاف على دينه من الجدل والمراء. وأورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث لما تقدم ذكره في الدرس السابق من أن الجدل والمراء مفتاح لشرور كثيرة. والمراد بالجدل الجدل المذموم، وهو على نوعين كما تقدم معنا: جدل مع أهل الحق، فهذا على كل حال مذموم؛ لأنه يورث الشحناء والبغضاء والتنافر. وعلى هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». فإن من علامات حرمان الهداية المجادلة في الدين. فهذا الذي يحب الجدل والخصومة هذه علامة من علامات الحرمان. والقسم الآخر من الجدل: الجدل مع من يصلح الجدل معهم، ولكن بغير حق. بحق أن تجادل «بالتي هي أحسن وبالحق ولا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن». فالمجادلة بالباطل، والمجادلة بالسخرية والاستهزاء وغير ذلك، هذا ليس من الأحسن أو من الحسن. وأما المراء فهو نوع من الجدل، كله مذموم، ليس فيه شيء ممدوح أبدًا. أما الجدل فكما تقدم، منه ما هو ممدوح ومنه ما هو مذموم. وأما المراء فكله مذموم، فهو الجدل المذموم الذي يكون معه العجب والرياء والتعالي والتسفيه وغير ذلك من أنواع الغمط والاستنقاص وغير الحق. قال: فإن قال قائل: فما يصنع في علم قد أشكل عليه؟ قيل له: إذا كان كذلك وأراد أن يستنبط علم ما أشكل عليه، قصد إلى عالم ممن يعلم أنه يريد بعلمه الله، ممن يرتضي علمه وفهمه وعقله، فذاكره مذاكرة من يطلب الفائدة، وأعلمه أن مناظرتي إياك مناظرة من يطلب الحق، وليس مناظرة مغالب. والأولى أن لا يسميها مناظرة، ويقول: جئت أسألك سؤال من يطلب الحق، فاصبر علي؛ فإن عندي إشكالات أريد أن توضحها لي. لأن لفظ المناظرة قد يدخل فيها ما يكون سببًا في حصول الوحشة من هذا العالم. لكن تقول له: جئت مستفيدًا، جئت مستفتيًا، وسائلًا، ولكن أصبر علي؛ لأن عندي إشكالات وأحب أن تزول هذه الإشكالات عني. وبهذا وغيره من الأسلوب المؤدب الحكيم يفتح العالم قلبه ووقته لك، فيعطيك من وقته. قال: ثم ألزم نفسه الإنصاف له في مناظرته، وذلك أنه واجب علي أن يحب صواب مناظره ويكره خطأه، كما يحب ذلك لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه. ويعلمه أيضًا: إن كان مرادك في مناظرة أن أخطئ الحق وتكون أنت المصيب، ويكون أن مرادي أن تخطئ الحق وأكون أنا المصيب، فإن هذا حرام علينا فعله؛ لأن المقصود هو الوصول للحق، سواء كان هذا الحق على لسانك أو على لساني من تسأله. وهذا يغلب إذا كان المستوى العلمي متقاربًا. فإذا كان المستوى العلمي متقاربًا فلا بأس أن توضح وتقول: اعذرني أنا أكثر عليك بالسؤال، ليس من باب الاختبار ولا من باب المجادلة كذلك، وإنما في نفسي بعض الإشكالات لعلي أستفيد منكم ما يزيل عني هذه الإشكالات. لعل الله عز وجل يريني أن قولكم في هذه المسألة هو الصواب والحق، فيفتح الله عز وجل علي في ذلك. والحكمة ضالة المؤمن يطلبها حيث وجدها. فإذا كان كذلك، هذا دعا من عنده علم من الطرف الآخر، ولو كان قرينًا ومساويًا ومساميًا لك في العلم، أن يفتح قلبه لك. أما إذا رأى منك المجادلة ونوع من المناظرة التي تدل على خلاف ما بيّنت في لفظك، فإنه ربما انكمش ولم يعطيك ما تريد، فيكتفي بأن يقول: إذا كان مؤدبًا، لا بأس، اذهب إلى ما تذهب إليه ما دام هذا الذي ظهر لك. فحرمت نفسك ما عنده من فائدة. لكن إذا جئت بأسلوب فيه أدب، وكذلك رفق، فربما وضح لك. فقال لك مثلًا: هذا الحديث الذي ذكرت واستدللت به، الصحيح أنه ليس بصحيح. فأنت تقول: أين وجدت هذا؟ من قال هذا؟ فيقول: ارجع مثلًا لكتاب العلل، ففلان من العلماء ضعفه، فلان أشار إلى علته. فتكون هذه فائدة لك لم تقف عليها، وهو وقف عليها. أو يقول لك: هذا الحديث الذي ظننت أنه ضعيف، الصحيح أنه صحيح. فتقول: كيف وجدت ذلك؟ فيقول لك: وجدت له طريقًا، أو أفادنا الشيخ فلان؛ لأن له طريقًا يرتقي بهذه الحسن. وهكذا. وأذكر مناظرة لطيفة جميلة، والأولى أن لا نسميها مناظرة، ولكن نقاش علمي لطيف جرى بين شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب الوصابي رحمه الله، وشيخنا الشيخ ربيع بن هادي حفظه الله. فكان في قضية أثر ابن عمر في الرفع في تكبيرات الجنازة. كان الشيخ على أنه موقوف ولم يصح مرفوعًا. شيخ محمد عبد الوهاب على رأي شيخنا مقبل رحمه الله. فلما وقعت هذه المسألة في عذر شيخنا الشيخ ربيع، قال الشيخ ربيع: بل وقفت على طريقًا يرتقي بها الحديث إلى الحسن. فقال الشيخ محمد: أفدنا بارك الله فيك شيخنا. وتعرفون الشيخ محمد لطيف جدًا في الكلام وفي النقاش. فأخرج الشيخ ربيع حفظه الله الكتب، وبيّن الطرق التي يرتقي بها. ومن حينها رجع شيخنا الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله في هذه المسألة إلى قول الشيخ ربيع في تصحيح أثر ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا. فرجع عن القول في هذه المسألة. فهذا مثال لأدب العلماء بعضهم مع بعض، ونقاشهم في المسائل العلمية. فإذا كان النقاش في المسائل بلطف وأدب، وكذلك سعة صدر، فإن الإنسان يصل إلى الصواب، ويعطيك العالم من وقته، فيفيدك ما لم يمكنك أن تأخذه إذا أتيت بأسلوب جاف وغليظ ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: لأن هذا خلق لا يرضاه الله منا، واجب علينا أن نتوب من هذا. يعني أن تريد فقط الحق يأتي من جهتك، فهذه سنة وطريقة فرعونية. يعني ما عندك إلا رأيك، ما أريكم إلا ما أرى. لا بل أنت كما قال الإمام الشافعي: «قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب». لماذا؟ قال: قول غيره خطأ يحتمل الصواب؛ لأنه لو كان صوابًا لتابعه؛ لأنه يعمل بما يدين الله عز وجل به، فهو لما تعبد الله بأن القول الذي رآه صوابًا هو الصواب، قال به وتعبد الله به. فإذا لا تسفه قول غيرك، بل أطلب الأدلة والبراهين، فإن تبين لك قبلته. قال رحمه الله: فإن قال: فكيف نتناظر؟ قيل له: مناصحة. فإن قال: كيف المناصحة؟ قال: أقول له: لما كانت مسألة فيما بيننا، أقول أنا: إنها حلال، وتقول أنت: إنها حرام. فحكمنا جميعًا أن نتكلم فيها كلام من يطلب السلامة. مراد أن ينكشف لي على لسانك الحق فأصير إلى قولك، أو ينكشف لك على لساني الحق فتصير إلى قولي، مما يوافق الكتاب والسنة والإجماع. وهذا هو المطلوب. المطلوب أن نصل إلى الصواب الذي وافق الكتاب والسنة والإجماع، سواء كان على لساني السائل أو على لساني المسؤول. وكما تقدم، الأولى ألا تسمى ماذا؟ مناظرة، بل تسمى مناصحة. كما قال هنا: سميها نقاش علمي، مناصحة. أريد أن تنصحني في هذه المسألة، أريد أن تفتح علي في إشكال في هذه المسألة، وأريد أن أستفهم وأستوضح. ونحو ذلك من العبارات اللطيفة المؤدبة المهذبة التي تفتح الوقت والقلب للوصول إلى الصواب فيما أشكل من العلم. قال: فإن كان هذا مرادنا رجوت -يعني الجميع- أن نحمد الله عز وجل على العاقبة. قال: عواقب هذه المناظرة أن نحمد -في نسخة: قال تحمد أو تحمد- عندكم نحمد، نحمد، لاثنان. ونحمد كذلك نحن، وتحمد، وتحمد. يعني أنت، فيجوز هذا وهذا. قال: عواقب هذه المناظرة ونوفق للصواب، ولا يكون للشيطان فيما نحن فيه نصيب. هذه هي إذا كان الإنسان عنده حرص على الوصول إلى الحق، فإن شاء الله بمثل هذا المسلك يعان على ذلك. وهذه الآداب يفصل فيها المؤلف رحمه الله؛ لأنه يكثر الخطأ فيها، ويكثر كذلك حصول التنافر والفرقة بسببها. ولذلك نبه عليها العلماء ووقفوا مثل هذه الوقفات حتى لا يكون للشيطان نصيب بين أهل العلم. قال رحمه الله: ومن صفة هذا العالم العاقل إذا عارضه في مجلس العلم والمناظرة بعض من يعلم أنه يريد مناظرته للجدل والمراء والمغالبة، لم تسعه مناظرته. يعني يغلق عليه باب المناظرة؛ لأنه يعرف أن نهاية هذا هو الفرقة والشحناء والبغضاء والعداوة. وهذا ليس في مصلحة أحد. تفرق المسلمون فرق، طلاب هذا الشيخ يقفون في طرفه، وذاك في طرفه. وهكذا. وهذا من التفرق المذموم الذي ذمه أهل العلم قديمًا وحديثًا. وهل تفرق المسلمين إلا من هذا الباب؟ وهذا الذي يطمع به الشيطان. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أيس الشيطان أن يعبد المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش». ومن أسباب التحريش التنافر بين حملة العلم بمسائل العلم. سبحان الله! مسائل علمية تورث تنافرًا وتباعدًا وتفرقًا. وهذا بسبب أنهم لم يسلكوا المسلك الشرعي الصحيح فيها. وإلا فإذا سلكوا المسلك الصحيح الشرعي فيها، فبالتغافل والإعراض، وإغلاق باب الجدال ونحوه من أسباب الفرقة، تنسد هذه الثغور. قال رحمه الله تعالى: لأنه قد علم أنه إنما يريد أن يدفع قوله وينصر مذهبه، ولو أتاه بكل حجة مثلها يجب أن يقبلها، لم يقبل ذلك ونصر قوله. يعني ما في فائدة من النقاش مع هذا الصنف من الناس؛ لأنه كما قيل على طريقة فرعونية: ما أريكم إلا ما أرى. إذا قلت ما قلت، ما يريد أن يستجيب، فقط يريد الذي هو عليه. إن وافقته فأنت المحمود، وإن خالفته فأنت مذموم. إذن لا فائدة من المناظرة إلا زيادة الوحشة والفرقة والخلاف والعداوة. فالأفضل والأحوط والأسلم إغلاق المناظرة أو حتى المناقشة في مثل هذا النوع من النقاش، وهو ما يسمى بنقاش عقيم؛ لأن نهايته ليس الوصول إلى حل، وإنما نهايته شحناء وعداوة وبغضاء. طيب نقف لهنا إن شاء الله، ونترك الباقي لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.