الدرس في التعليق على كتاب العلم 69، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
حذر الشيخ ابن عثيمين من تفسير القرآن بالنظريات العلمية المتغيرة لأن خطئها يفتح باب الطعن في القرآن. والصواب تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال السلف، فالقرآن نزل للعبادة والأخلاق لا ليكون كتاب علم تجريبي.
بين المقطع أن سياق آيات "يا معشر الجن والإنس" يتعلق بأحوال يوم القيامة لا بالوصول إلى القمر، فربطها بالعلوم المادية خطأ منهجي. كما انتقد التعصب للمذهب الفقهي الواحد ورفض الدليل الشرعي الصريح، مؤكداً أن الإعراض عن الحق في غير المذهب مذموم شرعاً.
أوضح المقطع أن المنتسب للمذهب يلتزم بقواعده لكن يقدم الكتاب والسنة عند التعارض، مستشهداً بابن تيمية وابن عثيمين. ثم ناقش حديث "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله"، فرجح ابن عثيمين عدم ثبوته مع استحباب البسملة والحمد لدلائل أخرى صحيحة.
أكد المتحدث أن الابتداء بالبسملة والحمد ثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، مستنداً إلى السنة الصحيحة. ثم اختتم الدرس بالاكتفاء بما ذُكر والتسليم لعلم الله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: سُئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين -عليه رحمة الله- كما في كتابه "كتاب العلم": هل يجوز تفسير القرآن الكريم بالنظريات العلمية الحديثة؟ فأجاب بقوله: "تفسير القرآن بالنظريات العلمية له خطورته، وذلك إننا إذا فسرنا القرآن بتلك النظريات ثم جاءت نظريات أخرى بخلافها، مُعْطَى ذلك أن القرآن صار غير صحيح في نظر أعداء الإسلام. أما في نظر المسلمين فإنهم يقولون: إن الخطأ من تصور هذا الذي فسر القرآن بذلك. لكن أعداء الإسلام يتربصون به الدوائر. فهؤلاء أصحاب النظريات، وبعضهم يسميه بـ 'الإعجاز العلمي' أو إلى غير ذلك من المسميات، هم في الحقيقة يريدون نصر الإسلام، ويريدون إظهار أن القرآن من عند عزيز حكيم، من رب العالمين، ولكن من جهة أخرى يسيئون إلى القرآن من حيث لا يشعرون، وهذا بسبب الجهل بدين الله سبحانه وتعالى. فلربما يدافع أحدهم على نظرية ما اكتشفها أحد هؤلاء العلماء، علماء الكون أو علماء الطبيعة كما يسميهم البعض، فيقول: هذه النظرية قد جاء في القرآن ما يصدقها. ثم بعد ذلك يكتشف أن هذه النظرية خاطئة، فيقول أعداء الإسلام: كيف أنتم تقولون هذه تصدق القرآن؟ إذن القرآن يبطل كما أبطلت هذه النظرية. فانظروا إلى الخطورة التي يعني يرتكبها هؤلاء من حيث لا يشعرون. فالحذر من هذا المسلك. فالقرآن -كما تقدم- يفسر بالقرآن، فأفضل تفسير القرآن أن يفسر القرآن بالقرآن، ثم القرآن بالسنة، ثم بآثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن كان على نهجهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين". قال: "ولهذا أنا أحذر غاية التحذير من التسرع في تفسير القرآن بهذه الأمور العلمية، ولندع هذا الأمر للواقع. إذا ثبت في الواقع فلا حاجة إلى أن نقول: القرآن قد أثبته. نعم، إذا كان أمرًا واقعيًّا مشاهدًا ملموسًا ملاحظًا، وجاء ما يصدق القرآن، فنقول: القرآن نزل... قال: فالقرآن نزل للعبادة والأخلاق والتدبر. يقول الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فإن وجدت شيئًا في الواقع يطابق القرآن، فتدبر في خلق الله، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. هذه الآيات التي تفكروا فيها، ما أثارها في نفوسهم ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فالتدبر والتفكر في خلقات الله عز وجل الواقعة مما يزيد في الإيمان، مما يزيد في الإيمان. فلذلك قال: وليس لمثل هذه الأمور التي تدرك بالتجارب، ويدركها الناس بعلومهم، ثم إنه قد يكون خطرًا عظيمًا فادحًا في تنزيل القرآن عليها. أضرب لهذا مثلًا: قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. هذه آية في سورة الرحمن. بعضهم فسرها -كما سيأتي- بطلوع أولئك إلى سطح القمر، واختراق هذا المحيط، محيط الأرض. فماذا قالوا؟ قال: لما حصل صعود الناس إلى القمر، ذهب بعض الناس ليفسر هذه الآية، ونزلها على ما حدث، وقال: إن المراد بالسلطان العلم، وأنهم بعلمهم نفذوا من أقطار الأرض وتعدوا الجاذبية. وهذا خطأ. نظروا: فسرّوا السلطان هنا بالعلم الذي علموه من صناعة هذه المركبات الفضائية، ومن تلك العلوم المعاصرة الحديثة التي بها توصلوا إلى ما توصلوا إليه من طبقات السماء... من طبقات السماء. ففسروا هذه الآية بما يقع من هؤلاء أصحاب النظريات، أصحاب تلك العلوم المادية، عندما وصلوا إلى ما يسمونه بسطح القمر. قال الشيخ: وذلك لأنك إذا فسرت القرآن بمعنى، فمقتضى ذلك أنك شهدت بأن الله أراده، وهذه شهادة عظيمة ستسأل عنها. ما يدريهم أن معنى الآية أن الله أراد أن هؤلاء سيصلون إلى هذه العلوم، ثم سيصلون بهذا العلم إلى ما وصلوا إليه من الصعود إلى القمر بزعمهم؟ ولذلك قال: ومن تدبر الآية وجد أن هذا التفسير باطل، لأن الآية سيقت في بيان أحوال الناس وما يؤول إليه أمرهم، يعني أن هذا الأمر سيكون في قيام الساعة، في قيام الساعة. لماذا؟ قال: اقرؤوا سورة الرحمن، تجدوا أن هذه الآية ذكرت بعد قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. فلنسأل: هل هؤلاء القوم نفذوا من أقطار السماوات؟ ثم قال: الجواب: لا. الله يقول: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾، فهم لم يستطيعوا ذلك، وإنما من باب التعجيز لهم. ثانيًا: هل أرسل عليهم شواظ من نار ونحاس؟ والجواب: لا، لأن بعد هذه الآية ما هي؟ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾، أي أنهم لا يستطيعون ذلك. فكيف تأتي وتفسرها بما وصل إليه هؤلاء مما وصلوا إليه في هذا العصر الحديث؟ وسياق الآية إنما هو في بيان أحوال الناس وما يؤول إليه أمرهم في ذلك الوقت، عند قيام الساعة. وانظروا إلى تفسير العلماء، ستجدون هذا التفسير السلفي لهذه الآية، ولم يتطرق أحد من المفسرين إلى أنه سيأتي في زمن من الأزمان، بسبب انتشار العلم، علم هؤلاء الفلكيين أو هؤلاء العلماء علماء الكون، وأنهم سيصلون بعلمهم إلى ما وصلوا إليه، أو إلى ما سيصلون إليه. لم يذكر أحد ذلكم التفسير. فانظروا إلى ضلال هؤلاء الذين يفسرون القرآن بمثل هذه التفسيرات الخارجة عن تفسير سلف الأمة. قال: والجواب: لا. إذن فالآية لا يصح أن تفسر بما فسر به هؤلاء، ونقول: إن وصول هؤلاء إلى ما وصلوا إليه هو من العلوم التجريبية التي أدركوها بتجاربهم، أما أن نحرف القرآن لنخضعه للدلالة على هذا، فهذا ليس بصحيح ولا يجوز". قال: "ثم سئل الشيخ -رحمه الله-: ذكرتم أن الاعتماد على أقوال الرجال خطأ يضر طالب العلم، فهل يفهم من هذا عدم التمذهب أو الرجوع إلى مذهب معين فيما يشكل من أحكام؟ فأجاب فضيلته بقوله: "التمذهب بمذهب معين إذا كان المقصود منه أن الإنسان يلتزم بهذا المذهب معرضًا عما سواه، سواء كان الصواب في مذهبه أو مذهب غيره، فهذا لا يجوز، ولا أقول به، ولا يقول به سلفي، وإنما يقول به متعصبة المذهب: أنك تلتزم مذهبًا واحدًا ولا تخرج عنه قيد أنملة، فكل ما في المذهب كأنه وحي نزل من السماء، كأنه قرآن لا تخالفه، وإن خالف صريح أدلة من القرآن والسنة. وهذا لاشك لا يقول به أحد من علماء السنة"، كما ذكر الشيخ -رحمه الله-. قال: "أما إذا كان الإنسان يريد أن ينتظم إلى مذهب معين لينتفع بما فيه من القواعد والضوابط، لأن المذاهب لها قواعد، ولها ضوابط، ولها أصول، فيدرس هذه الضوابط والأصول والقواعد حتى يمشي على مذهب معين، فإذا وجد في هذا المذهب ما يخالف الحق، ما يخالف الكتاب والسنة، ترك هذا القول وأخذ بالقول الصحيح، وإن كان في غير مذهبه. قال: ولكنه يرد ذلك إلى الكتاب والسنة، وإذا تبين له الرجحان في مذهب آخر ذهب إليه، فهذا لا بأس به. والعلماء المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره هم من هذا النوع، هم محققون ولهم مذهب معين. فابن تيمية ينتسب إلى الحنابلة، وكذلك غيره ممن عرفوا بالتحقيق، ومع هذا ينسبون إلى مثل تلك المذاهب. فهل شيخ الإسلام ما خرج عن مذهب الحنابلة؟ بل خالف المذهب فيما تبين له أن الصواب خلافه. وهكذا الشيخ ابن العثيمين -عليه رحمة الله- في شرحه لـ 'زاد المستقنع' في 'الشرح الممتع'، فقد شرح متنًا من متون الحنابلة، ومع هذا لم يجمد -رحمه الله- على ما في هذا المتن، بل خالف هذا المتن في أشياء، بيّنها وذكر أن الصواب في غيرها". قال: "وسُئل -رحمه الله-: هل حديث 'كل أمر ذِي بال لم يُبْدَأْ باسم الله' آخر الحديث... حديث صحيح؟ والتتمة: الحديث: 'كل أمر ذِي بال لم يُبْدَأْ باسم الله، ففي رواية: فهو أبتر، وفي رواية: فهو أقطع، وفي رواية: فهو أجذم، وفي رواية بذكر الحمد'. فلذلك حكم بعض أهل العلم على هذا الحديث بالاضطراب، والشيخ الألباني في 'تمام المنة في إرواء الغليل' ضعف هذا الحديث بجميع ألفاظه، في جميع ألفاظه. والسائل هنا يسأل عن صحة هذا الحديث، وسيأتي من كلام العلامة ابن عثيمين ما يتعلق بهذا الحديث. قال: 'الحديث: كل أمر ذِي بال لم يُبْدَأْ باسم الله، آخر الحديث، حديث صحيح، لأنه يكثر في مؤلفات العلماء، يعني أن كثيرًا من العلماء يذكرون هذا الحديث في بداية كتاباتهم'. فأجاب فضيلته بقوله: 'هذا الحديث اختلف العلماء في صحته، فمن أهل العلم من صححه واعتمده، كالنووي، وكأن النووي عمل به للقاعدة التي يمشي عليها، وهي العمل بالحديث الضعيف إذا كان في فضائل الأعمال، والله أعلم. قال: ومنهم من ضعفه، وهم الأكثر، على ضعف هذا الحديث. قال: ولكن تلقي العلماء له بالقبول، ووضعهم ذلك الحديث في كتبهم، يدل على أن له أصلًا، يعني ليس ضعفه شديدًا. فالذي ينبغي للإنسان التسمية على كل الأمور المهمة، والابتداء بحمد الله عز وجل. وقد دلت أدلة أخرى غير هذا الحديث صحيحة، أدلة أخرى صحيحة على مشروعية البسملة والحمد في أول الخطب أو الكتابات. فالبسملة له اقتداء بكتاب الله، وهكذا ببعض ما كان يرسل -عليه الصلاة والسلام- من خطابات للملوك والأمراء. وأما الحمد، فكذلك من فعل النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقد كان -عليه الصلاة والسلام- يبتدئ خطبه بخطبة الحاجة، وأولها حمد الله عز وجل: «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره». فالمهم: الحديث بهذا اللفظ لم يثبت، لا بهذا اللفظ ولا بغيره من الألفاظ، في أول هذا الحديث: 'كل أمر ذِي بال لم يبدأ بحمد الله، أو بسم الله، أو هو أجذم، أو أقطع، أو أبتر'. كل هذه الألفاظ لم تثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، أي لم يثبت هذا الحديث. وأما الفعل، فإنه قد ثبت، يعني الابتداء بالبسملة والحمد من فعل النبي -عليه الصلاة والسلام-'. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر"