التعليقات على كتاب الأدب المفرد 306

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 306، ألقاها

التبرك بالأسماء الحسنة وتأثيرها

يتناول شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول تيسير أمر سهيل بن عمرو، ويستدل به على جواز التبرك بالاسم الحسن. كما يشير إلى أحاديث أخرى حول الشؤم في المرأة والفرس والمسكن.

شرح حديث الشؤم في الدار والمرأة والفرس

يفسر حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الشؤم في الدار والمرأة والفرس، ويبين اختلاف أهل العلم في تفسير هذا الحديث بين كونه مخصوصا من التشاؤم المذموم أو أنه يعني غالب تشاؤم الناس بهذه الأشياء.

تفسير معنى التشاؤم وتغيير السيئ

يفسر الحديث النبوي بأن على الإنسان ألا يتشاءم بل يحاول تغيير السيئ إلى الأفضل، ويشير إلى أمثلة مثل تغيير المرأة سيئة الخلق أو استبدال المركب السيئ، بهدف سد باب التشاؤم كما ذكر أهل العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب التبرك بالاسم الحسن: حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن معن بن عيسى، قال: حدثني عبد الله بن المؤمل، عن عبد الله بن السائب، أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، حين ذكر عثمان بن عفان، أن سهيلا قد أرسله إليه قومه، فصالحوه على أن يرجع عنهم هذا العام، ويخلوها لهم قابل ثلاثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى، فقيل: أتى سهيل، سهل الله أمركم. وكان عبد الله بن السائب أدرك النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: "باب التبرك بالاسم الحسن". والتبرك مأخوذ من البركة، وهي ثبوت الخير ولزومه. والمراد أن الاسم الحسن ربما يتبرك به الإنسان، ويظن حصول الخير بسببه. ولأن الأسماء قوالب المعاني، كما مر معناه في باب التسمية: أن الاسم له أثر على صاحبه. وذكر حديث عبد الله بن السائب فيما حصل في صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، حين أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتمر مع أصحابه، فمنعه المشركون. وأرسل عليه الصلاة والسلام عثمان بن عفان حتى يتفاوض معهم. وكان المشركون يرسلون بعض أصحابهم لمفاوضة النبي عليه الصلاة والسلام. وكان ممن أرسلوا سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام، قال: "سهل الله أمركم"، أي تفاعل عليه الصلاة والسلام باسمه أن يحصل التسهيل في الأمر. فلما قيل: "أتى سهيل"، قال: "سهل الله أمركم". فيدل ذلك على جواز التبرك بالاسم الحسن، وتفاعل حصول الخير بالاسم الحسن. فإذا سمع الإنسان مثل اسم صالح، يتفاعل بحصول الصلاح، أو اسم سالم، حصول السلامة، ونحو ذلك من هذه المعاني، فهذا أمر لا بأس به. قال: "باب الشؤم في الفرس". قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس". قال: وحدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن كان الشؤم في شيء، ففي المرأة والفرس والمسكن". قال: وحدثنا عبيد الله بن سعيد، يعني أبا قدامة، قال: حدثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك، قال: قال رجل: يا رسول الله، إنا كنا في دار كثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقل فيها عددنا وقلت فيها أموالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ردوها أو دعوها، وهي ذميمة". قال أبو عبد الله: في إسناده نظر. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله: "باب الشؤم في الفرس"، أي حصول التشاؤم في الفرس. وذكر فيه حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس". وحديث سهل بن سعد: "إن كان الشؤم في شيء، ففي المرأة والفرس والمسكن". وكلا الحديثين في الصحيحين: حديث عبد الله بن عمر، وحديث سهل بن سعد. وذكر حديث أنس: أن الرجل قال: يا رسول الله، كنا في دار كثرت فيها أموالنا وعددنا، فتحولنا إلى أخرى، فقلت العدد والأموال. فقال: "ذروها، فإنها ذميمة". قال أبو عبد الله: في إسناده نظر، يعني البخاري رحمه الله يقول: في إسناده نظر. وسبب هذا الانتقاد هو كونه من رواية عكرمة بن عمار، وعكرمة بن عمار في حفظه ضعف، خاصة في روايته عن يحيى بن أبي كثير. كما أشار الشيخ الألباني رحمه الله: أن هذه الرواية وإن لم تكن من هذه الطريق، فهي حسنة بمجموع الطرق. وقد صححها شيخ الألباني رحمه الله بمجموع طرقها. وقد جاء هذا الحديث كذلك عند أبي داود وغيره. وحديث عبد الله بن عمر، كما نرى: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس". وظاهر هذا الحديث إثبات الشؤم في هذه الثلاثة. وقد مر معنا في الأبواب السابقة نفي النبي عليه الصلاة والسلام للطيرة، وإخباره بأن الطيرة شرك. والطيرة هي التشاؤم. وفي هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن التشاؤم في ثلاث: في الدار والمرأة والفرس. وهذا حمله بعض أهل العلم على أنه مخصوص من التشاؤم والطيرة المذمومة. وبعض أهل العلم بل المراد بهذا الحديث ليس على ظاهره، ليس المراد إثبات التشاؤم، وإنما المراد أن الناس ربما تشاؤموا من هذه الأشياء الثلاثة، وإن كان في الأصل لا حقيقة للتشاؤم. ويدل عليه حديث سهل بن سعد: "إن كان الشؤم في شيء، ففي المرأة والفرس والدار"، يعني: إن كان هناك شؤم وتشاؤم، سيكون في هذه الثلاثة: في المرأة والفرس والدار. فالتشاؤم وتعلق القلوب بهذه الأشياء أكثر من غيرها. وأشار الشيخ الألباني رحمه الله إلى أن الرواية الأولى، رواية ابن عمر: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس"، على أنها شاذة. والمحفوظ: "إن كان الشؤم في شيء، ففي المرأة والفرس والدار". ولمعنى هذا الحديث أو فسره أهل العلم بمعنيين. المعنى الأول: هو أن يكون الشؤم في هذه الثلاثة من قلة التوفيق، أي أنه لا يوفق في اختيار هذه الثلاثة. فيتزوج امرأة فتكون سيئة الخلق، فيعيش معها في كآبة وتعاسة بسبب سوء اختياره. فيكون فيه معنى التشاؤم، أو كذلك يسكن بيتا ضيقا أو يجاور جيرانا سيئي الخلق، فيتأذى منهم. وهكذا يكون له مركب سيئ كما يقال دائما، وهو يحمله تارة، وهو في عطالة أخرى، فيكون فيه شيء من التشاؤم بسبب سوء اختياره لهذه الأشياء. ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد، من حديث سعد بن أبي وقاص، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والمركب الهنيء، ومن شقاوة ابن آدم: سوء الدار، وسوء المرأة، وسوء المركب». فهذا المعنى الأول هو يكون من عدم التوفيق، وكذلك سوء الطباع، كما كنا سوء خلق المرأة، وكذلك كما جاء في بعض الروايات: عقم رحمها، كونها لا تلد مع سوء خلقها. وهكذا ضيق البيت، وسوء الجيران، هذا مما يوقع الإنسان في التعاسة. وهكذا سوء المركب. والمعنى الثاني: أن المراد هو قطع مادة الشؤم، وسد الذريعة حتى لا يتشاءم الإنسان بهذه الأشياء. ويدل عليه حديث أنس الذي ذكره رحمه الله: قال رجل: يا رسول الله، إن كنا في دار كثرت فيها أموالنا وعددنا، فتحولنا إلى أخرى، فقلت العدد والأموال. فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يدع هذه الدار، ويتحول. قال: "ردوها أو دعوها، وهي ذميمة". فذمها النبي عليه الصلاة والسلام. قال أهل العلم، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، وأشار إلى هذا المعنى أيضا للإمام ابن القيم: أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد سد ذريعة اعتقاد الشؤم فيها. فربما لو بقي فيها، واستمر، وقل العدد وقل المال، لربما اعتقد أنه بسبب الدار، فيتشاءم ويقع في المحظور الذي نهى عنه الشرع من التشاؤم. فالأجل ذلك أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يتحول عنها. ويكون معنى الحديث: "إن كان الشؤم في شيء، ففي المرأة والدار والفرس"، أن المراد بذلك: سد الذريعة، سد ذريعة التشاؤم بهذه الأشياء. ومن ذلك أن الإنسان يحول، إن كان في دار ضيقة ودار تعيسة، ينتقل إلى دار أوسع. وهكذا إن كانت له امرأة سيئة الخلق، تعيشه في تعاسة وفي تعب ونكد، فإنه يغيرها. وهكذا المركب، إن كان مركبا سيئا، فإنه كذلك يحول إلى مركب حسن، حتى يسد باب التشاؤم. فيكون هذا معنى الحديث كما ذكره أهل العلم.

شاركنا على