الدرس في التعليق على الجواب الكافي 179، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح ابن القيم أن كمال اللذة والفرح في محبة الله يعتمد على كمال المحبوب وكمال المحبة. اللذة الحقيقية تأتي من محبة الله والآخرة بينما الدنيا فانية ولذاتها غير دائمة.
النعيم الأعظم في الآخرة هو النظر إلى وجه الله، ولذة محبته ومعرفته هي جنة الدنيا ونعيمها. تفوق كل لذة أخرى وتجعل الحياة طيبة بينما تصبح اللذات الدنيوية عذابا لمن قطعته عن محبة الله.
يناقش المقطع أنواع اللذات في الدنيا وعلاقتها بلذة الآخرة، حيث قسم اللذات إلى ثلاثة أنواع. اللذات التي يقصد بها وجه الله تعالى تثاب عليها بينما اللذات التي تتعلق بالمحرمات تعتبر استدراجا من الله.
تقوية الجسد يمكن أن تكون وسيلة للتقرب إلى الله من خلال النشاط في الطاعة والعبادة والجهاد. الأشياء التي تعين على تحقيق اللذة المطلوبة لذاتها تعتبر حقًا بينما ما لا يعين عليها فهو باطل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، ما بعد. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق كلامه على محبة الله جل وعلا، وأنها أنفع المحبة للعبد وهي أصل المحبة، قال: فصل الكمال اللذة في كمال المحبوب وكمال المحبة. قال: وها هنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به، وهو أن كمال اللذة والفرح والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين: أحدهما كمال المحبوب في نفسه وجماله، وأنه أولى بإثارة المحبة من كل ما سواه. والأمر الثاني كمال محبته واستفراغ الوسع في حبه وإيثار قربه والوصول إليه على كل شيء. وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته، فكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحبة أكمل. فلذة من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال، أو الزلال، ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي، ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته. أنا بحسب قوة محبة شخص، فكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحبة أكمل. أنا يحب ما هو أكمل حتى يسد جوعه. قال: فإذا عرفت هذا، فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه، بل هو مقصود لكل حي وعاقل أنه تستكمل لذاته ويكون مسرورا فرحا. قالوا: إذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها، فهي تذم إذا أعقبت ألما أعظم منها، أو منعت لذة خيرا منها وأجل. فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات وفوتت أعظم اللذات والمسرات؟ وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما، وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها، كما قال الله عز وجل: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾. أن هذا ليس عقل صحيح من آثر الحياة الدنيا الفانية على الآخرة الباقية. فكما قال بعض العلماء: فلو أن الحياة الدنيا تفنى والآخرة تفنى، لكان العاقل اختار الآخرة، فكيف والآخرة باقية لا تفنى؟ قالوا: قال السحرة لفرعون لما آمنوا: ﴿فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إننا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾. انظر إلى هذا الإيمان العظيم في لحظة، تحولوا إلى أهل إيمان وتوكل على الله. ﴿فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾، حتى لو قتلتنا، ما قتلتنا في هذه الحياة الدنيا فقط، وإلا فهي لنا هناك دار عظيمة نبقى فيها. ﴿إننا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾. وهذا يدل على أنهم كانوا يسمعون عن موسى هذه الأشياء، فلما آمنوا أيقنوا بذلك الشيء. فقالوا له: افعل ما تفعل، معنى أعظم شيء ستتخذه أنك تقتلنا، هذا أعظم ما تتخذه. فإذا قتلتنا ذهبنا إلى ربنا جل وعلا وعوضنا بالدار الآخرة الجنة. قال الله سبحانه وتعالى: خلق القلب لينيلهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد. وأما الدنيا فمنقطعة، ولذاتها لا تصف أبدا ولا تدوم، بخلاف الآخرة، فإن لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كدر وألم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مع الخلود أبدا. ﴿لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين﴾، أي من راحة ولذة. وقرة أعين هو ما تنظر إليه العين وتستقر، وهو المراد به ما ترتاح له العين، والمراد به الراحة. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، أي من راحة عظيمة ينالونها في جنة الخلد. قال: بل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فالنعيم عظيم لا يمكن أن يوصف، فلهذا لم يوصفه الله عز وجل لعباده، وأخبرهم أنه فيه ما لا عين رأت، لم تره عينهم ولم تسمع، ولم يخطر على بال. قال: وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه بقوله: ﴿يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾. فأخبرهم أن الدنيا متاع استمتع بها إلى غيرها، وأن الآخرة هي المستقر. وإذا عرفت أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة، ولذلك خلقت الدنيا ولذاتها، فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يدم تناولها، بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة. فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يدم تناولها، أي لذة من اللذات التي في الدنيا تعين على لذة الآخرة فهي لذة خير. قال: وإذا عرف هذا، فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها هو النظر إلى وجه الرب جل وجلاله، وسماع كلامه منه، والقرب منه، كما ثبت في الصحيح من حديث الرؤية. فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه. والمراد به حديث صهيب بن سنان الرومي، أخرجه الإمام مسلم رحمه الله بصحيحه من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن ابن أبي ليلى عن صهيب. قال: فإذا غرف هذا، فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة هي أعظم لذات الدنيا على الإطلاق، وهي لذة معرفته سبحانه ولذة محبته، فإن ذلك هو جنة الدنيا ونعيمها العالي. أن جنة الدنيا هي محبة الله عز وجل والشوق إلى لقائه، ونسبة لذاتها الفانية إليها تفلة في بحر. فما تغني هذه التفلة في هذا البحر الواسع؟ قال: فإن الروح والقلب والبدن إنما خلق لذلك، فأطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته، وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته. فمحبته ومعرفته قرة العيون ولذة الأرواح وبهجة القلوب ونعيم الدنيا وسرورها. بل لذات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلاما وعذابا. قال: ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك، فليست الحياة الطيبة إلا بالله. وكان بعض المحبين تمر به الأوقات فيقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب. أن يجد من الراحة والسرور في قلبه ما الله به عليم. قالوا: وقد تقدم ذلك. وكان غيره يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف. وهم فقراء. أنا قالها إبراهيم بن أدهم، وكان إبراهيم فقيرا لا يجد حتى ما يقوته. كان يأخذ كسرة من خبز ويأكلها في نهر دجلة أو الفرات. فكانوا فقراء، لكنهم ملكوا الدنيا بالقناعة، ملكوا الدنيا بمحبة الله عز وجل. فأنستهم محبة الله والشوق إليه كل لذة في هذه الحياة، فكانت هذه اللذة من أعظم اللذات. كما قال الإمام ابن القيم: ومن لذاته بالنسبة لهذه اللذة إلا كتفلة في بحر. قال: وكان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب، يقول في حاله: ومن الناس إلا العاشقون ذو الهوى، فلا خير في من لا يحب ويعشق. وهذا يقيس على نفسه، يرى أن الذي لا يعشق ليس له حياة. ولأنه تمر عليه ساعات يجد فيها راحته مع حبيبه، لكنه يتعذب بعد ذلك في ساعات كثيرة، ويجد الألم والعذاب والحسرة إذا فاتته التي يريدها. قال: ويقول الآخر: أفل لدنيا إذا ما لم يكن صاحب الدنيا محبا أو حبيبا. ويقول الآخر: ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها وأنت وحيد مفرد غير عاشق. ويقول الآخر: اسكن إلى سكن تلذ بحبه، وذهب الزمان وأنت منفرد. ويقول الآخر: تشكى المحبون الصبابة، ليتني تحملت ما يلقون من بينهم وحدي. قال: فكانت لقلبي لذة الحب كلها، فلم يلقها قبلي من حب ولا بعدي. وهذا من الأماني التي تصور للنفس، والشيطان يزينها. وإلا فغالبا هؤلاء الذين يحبون غير ربهم سبحانه وتعالى ويغلون في ذلك، فالغالب أنها تتحول هذه اللذة إلى ألم وعداب. قال: فكيف من محبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها. وإذا فقدها القلب، كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقدت شمه، واللسان إذا فقد نطقه. قال: بل فساد القلب إذا خل من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحق، أعظم من فساد البدن إذا خل من الروح. يعني إذا خل من الروح سيموت، لكن هذا الموت موت القلب هو أعظم من موت الجسد. قال: وهذا الأمر لا يصدق به إلا من في قلبه حياة. ﴿وما لجرح بميت إيلام﴾، يعني الجرح الميت، لا يتعلم، لأنه ميت. والقلب الميت لا يتعلم من كثرة الإيلام، ومن كثرة العذاب، فهو يظن أن هذا العذاب ألم، أو أن هذا العذاب راحة. قالوا: المقصود: إن أعظم لذات الدنيا هي السبب الموصل إلى أعظم لذة في الآخرة. ولذات الدنيا ثلاثة أنواع: فأعظمها وأكملها ما أوصل إلى لذة الآخرة، ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتم الثواب وأعظمها لذة العبادات. ومن ذلك لذة العلم. ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه. فهذا كان دعب السلف وأهل الفقه والعلم، يجعلون أكلهم عبادة ولبسهم عبادة وشربهم عبادة ونكاحهم عبادة. كيف ذلك؟ أن ينون بأكلهم التقوى على الطاعة، وينون بشربهم أيضا كذلك، أنهم يتقوون، وكذلك تذهب ما عندهم من الأمراض، لأجل أن يعبدوا الله. قال: والنوع الثاني لذة تمنع لذة الآخرة وتعقب آلاما أعظم منها، كلذة الذين اتخذوا من دون الله أوثانا. ﴿مودة بينهم في الحياة الدنيا﴾، أحبوها وتعلقوا فيها. قال: ﴿يحبونهم كحب الله﴾، واستمتعوا بعضهم ببعض. كما يقولون في الآخرة: ﴿إذا لقوا ربهم ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾. قال: ﴿النار متواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾. قال: ولذة أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير حق. وهذه اللذات الحقيقية إنما هي استدراج من الله لهم، ليذيقهم بها أعظم الآلام، ويحرمهم بها أكمل اللذات، بمنزلة من قدم لغيره طعاما لذيذا مسموما، يستجرجه به إلى هلاكه. قال الله عز وجل: ﴿والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين﴾. قال بعض السلف في تفسيرها: كلما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة. وهذه النعمة يعذبون بها. قال: والنوع الثالث لذة لا تعقب لذة في دار القرار، ولا ألما، ولا تمنع أصل لذة الدار القرار، وإن منعت كمالها. طالوا هذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة الآخرة، فهذه زمانها يسير، ليس لتمتع النفس بها قدر. قال: وهذا القسم هو الذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿كل له يله به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبة امرأته فإنهن من الحق﴾. أنا هذه من الحق، لأنها لتعلم الجهاد في سبيل الله، وتربي على الجهاد وعلى الفروسية وعلى الشجاعة. وكذلك ملاعبته امرأته من باب حسن العشرة المطلوبة بين الرجل وامرأته. قال: فما أعان على الذي المطلوب لذاته فهو حق. وما لم يعن عليها فهو باطل. وكذلك له: فما كان يعين على حق فهو له صحيح، مثل الرمي، مثل التأديب، مثل السباحة، مثل كذا. هذه الأشياء تقوي الجسد، وقد ينوي الإنسان بتقوية جسده طاعة الله جل وعلا، والنشاط في الطاعة والعبادة والجهاد في سبيل الله. قال: فما عان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق. وما لم يعن عليها فهو باطل. هذا خلاصة ما ذكره. نكتفي بذلك. والله تعالى أعلم.