شرح السنة للإمام البربهاري 30

شرح السنة للإمام البربهاري 30

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 30، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير من الجزم بالشهادة لأحد بالجنة أو النار

يناقش المؤلف مسألة الشهادة لأحد بالجنة أو النار ويحذر من الجزم بذلك. يشير إلى أن طاعة السلطان مقيدة بأمرين: ألا تكون في معصية وأن تكون على قدر الاستطاعة.

تفصيل الشهادة بالجنة والنار وبيان الخلاف فيها

المقطع يفرق بين الشهادة بالعموم والشهادة بالتعيين ويبين الخلاف بين العلماء في جواز الجزم بأن شخصًا معينًا في الجنة أو النار. يستعرض آراء مختلفة حول هذه المسألة.

شروط وضوابط الشهادة للإنسان بالجنة

يتناول المقطع المذهب الثالث الذي يجيز الشهادة للإنسان بالجنة إذا أجمعت الأمة على خيريته وصلاحه، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويضرب أمثلة على ذلك.

خاتمة وطلب التوفيق من الله تعالى

يختتم الخطيب كلامه بطلب التوفيق من الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر تواضعه واعتماده على الله في تحقيق الفائدة.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم رحمك الله أنه لا طاعة لبشر في معصية الله عز وجل. وهذه الفقرة، إخواني في الله، لها تعلق بما مضى من ذكر حقوق ولاة الأمور، ونقلنا وذكرنا ما يتعلق بمعتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب. لكن مما يضاف في هذه الفقرة أن طاعة السلطان وطاعة الأمراء تكون مقيدة بأمرين اثنين: الأمر الأول أن لا تكون الطاعة في معصية، أن لا تكون الطاعة في معصية. ووجوه النصوص الدالة المبينة لهذا الشرط، فإذا أمر الوالي أو أمر الأمير بشيء معصية الله جل وعلا، فلا سمع ولا طاعة حينها. والأمر الثاني أن تكون هذه الطاعة على قدر الاستطاعة، أن تكون الطاعة على قدر الاستطاعة. والأدلة كذلك دلت على هذا القيد وعلى هذا الشرط، فقد ثبت في صحيح مسلم، وفي الكتب في البخاري، من حديث ابن عمر، أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يقول لمن بايعه: فيما استطعت، يقول لمن بايعه: فيما استطعت. وثبت كذلك أنه في بيعة رسول الله للنساء، أنه كان يقول: فيما استطعت، فيما استطعت، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم. إذن، فطاعة السلطان مقيدة بأمرين اثنين: أن تكون تلك الطاعة من طاعة الله، أو قل: الطاعة في معروف، ولا تكون في معصية، وأن تكون الطاعة على قدر الاستطاعة. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: ومن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خير ولا شر، فإنك لا تدري بما يختم له عند الموت، ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه، لا تدري ما يسبق له عند الموت إلى الله تعالى من الندم، وما أحدث الله في ذلك الوقت إذا مات على الإسلام، ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه. وما من ذنب إلا وللعبد منه توبة. في هذه الفقرة، إخواني في الله، والذي يسميها العلماء بالجزم بالجنة والنار، أو قول الشهادة بالجنة والنار. والمؤلف رحمه الله تعالى قال: ومن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خير ولا شر، فإنك لا تدري بما يختم له عند الموت، إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: فلا تشهد له بعمل خير ولا شر، يحمل هذا على العمل المتضمن للجنة، أو العمل المؤدي إلى النار. لأن بحقيقة الحال، إخواني في الله، كونك تمدح شخصًا ما بالخيرية ليس فيه شيء. كونك تمدح شخصًا بالخيرية، تقول: فلان من أهل الصلاة، ما شاء الله تبارك الله، أو تقول: فلان -الحمد لله- خير، ماذا تعرف عن فلان؟ ما أرى -ما شاء الله- على أحسن حال، هذه الشهادة، كونك تشهد بما تعرف، هذا ليس فيه شيء، ليس فيه شيء. بل ثبت ذلك عن نبينا الكثير من الأحاديث، أنه ماذا كان يذكر، وكان يشهد لأهل أصحابه بالخيرية. أمين هذه الأمة، عبيد بن الجراح، لعطينا الراية غدًا لرجل يحب الله ورسوله، وعطاها لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وهكذا كان يذكر أناسًا بأعيانهم، ويذكر ما فيهم من خيرية، ويذكر ما فيهم من الخيرية. فكونك تذكر شخصًا ما بالخيرية والصلاح والاستقامة والصلاة، فلان ما أعرف إلا محافظة على الصلاة، ما شاء الله، هذا ما فيه شيء. كونك تذكر ما فيه من خير، هذا ليس فيه شيء. إن من الإشكال، وهذا الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى، كونك أن تجزم له، تقول: فلان في الجنة، فلان في النار. نعم، هنا يتنزل قول المؤلف رحمه الله تعالى. فهذا لا يتأتى لأحد، لا يتأتى لأحد. قبل الدخول في هذه المسألة، هناك تفصيل ينبغي أن يعلم وأن يعرف فيما يتعلق بالشهادة بالجنة والنار لأي أحد. يقول علماء رحمه الله تعالى: أن الشهادة بالجنة والنار لأحد من خلق الله تنقسم هذه الشهادة على أمرين اثنين: إما شهادة بالعموم، وهذا ما يسميها العلماء الشهادة بالوصف، تعم بالحكم، تشهد شهادة عامة، تقول: المتقون في الجنة، هذا ما فيه شيء. الشهادة العامة ليس فيها شيء، تقول: أن من آمن بالله، من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، فهذا من أهل الجنة، هذا ليس فيه شيء. تقول كذلك: أن من كفر بالله فهذا ماذا؟ من أهل النار، من كان من أهل النفاق فهو في الدرك الأسفل من النار، هذا ليس فيه شيء. كونك تأتي بالحكم العام، وما يسميه العلماء الشهادة بالوصف، تأتي بالوصف ثم تحكم عليه بحكم، هذا لا غبار عليه، وهذا دلت عليه الشريعة، أنك تأتي بما علمت من دين الله، بأن تقول: المؤمنون في الجنة، المتقون في الجنة، المصلون في الجنة، وهكذا، قس على ما يناقض هذه الأوصاف. الأمر الثاني، وهو ما يسميه العلماء الشهادة بالشخص، وهو التعيين، التعيين. هل لك أن تعين الجنة والنار لأحد؟ تقول: فلان هذا بعينه من أهل الجنة، فلان بعينه من أهل النار؟ هذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم. هذا لا يجوز، قد دلت الكثير من النصوص على أن رسول الله كان ينهى أصحابه عن الجزم بأن فلان في الجنة، وفلان في النار. لكن اختلف العلماء: هل يستثنى أحد؟ هل هناك استثناءات في هذا الباب؟ نعم، في استثناءات، لكن تم الخلاف بين العلماء: ما هو الاستثناء الصحيح المنضبط في هذه المسألة؟ هل يمكن لأحد من الناس أن يقول: فلان في الجنة؟ الأصل لا، لكن هل يستثنى أحد؟ العلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب من أهل العلم. من قال: إنه لا يجزم لأحد، ولا يشهد لأحد بجنة وبنار، إلا لأنبياء الله فقط. هؤلاء فقط هم الصفوة، وولهم الخلص من عباد الله جل وعلا، اصطفاهم الله لدينه، واشتباهم بوحيه، هؤلاء فقط لك أن تجزم لهم بالجنة، تقول: إسماعيل في الجنة، إبراهيم في الجنة، نوح في الجنة، يونس في الجنة، يوسف في الجنة، لك ذلك. وهذا مذهب الأوزاعي، وجماعة من أهل العلم. المذهب الثاني: مذهب من قال: إنه لا نجزم بأحد من أهل الجنة إلا بما دل عليه الدليل، بما دل عليه النص. جاءت نصوص بيّنت بذكر أناس بأعيانهم من أهل الجنة، فهؤلاء الذين عينوا بالسنة، وجاء كذلك الإشارة إليهم في القرآن، ذكروا بالجنة، فهؤلاء نجزم لهم ونقطع لهم بالجنة. قال نبينا: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، ثم ذكر العشرة عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء نجزم لهم بالجنة. وهكذا أهل بدر، جاء النص بأنهم من أهل الجنة بأعيانهم، ومن حضر صلح الحديبية، ومن تحت الشجرة، 1400 على الصحيح، هؤلاء نجزم لهم بالجنة بأعيانهم، من حضر نجزم لهم بالجنة، لماذا؟ لأن النص دل على أنهم من أهل الجنة، فلا نعارض ولا نجادل فيما دل عليه الدليل من أنهم من أهل الجنة، وأما ما عدا ذلك فلا. وهذا مذهب الكثير من أهل العلم، وهذا الحديث على هذا المذهب، على أن القطع بشهادة للجنة إنما يكون لمن نص عليه الدليل، وما نص عليه النص. المذهب الثالث: وهو من كان من أجمعت، أو اتفقت، أو كادت الأمة أن تجمع على صدقه وعلى سابقيته وعلى خيريته، فهذا كذلك يشهد له بالجنة. يعني رجل ليس نبيًا، وليس مما دل النص عليه، مثل الرجل في هذا الزمان، حاله مستقيم الحال، يعرفه القاصي والداني، والأمة أجمعت على خيريته، على علو أمره، على علو شأنه في الصلاح والتقى والعبادة والديانة، هذا ذهب جماعة من أهل العلم أنه إذا قال قائل: وجزم أن فلان في الجنة، قال: هذا ليس فيه شيء، بل نرجو له الجنة، وليس فيه شيء أنك تشهد له بالجنة. وهذا الترجيح شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن من اتفقت الأمة، أو كادت أن تتفق على خيريته، فقال: فهذا يشهد له بالجنة. واستدل رحمه الله تعالى بأدلة من القرآن والسنة، كقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وهكذا في حديث الجنازة، عندما مرت جنازة، فقام الصحابة وأثنوا عليها خيرًا، فقال نبينا: «وجبت»، ثم مرت جنازة أخرى، وأثنى الناس عليها شرًا، فقال لهم نبينا: «وجبت»، فسألوه عن ذلك، فقال: «وجبت لها الجنة»، «وتلك وجبت لها النار»، قال: «أنتم شهداء الله على خلقه». فاستدل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهناك أحاديث تدل على هذا المعنى، وإن كان في أسانيدها مقال، لكن هذا أصرح الأدلة في هذا الباب، على أن من الأمة أجمعت على صلاحه، أو على صلاحيته، فمن شهد له بالجنة، فهذا -على مذهب الثالث- يجوز. ومثاله: لأن رجلًا قال: يا أخي، الإمام الشافعي في الجنة، أنا أشهد أنه في الجنة، هذا على مذهب الثالث. مرتضى يقول: بل قال كما يقول الشيخ بن عثيمين رحمه الله تعالى، قال: على هذا القول، من قال بأن الإمام أحمد في الجنة، له ذلك، لماذا؟ لأن مثل هؤلاء: الشافعي وأحمد، أئمة الأمة، كادت أن تطبق على خيريتهم، على ديانتهم، على صلاحهم، فلا أحد يباريهم، ولا أحد يدانيهم، إلا أهل أهواء، ولا عبرة بهم، الناس عامة ماذا قد سلموا الديانة والاستقامة لهؤلاء، فقال: بأس، وهذا على مذهب الثالث، على من قال بهذا القول، فلا بأس ماذا؟ أن يشهد لمن الأمة أجمعت، أو كادت أن تجمع على خيريته، قلنا: هذا قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وبعض المحققين من المعاصرين على هذا القول. فبهذا، أخواني في الله، نعلم صورة المسألة، وأن الخلاف في موضوع التعيين بالجنة. قلنا: التعيين، قلنا: الشهادة بالجنة بالوصف العام، فهذا لا بأس به، ولا إشكال عليه. وإما الوصف بالعين، على مذهب الثلاثة، منهم من حصر هذه الشهادة في باب الأنبياء فقط، ومنهم من جعل ذلك في حق من دل عليه الدليل، ومنهم من أجمع، جعل الأمر مناط ماذا؟ على من شهد لهم الصحابة، وكذلك الأمة. وطبعًا، وإن كان هذا فيه نزاع، الاستدلال بهذا الحديث: «وجبت، وجبت»، هل هذا فقط لشهادة الناس، أم بإقرار نبينا؟ طبعًا سينازعون بهذا الدليل، لكن القصد هنا ذكر هذه المذاهب المذكورة في هذا الباب. ثم قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وما من ذنب إلا والعبد منه توبة، أي أن العبد متى ما أذنب الذنوب الكثيرة، فإنه تاب إلى الله جل وعلا، فإن الله يتوب عليه. والأدلة الدالة على ذلك كثيرة، كما ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «الإسلام يجب ما قبله، والحج يهدم ما قبله». وهكذا قال نبينا: «والهجرة تهدم ما قبلها». وأما حديث المشهور الذي فيه: التوبة تجب ما قبلها، ذكر شيخ الألباني رحمه الله تعالى بأن هذا ليس له أصل، ليس له أصل، ويراجع تخريج هذا الحديث: التوبة تجب ما قبلها، في السلسلة الضعيفة للعلامة الألباني رحمه الله تعالى. هذا، إخواني في الله، مسألة سريعة تذكر في هذا المقام. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.